عالم التصوف ينطوي على عجائب الأسرار .. مناقب الأخيار وزهد الأبرار

قسَّم الباحثون التطور التاريخي لمفهوم التصوف إلى عدّة عصور وفقاً لوجهات نظر مختلفة: حيث يتم النظر إلى الطرق الصوفية بوصفها نقطة مرجعية. ويمكننا التعرّف على زمن ما قبل ظهور الطرق الصوفية (القرنين الثامن والتاسع للهجرة)، عندما كان ينظر إلى الوضعية الراهنة للتصوف على نحو منفرد. كما أن هناك إمكانية أخرى لتقسيم تاريخ التصوف حسب الشخصيات: الفترة الممتدة من عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم حتى الجنيد البغدادي )215-298 هـ) (أي من القرن الأول حتى الثالث هجري)، ومن حقبة الجنيد البغدادي حتى عصر ابن عربي )558-638 هـ(؛ (أي القرن الرابع حتى السابع هجري( والحقبة التي تأتي بعدها.

كما يمكن إحداث تقسيم مهم إذا استعملنا التسميات التي أعطاها الصوفيون لكل عصر على حدة: البدايةُ صاغَها عصرُ الزهد، وبعدها جاء عصر التصوّف، ثم عصر وَحدة الوجود، أعقبه عهد الطرق الصوفية، وختاماً عصر الحداثة. وإلى جانب التقسيم المذكور، يقسم عبد القادر محمود تاريخ التصوّف إلى عصر سني وعصر سلفي وآخر فلسفي.

وقسم الأب جورج شحاتة قنواتي Georges Chehata Anawati (1905 – 1993) تاريخ التصوف إلى ثلاثة عصور: يمتد العصر الأول على مدى القرون الثلاثة الأولى للإسلام (من القرن السابع حتى القرن التاسع)، ويمكن تسميته بعصر “الكفاح من أجل البقاء”، لأن التصوف الإسلامي كان يبحث عن حقِّه في الحياة واجتهد من أجل تجنب التصورات النمطية. أما الفترة الثانية فموسومة بتصالح وانتصار الصوفية التي تدين بالخصوص للغزالي. أما العصر الأخير فهو زمن الانتشار الكبير لمؤلّفات الصوفية (من القرن الثاني عشر حتى القرن الخامس عشر).

مفهوم التصوّف

اتفق العديد من الباحثين أنه يصعب وضع تعريف شامل ودقيق لمفهوم التصوف. ويمثل رينولد ألين نيكلسون Reynold Alleyne Nicholson)1868-1945( وجهة النظر القائلة إنّ التصوف لا يقدِّم في نظرياته ولا في تطبيقه العملي نظاماً تربوياً موحداً ومغلقاً. وحتى الأهداف العامة يمكن أن تصبح محددة في تناغم واضح، لا سيما أنه توجد فروقات متنوعة في رؤية العالم لدى الصوفي. فقد فسّر التصوف في بداياته الصوفية على نحو متعدد وكانت تُعطى معان متعدّدة لمفاهيم مهمّة مثل مفهوم “فناء”.

وتوصّل نيكلسون بعد قيامه بدراسة المصادر المسيحية للتصوف حتى القرن الخامس إلى نتيجة مفادها أنه يوجد أكثر من ثمانية وسبعين تعريفاً متنوعاً لمفهوم التصوف. وحسب وليم تشتيك William Chittick) ولد في 1943( فقد كان هذا التباين بواسطة تعريف المفهوم أكثر صعوبة. ويعتقد أنه يتوجب إعطاء الصدارة لظاهرة التصوف أكثر من المفهوم، مما قد يساهم في تسهيل فهم المعنى الحقيقي للتصوف. وتأتي صعوبات تعريف التصوف في كون العلماء يحاولون التعبير عن تجاربهم الخاصة فقط. وها هو جلال ‌الدین الرومي (604 هـ -672 هـ) يحكي كمثال على هذا التباين قصة الفيل الذي جعله بعض الهندوس في حجرة مظلمة.

وقد لخصت أنا مارى شيمل Annemarie Schimmel (1922-2003) مشكلة هذا التنوع المفاهيمي بالقول: “ولكن ما العمل حين يزعم كاتب له قراء كثر بشجاعة، أن جوته، وستـ. فرانتسيسكوس، ونابليون والعديد من الآخرين كانوا متصوّفة؟ كيف يمكن للمرء هنا أن ينتظر من الجمهور العام معرفةً عميقة بتاريخ وجوهر التصوف؟ وفي الواقع بالكاد يمكن الإجابة على نحو صحيح عن أسئلة من قبيل: ما هو التصوف في الحقيقة؟ وما هي علامات المتصوّفة؟”.

ولا توجد أية صيغة تلخص أوجه التديّن الشخصية والداخلية. لهذا ترسم هذه التعاريف بعدها بعض مظاهر ومميزات الصوفية على نحو موجز. وقسّم حسن كامل يلماز Hassan Kamil Yılmaz كل محاولات تعريف وتفسير التصوف إلى عشر مجموعات:

1.التصوّف هو الزهد.

2.التصوّف هو الأخلاق.

3.التصوّف هو تصفية القلب.

4.التصوف هو تزكية النفس.

5.التصوف هو الاستقمة.

6.التصوف هو الالهي.

7.التصوف هو الوصول إلى الله.

8.التصوف هو حياة ربانية.

9.التصوف هو علم الباطن.

10.التصوف هو العلم اللدني.

لم يتحدّث المتصوفة والزهاد الأوائل عن مفهوم التصوف على نحو غير متجانس. لهذا السّبب سيكون من المفيد أن نأخذ بعين الاعتبار المسافات الزمنية من أجل وضع تصنيف لتطوّر المفهوم. إن الاسم الأكثر تداولا للعرفان Mystik في الغرب هو كلمة التصوّف Sufismus أو Sufik. يعتبر هذا المفهوم مثيراً للجدل في الثقافة الإسلامية، فحتى اليوم توجد العديد من الآراء المختلفة عن أصل اشتقاقه. ويجبر تنوع التوجيهات الصوفية والفروقات الكبيرة بين الإرشادات على حدة، كل ملاحظ باحث على تحديد وجهة نظر معينة ومغلقة، من أجل إمكانية فهم التصوف، فالكثير من إشارات التصوف تتقاطع أو تتكامل فيما بينها. لهذا ليس من الممكن فصل الشروحات عن بعضها البعض على نحو قاطع. إذ يتعلّق الأمر بلقطة حيّة للتجارب الشخصية التي يصعب إدراكها في كلمات. وكي يفهمه المرء، يتوجب عليه أن “يعيشه”، لهذا من السهل شرح ما لا يكونه التصوف، على نحو معاكس.

صعوبة أخرى تواجه الباحث عند وصف التصوف، تتمثل في كون المتصوفة يعبرون عن تجاربهم ومَواجِدهم في شكل فنّي-شعري في الغالب، وليس في وسيلة علمية. ويشكل حبّ الإله، وحبّ الرفيق، وحبّ المحبوب الموضوع الرئيسي للشعر الصوفي والورع، وإلى جانب حبّ الله نجد أيضاً تصورات عن الفناء والبقاء في التصوف. وتعتبر الصوفية تياراً دينياً للإخلاص (لله تعالى) والشعور (بالرضا). ويصف متصوفة مثل الغزالي (450 هـ -505 هـ) التصوف بأنه موعظة بلاغية: الإيمان يشبه البندق. في الخارج توجد القشرة، وفي الداخل توجد النواة. المتصوف يريد اكتشاف النواة.

وحسب ابن عربي، لم يوجد أي تعريف موحّد للتصوف. ذلك أن التصوف هو تجربة أكثر منها نظرية. ويتم تقسيم التجربة الصوفية إلى فئتين: الأحوال (الروحية القصيرة المدى) والمقامات (المكتسبة المتدحرجة صعودًا في لحظة بعينها). ولهذا اعتبر ابن خلدون أنه يستحيل أنّ يتطوّر التصوّف بشكل دائم. ومع مرور الوقت تم منح مفهوم التصوف سمات أجنبية دخيلة عليه. فرغم المصطلح الموحّد توجد العديد من التصورات عن التصوف. لهذا وصف ابن خلدون “العصر الذهبي” (عهد النبي) بالورع، وحاول تفسيره بطرحه للسؤال التالي: إلى أي حد تتلاءم التعريفات المختلفة للتصوف مع الإسلام؟ لهذا قسم ابن خلدون الوصايا إلى عنصرين:

1. الأفعال الدينية الظاهرة وقواعدها.

2. الأفعال الدينية الباطنية وقواعدها.

صنّف ابن خلدون (732 ه-808 ه) الأفعال الدينية الباطنة في مقام عالٍ، كما نظر إليها بأحكام القلب، بوصفها مصدراً للتصوف، وهنا استند إلى الآيات القرآنية والأحاديث وعرض أمثلة من حياة صحابة النبي، ليقدم التصوف في النهاية على أنه موعظة.

أمّا الجنيد فقد وصف التصوف بالكلمات التالية: “التصوف هو أن يميتك الحق عنك ويحييك به”. قال البسطامي )188-261هـ(: “حين تمحى الأنا، إذن الله هو مرآته الخاصة في ذاتي. فانطلاقا من هذه اللحظة لا يوجد أي حب أناني بعدها، بل فقط حب حقيقي، حب العطاء والإخلاص”. ولخّص إريدن Eraydin أوصاف التصوف في ثلاث نقاط رئيسية:

1. الإخلاص لأوامر ونواهي الله.

2. توجيه الحياة وفق هدي الله.

3. الابتعاد عن كل ما هو غير رباني على الخصوص.

مفهوم المتصوّف

يسود التباين بين العلماء عن أصل مفهوم المتصوّف. الشيء نفسه بالنسبة لمفهومي العرفان والتصوّف، توجد أيضا تفسيرات مختلفة حول هذا المفهوم. لهذا من المفيد أن تكون البداية من المصادر القديمة. ومن هذه المؤلفات الأكثر قدما وأهمية في التصوف نذكر:

-الرسالة القشيرية.

-لمعة السراج.

-كشف المحجوب للهجويري.

“قد نسبت أهل الحديث إلى الحديث، ونسبت الفقهاء إلى الفقه، فلما قلت: الصوفية ولم تنسبهم على حال ولا إلى علم، ولم تضف إليهم حالا كما أضفت الزهد إلى الزهّاد والتوكّل إلى المتوكلين والصبر إلى الصابرين؟، يتساءل السراج ويشير هكذا إلى صعوبة تعريف مفهوم “المتصوف”. فلو أضاف المرء إليهم في كل وقت خلقاً خاصّاً أو علماً خاصّاً أو عملاً وسموا به، لكان يلزم أن يسميهم في كل وقت باسم آخر. فما يميز الصوفيّة هو الربط بين مجموعة من العلامات المميزة المتعددة، وليس سمة واحدة، ولهذا يقترح السراج التعريف التالي: ننسب الصوفية على ظاهر اللبسة. ولبس الصوف كان دأب الأنبياء عليهم السلام، مثل عيسى وموسى، وأيضاً شعار الأولياء والأصفياء. وقد ذكر الله تعالى في القرآن طائفة من خواص أصحاب عيسى عليه السلام فنسبهم إلى ظاهر اللبسة فقال عزّ وجلّ: {إذ قال الحواريون…} الآية. (اللمع لأبي نصر السراج الطوسي، حققه عبد الحليم محمود وطه عبد الباقي سرور، 1960 م، دار الكتب الحديثة مصر ومكتبة المثنى بغداد، ص. 40-41).

ولم يكن مفهوم التصوف معروفاً في عصر النبي، ولكن النبي كانت تربطه علاقة خاصّة جداً بصحابته، كما أن القرآن يدعو المؤمنين من حول الرسول بالاسم التكريمي “أصحاب النبي”، بينما تقدّمُ حياة هؤلاء الصحابة مثالا حيّاً للمتصوف، رغم أنهم لم يُعْتَبروا مُتصوّفة صراحةً، لأن الاسم لم يوضع في المقام الأول، لكن المقصود يتفق مع ما تعنيه التعاليم الإسلامية بالتصوف.

وعُرف مفهوم التصوف من قبل في حياة الحسن البصري )21-110هـ(، أي في القرن الثامن الميلادي. يروي البصري: “رأيت صوفيا في الطواف فأعطيته شيئاً فلم يأخذه. وقال: معي أربع دوانيق يكفيني ما معي”. وفي أثر آخر جاء أن الحسن البصري قد رأى سبعين صحابياً بدرياً “أكْثر لِباسهم الصوف”.

ويروي ابن إسحاق (80 -151 هـ) أنه تم هجر مكة في الجاهلية ولم يطف أحد بالكعبة، ثم جاء “رجل صوفي” من بلد بعيد فطاف بها وعاد من حيث أتى. وإذا صحت هذه الرواية، فإنها ستكون دليلا على أن مفهوم “صوفي” كان معروفاً قبل الإسلام وكان يستعمل ليشير إلى الأشخاص الفاضلين والورعين. ويعتقد القشيري أنه لا يوجد في اللغة العربية قياس أو تأصيل لمفهوم صوفي. وربما استُعمِل المفهوم في الأصل لقباً، ثم توسع حقل دلالته فيما بعد. وجاء في رواية أنّ أبا هاشم الكوفي (توفي سنة 160 هـ) هو أول صوفي، بينما في رواية أخرى، يعدُّ جابر بن حيان (توفي سنة 815م) من رجال التصوف المبكر. حقا يرجع أصل “صوفي” إلى لباس الصوف، وبهذا الشأن لا يمكن أن ننسى أنه في هذه الحقبة لم يكن الصوفي وحده من يلبس الصوف.

يرى الهجويري (أبو الحسن علي بن عثمان بن أبو علي الجلابي الهجويري الغزنوي. ولد في أواخر القرن الرابع الهجري، على حد قول نيكلسون. له “كشفُ المحجوب”، باللغة الفارسية، وهو أحد أقدم الكتب الفارسية في التصوف الإسلامي. توفي سنة 465 هـ، وقيل في 492 هـ) أنه لا يمكن أن تشتق كلمة صوفي من كلمة أخرى، لكن كلمة صفاء تمثل خياراً لائقاً، ويبرر هذا الاقتراح بالحديث التالي: “ذَهَبَ صَفْوُ الدُّنْيَا، وَبَقِيَ كَدَرُهَا، فَالْمَوْتُ تُحْفَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ”.

يقول ابن خلدون أيضا إن كلمة الصوفي ليست لها خلفية اشتقاقية، ولكن المفهوم استعمل في الأصل بوصفه لقباً خالصاً، ويعتقد أنه مشتق من كلمة “صوف”. وكانت هناك أيضا محاولات أخرى لشرح مفهوم “صوفي” اشتقاقياً. هكذا يرجع مفهوم صوفي إلى الصُّفَّة (أصحاب الصُّفّة)، والصَّفَاء، أو الصَّف. وليست هذه الكلمات في الواقع الجذر الاشتقاقي ذاته مثل كلمة صوفي، حيث تختلف فيما بينها في أصل الكلمات. وحسب تفسير آخر تشتق كلمة صوفي من الصُّفة، أي قبيلة بنو الصفة، وهي قبيلة عربية، تنسّكت عن العالم في عصر الجاهلية، وكانت في خدمة الكعبة. ويجب النظر بارتياب إلى مقترحات أخرى تُرجع أصل “صوفي” إلى صفوي، وإلى صوف (الإعراض في هذه الحالة عن ما هو غير رباني بالخصوص)، وإلى صفات، وإلى صوفة القفا، وصوفانا (نباتات من الصحراء) أو سوفوس (الحكمة). وعموماً يجب التأكيد على صعوبة اشتقاق المفهوم تأصيليا من كلمة أخرى غير صوف، ذلك أنّ أغلب العلماء يتوافقون على هذا الرأي.

“ينطوي التصوف على الكثير من الأسرار في طبيعته، وهذا يحتاج إلى زمن كي تتضح أعماقه، بينما الزبد يطفو ويعلو سريعا”. واليوم تصدر مئات الكتب عن التصوف سنويا، ليس فقط بالعربية والفارسية أو التركية، بل أيضاً بلغات أخرى. يمكن بالكاد، بالنظر إلى هذا الركام من الإصدارات الجديدة، أن يحظى كل كتاب بالاهتمام الضروري. وقد أشار الباحث نصر إلى صعوبة أخرى وتساءل: كم من المعلمين والباحثين والعلماء يمكنهم الادّعاء بالقدرة على جلب منافع على نحو كاف، من الإرث الثقافي اللانهائي للميتافيزيقيا الإسلامية والفلسفة الإسلامية والتصوف؟ من يقدر دون مشاكل فهم أعمال “فصوص الحكم” لابن عربي و”مناقب العارفين في أخبار جلال الدين الرومي” لشمس الدين أحمد الأفلاكي أو شرح “كلشن راز شبسترى “(شرح مفاتيح الإعجاز) لعبد الرزاق علي بن الحسين الكيلاني اللاهجي القمي (المشهور بفياض، توفي في قم سنة 1051 أو 1072 أو 1083(؟

*باحث في الدراسات الألمانية والثقافية المقارنة ومترجم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى