إعلانك هنا

هذه ملامح فضاء المدينة في أدب المهجر المغربي المكتوب بالألمانية

يتعلق الأمر في هذه الدراسة بالأدب المكتوب باللغة الألمانية من قبل مؤلفين مغاربة. وينبع اختيار هذا الموضوع من ازدهار الحركة الفكرية والأدبية المغربية في ألمانيا، كما يتجلى ذلك في عديدٍ من النصوص الأدبية المكتوبة عن المغرب باللغة الألمانية، والتي يتبين من عناوينها وأغلفتها ثم مضامينها اهتمامها بفضاء المدينة المغربية. وهذا ما يجعل هذه الدراسة المقارنة محصورة في تتبع واستقراء صورة المدينة ازداد اهتمام ألمانيا بالمغرب وبمدنه، وهو ما يظهره حجم الكتابات الألمانية للألمان أنفسهم عن المغرب منذ ظهور نص “أصوات من مراكش” لإلياس كانيتي (1956)؛ فقد بينت صور أغلفة هذه الكتب وعناوينها مدى الاهتمام البالغ للألمان بالفضاء المغربي- خاصة المدينة. ومن بين هذه النصوص نذكر: “أصوات من مراكش” (إلياس كانيتي)، ورواية “الصويرة، أخيرا “(دوريس بيار)، و”مراكش جامع الفنا” و”مقهى موكا” (راينهارد كيفر)، وكتاب “أركانة، ملاحظات من المغرب” وديوان الشعر”الفندق الكبير تازي” (كريستوف لايتسن).

وما يعنينا في هذه الدراسة هي النصوص المغربية باللغة الألمانية، أي تلك النصوص الأدبية التي كتبها مغاربة يعيشون في ألمانيا باللغة الألمانية، والتي تُقدم صورا متداخلة، ومختلفة، ومتنوعة للمدينة؛ ذلك أن هذه النصوص أجمعت على مدى الأهمية الكبيرة التي يشكلها هذا الاهتمام الأدبي الألماني-المغربي بالمغرب ومدنه. ومن بين هذه النصوص رواية – ليت دورتموند تجاور الدار البيضاء، لمحمد محايماه، ومراكش، لخالد السهولي، وأيضا كتابه بعنوان طنجة. وسنركز في هذه الورقة على رواية “الكتاب الغربي للمؤلف الشرقي، حكاية بين الثقافات” للأكاديمي المغربي الدكتور فوزي بوبية.

في البداية، لا بد أن نلاحظ أن هذه النصوص الأدبية تعتبر، إلى جانب ما ورد في نصوص أدب الرحلات في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، من المصادر الرئيسية الأكثر أهمية التي اعتمدها العديد من السياح الألمان والباحثين في الفضاء الحضري المغربي؛ فقد اهتم المغاربة في نصوصهم بجغرافية المدينة المغربية، وموقعها الإستراتيجي، وعناصر الطبيعة المحيطة بها وأبدوا دهشتهم من كون هذه المدن لا تقدم لهم سوى الحنين والذكريات، وهم بعيدون عنها، بينما لم تكن تقدم لهم قبل ذلك سوى البطالة والملل حين كانوا فيها. واهتمام كتاب اللغة الألمانية من المغاربة بالطبيعة هو مكون ثقافي حاضر بقوة في هذه النصوص، فهم يقومون بنقد ذاتي ونقد للآخر في الوقت ذاته. وقد حرص المؤلفون على التطرق للخطاب الإثنوغرافي المغربي في نصوصهم الأدبية المعاصرة بالألمانية. والتفت المؤلفون إلى تسجيل المزيج الإثني الثقافي لسكان المدن المغربية، كما طرحوا إشكاليات تعارض الصور التي يبلغها الرحالة سابقا؛ مما يجعلهم أحيانا يقومون في الغالب بإعادة إنتاج كليشيهات وصور نمطية مكررة. ويبدو أن مكونات الصورة المغربية-الألمانية عن المغرب ارتبطت في هذا النصوص بصورة المدينة الإسلامية، حين يقارن الأديب بينها وبين مدن أوروبا. وهي صورة تستلهم المغرب، وربما تنطبق على كل فضاء جغرافي إسلامي، وهي ربما أيضا صورة تنطبق على المشرق أكثر مما تنطبق على المغرب.

الكاتب والكتاب

ومن خصائص الأدب المغربي المكتوب باللغة الألمانية في النماذج التي اطلعنا عليها أنه متحرر من الإرث الإستعماري، سواء من وجهة نظر تاريخية أو اجتماعية أو ثقافية. ويعود السبب إلى أنها نصوص كتبها كتاب عاشوا طواعية في ألمانيا. وإذا كان الكاتب الذي يكتب بلغته الأم عابرا للثقافات حين يقرأ أعمالا من ثقافات متعددة، فإن التنقل بين الثقافات يكون أكثر وضوحا عند المؤلفين الذين يكتبون باللغات الأجنبية، فنجد الكاتب الذي عبر عن ثقافته بلغة أجنبية “مسافرا بين ثقافتين” و”مرتحلا عبر الحضارات”. والنص الذي بين أيدينا هو قصة شاب مغربي يعشق اللغة والثقافة الألمانية، وعاش طفولته مع أب متسامح ومتنور ومنفتح على الحداثة الغربية.

ويُعد الكاتب فوزي بوبية من الأصوات الجديدة التي يمكن أن تُقدم لنا آراءها وتجاربها المختلفة بخصوص ملف المدينة، فهي من أهم الأصوات في النقاشات الدائرة حول هذا الموضوع: سياسيا وأدبيا، واجتماعيا. يعد فوزي بوبية، الأستاذ والباحث المغربي المحاضر في جامعات أوروبية عديدة وأستاذ الدراسات الألمانية، من أوائل الكتاب المغاربة الذين كتبوا أعمالا باللغة الألمانية. ظهر النص الألماني سنة 1996 بعنوان: “هايدلبرغ مراكش، ذهاب”.

وفي الترجمة الذاتية العربية للكتاب، غير الكاتب/ المترجم العنوان ليصبح: “الكتاب الغربي للمؤلف الشرقي، حكاية بين الثقافات”. وقد صدرت الترجمة في طبعة مزدوجة اللغة في مدينة مونستر سنة 2004. وكان الباحث المغربي عبد اللطيف بوستة قد اقترح – في مقال له- اطلعت عليه- ترجمة عربية أخرى لعنوان الكتاب، اعتمادا على النص الأصلي، وهذا العنوان هو: “هايدلبرغ- مراكش، ذهاب فقط”، مبررا ذك بأن الأمر يتعلق بالعودة إلى الوطن.

وفي الترجمة الفرنسية التي صدرت سنة 2012، غيّر الكاتب/المترجم العنوان للمرة الثانية، فكان العنوان هو: “الهجرة إلى الغرب” 2012، في إحالة تامة على هجرة النبي محمد، ورحلة جوته إلى الشرق، كما جاء في متن الكتاب. وغير الكاتب للمرة الثالثة عنوان نصه، ووسم هذه الطبعة بـ: “حبيبتي ألمانيا”.

وفي جميع الأحول، فإن الكاتب، سواء في النص الأصلي أو في الترجمات، قد توفق إلى حد كبير في تقديم إشارات دالة وعميقة عن مضمون الكتاب، وعلاقة الشرق بالغرب، والمرجع الفكري الفلسفي للمؤلف في إطار الأدب العالمي والإنفتاح على الثقافات والدعوة إلى التمسك بأواصر العيش المشترك، والذي يمثله قطبان: قطب مدن الشرق الذي يتمثل في مدينة فاس ومدينة مراكش، مع ما قدمته هذه الفضاءات من تكوين لشخصية المؤلف-الراوي الإجتماعية المغربية الأصيلة، والثقافية العلمية من خلال البيت والمسجد والمدرسة وجامعة القرويين، والشاعر حافظ الفارسي وكتب ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة والقرآن الكريم؛ وقطب مدن الغرب التي تمثله هايدلبرغ وبرلين، إضافة إلى ما يقدمه هذا السياق الألماني من تكوين في الفلسفة المثالية الألمانية والفكر التنويري الغربي، والرومانسي الألماني المنفتح على الآخر. وتؤكد عناوين ترجمات الكتاب، وصورة الغلاف، أن النص يؤسس لحوار بناء بين ثقافتين، من خلال التأكيد على أهمية الترحال بينهما وعلى البعد الديني والثقافي لصورة صومعة حسان وكنيسة روح القدس بهايدلبرغ، إضافة إلى تذكرة السفر وصورة غلاف جواز السفر الألمانين: هناك حوار بين عالمين مختلفين، العالم الإسلامي والعالم المسيحي، وقد تضيف صورة تذكرة الطيران فضاء فرنسا كرمزٍ لفكر الأنوار.

الهوية في كتاب “هايدلبرغ مراكش، ذهاب”

تبدأ أحداث الرواية “هايدلبرغ مراكش، ذهاب” في يوم الثلاثاء من عام 1993، وهو اليوم الذي سيصبح فيه بطل الرواية ألمانيا، بحصوله على الجنسية الألمانية؛ فقد قامت الإدارة الألمانية بإخبار الراوي من طرف الإدارة الألمانية بأن الطلب الذي قدمه منذ سنتين قد قبل، وهو الأمر الذي لطالما رغب الراوي فيه: “سأصبح ألمانيا”، وقد أصبحت المسألة في قرارة نفسه ضرورية: “يجب أن أصبح ألمانيا”. كان الراوي مقتنعا بأنه سيحصل على الجنسية الألمانية، فقد أصبح متأقلما مع الثقافة الألمانية لفترة طويلة. لهذا حين قرأ الراوي رسالة الإدارة بدأ يصرخ فرحا:” أنا ألماني، أتتخيل ذلك! أخيرا صرت ألمانيا”. لكن بطل الرواية تساءل في قرارة نفسه: “هل بقي شيء من إيماني الشرقي بالخرافة؟”. يقول الراوي إنه عمل لسنوات طويلة على تحقيق الشروط المعقدة التي يجب أن تتوفر في طالب الجنسية: ” لا أريد أن أبقى كيانا على هامش الحياة، على هامش هذا المجتمع، أريد بالنهاية الحصول على نفس الحقوق مثل الأصدقاء الألمان. لهذا قررت تقبل الهوية الجديدة”. وحين ارتدى الراوي بذلة عمل لكي يذهب بها إلى الإدارة الألمانية من أجل جلب جواز السفر الألماني الجديد، شعر بأنه “تخلص من ماضيه الشرقي وتبنى دوره الجديد في هذا المجتمع”.

حلم الراوي كثيرا بالدراسة في ألمانيا وهو لا يزال في مراكش. وتخيل مدينة كبيرة مثل مراكش. لكن الأب كان يقول يجب أن تكون الجامعة الألمانية قديمة، ولها قيمة تاريخية مثل القرويين.”أردت فقط أن أقول إن مثل هذا الاسم يوجد عندنا أيضا في الشرق”. واشتغل الراوي في جامعة هايدلبرغ على نقاشات فلسفية لكي يبني جسورا مشتركة بين المسيحية واليهودية والإسلام. واستمع إلى أصوات من هايدلبرغ وأصوات من مراكش: “كانت فترة دراستي في هايدلبرغ فترة عاصفية”.

استند فوزي بوبية -من أجل فهم البلاد الغريبة والوطن الاختياري ألمانيا- إلى مجموعة من النصوص السابقة لكتاب مشهورين، تناولوا في نصوصهم العديدة التبادل الثقافي مع الأجنبي؛ فأعمال كل من جوته وإلياس كانيتي (Elyass Kanetti) خير مثال على رُسُل الثقافات المتنوعة والمتعددة. وعمل فوزي بوبية على إعادة صياغة نصوص هؤلاء الكتاب والاقتباس منها، واستغلالها من أجل تحرير تأملاته عن تقاطع الشمال مع الجنوب، فتحدث بوبية في هذا النص عن كل عناصر الحضارة الألمانية: اللغة الألمانية، والثقافة الألمانية، والتعددية اللغوية التي فتنت جوته وألهمته ديوانه، وبحث عن السر الكانيتي الذي أخبره به أبوه سابقا، ودعا الكاتب إلى انفتاح ثقافي معين بين الغرب والشرق، بين مراكش وهايدلبرغ؛ إنه يتصالح مع ذاته، ويفسر للقارئ أن هذه الثقافة الألمانية تحمل معها بقايا إنسانية عظيمة ورومانسية ومعرفة لا نظير لها.

رغم كل ذلك يقرر في نهاية قصته العودة إلى المغرب ويبقى مقتنعا بأنه في بلده “توجد حديقة يجب زراعتها”، كما كتبت الباحثة المغربية سلوى الإدريسي.

يعتقد الراوي أن أصوات مراكش كانت وسط هايدلبرغ، “التي وحدتنا دائما”. وقد قرأ الراوي ذكريات كانيتي الذي تأثر بالثقافة وبالحياة في الشرق وشكر كانيتي هذه الثقافة: إنه سحر الكاتب الألماني إلياس كانيتي. ويتتبع الرواي الآثار مثل كانيتي. فمن بين المرايا التي يحاول المُؤلف معرفة نفسه فيها مرآة هذا؛ فقد سافر كانيتي إلى مراكش وسجل تأملاته بخصوص لقائه مع الأجنبي، وحيث يلتقي في كل مكان بالغرباء. وإلى جانب كل هذا التفاعل النفسي والروحي، نشأت صور قوية للثقافة الأجنبية وبورتريهات لمدينة هايدلبرغ وألمانيا. وقد حول فوزي بوبية هذا اللقاء إلى لقاء ثقافي، واقتبس من رحلة “إلياس كانيتي” إلى المغرب أهم القواعد والأسُس التي يمكنه الاستناد عليها في رحلته مع الثقافات الأجنبية، من أجل فهم حقيقي وواقعي لها، بعيدا عن كل الصور النمطية التي تحفل بها معظم الكتابات الثقافية التي تناولت الغريب والأجنبي. وكان إلياس كانيتي قد أقام سنة 1954 ثلاثة أسابيع في مراكش وانفتح على الغريب، وبحث في رحلته إلى المغرب عن الغريب، ووجده في مراكش من خلال أصوات الرواة. ومثل إلياس كانيتي، يعتمد اهتمام فوزي بوبية بالآخر على القناعة بأنه: لا يمكن الاستغناء عنه في تحديد الذات. ولهذا، يراقب فوزي بوبية – مثله مثل كانيتي- بقلق كيف ذبُلت القُدرة في العصر الحديث على احتمال الغريب. ويمكن إجمالا تلخيص أهم التوجهات الثقافية والفكرية للبطل التي شكلت هويته )بصيغة الجمع( كالتالي: هناك قابلية عند الشخصية للحوار مع الثقافة الأخرى، ومناقشتها بلغتها، وفي فكرها؛ فالشخصية تتقن اللغة الألمانية، ودرست الفلسفة وفكر الأنوار والمثالية الألمانية، وفكر جوته وأدبه، وثقافة ليسينغ، فليس من الصعب عليها أن تكون ندا للثقافة الأجنبية. كما أن الراوي يؤكد على هويته الأصيلة التي يتشبث بها، وهي الهوية الأمازيغية المغربية، من خلال التصريح مباشرة باسم بلدته، والحديث عن بعض رموز ثقافتها مثل أسطورة إيسلي وتيسيلت التي ترمز إلى الحب والسلام. ومن خلال شخصية الأب الذي يعلم أبناءه اللغات الأجنبية، ويقتني التقنية الجديدة مثل الراديو، ويسكن في الحي اليهودي، كما أنه لا ينفك يعبر عن إعجابه بالغرب. وقد عبرت الشخصية عن حبها للإسلام المنفتح، ورفضها للأفكار المنغلقة التي تسيء إلى روح رسالة الإسلام. ومن الواضح أن البطل يؤمن بثقافة التنوع والمشترك الإنساني، ويعود هذا الأمر إلى تشبع الشخصية بالفكر التنويري والإصلاحي من ثقافة الأب أولا، ثم من الكتب التي اطلع عليها في التنوير الفرنسي، والتنوير الألماني؛ حيث يتحدث البطل عن تأثير هولدرلين وجوته وهيجل، بعد إجادته للغة الألمانية، كذلك تأثير مدينة هايدلبرغ التي ساهمت في تكوين ما هو عليه، هذا التأثير جعله يتصالح مع ذاته ويفكر في العودة إلى وطنه.

الجسر الثقافي بين هامبورغ ومراكش

استمر تقليد الاهتمام بالمدينة في المؤلفات باللغة الألمانية المكتوبة عن المغرب – وربما نستحضر هنا صورة المدينة العربية الإسلامية في أدب الرحلات الألمانية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين إلى يومنا هذا، من خلال ما نلحظه في عناوين الكثير من الإبداعات لكتاب ألمان وعرب مثل: كيفر ورشيد بوطيب وإلياس كانيتي وغيرهم. ويعد فوزي بوبية من الكتاب المغاربة الذين احتفوا بمدينة هايدلبرغ ومدينة مراكش في مقارنة عابرة للثقافات من خلال كتابه “الكتاب الغربي للمؤلف الشرقي”. فكيف تم تخييل المدينتين؟ وكيف تصورها المؤلف في هذا الكتاب؟

في الواقع، أعلن الراوي منذ الصفحة الـ(17) أنه يريد أن يسجل للأيام المقبلة السياق السياسي والاجتماعي الذي جرت فيه أحداث حصوله على الجنسية الألمانية. وصل الراوي في صيف 1967 من الدار البيضاء عبر فرانكفورت إلى هايدلبرغ، وكان قد قدم طلبه الحصول على الجنسية الألمانية.

وحين حصل عليها وأراد الذهاب إلى البلدية، كان خائفا من أن يمسه سوء عندما يرتدي كسوته في الحفل الذي سيقام في المدينة في قسم التجنيس بالبلدية الألمانية: “فهل بقي شيء من خرافاتي الشرقية مترسبة بداخلي.” (57) غير أن ارتداءه للبذلة الألمانية جعله يحس بأنه تخلص أخيرا من ماضيه الشرقي الذي وضعه في خزانة الملابس، واستبدل بذلته القديمة بمستقبل جديد في هذا المجتمع. وتزامن تقديم طلب الحصول على الجنسية مع توحيد الألمانييتين في صيف 1991. كانت مقايضة الراوي التي قبل بها هي المدينة القديمة مراكش مقابل المدينة الجديدة هايدلبرغ، أي الجواز القديم المغربي مقابل الجواز الجديد الألماني. هذا الأمر جعل الراوي يطرح على نفسه أسئلة وجودية مثل: من أين أتيت؟ ماذا أفعل هنا؟ إلى أين أسير؟

بالمقابل، عرفت المدن الألمانية، في هذا العام، وقائع كثيرة؛ منها اعتداءات، وحريق إجرامي مهول في مدينة زولينكن، ووقائع شتنبر بمدينة هوير سفرادا. كما تعرضت روسطوك، في صيف 1992، للاضطرابات نفسها، وتم حرق مركز اللاجئين الأجانب في مدينة مولن. وكان انهيار فضاء الحدود التقليدية في المدن الألمانية قد أدى إلى مزيد من العنف والتفكك، فأهم التحديات التي واجهت المجتمع الألماني هو التحدي المتعلق بإخلاء المدينة من مظاهر العنف المتنامي.

لهذه الأسباب كانت أسئلة المدينة الجديدة قد بدأت تزعج كيانه: كيف يجلس وتهدأ روحه، بينما الناس هنا في المدينة الألمانية التي اختارها يموتون بسبب انتماءاتهم الثقافية؟ ومن الواضح جدا أن للكاتب نظرة مغايرة للكينونة الألمانية، فما معنى أن تكون في مدينة ألمانية؟ وهل هامبورغ مختلفة عن غيرها؟ لقد استلهم الكاتب قوة معارضته للصور النمطية والمسيئة إلى المهاجرين واللاجئين في مدينة هامبورغ ومدن ألمانية أخرى عديدة، من تجربته الفريدة والمهمة: فهو ألماني يعيش بأصول وجذور مغربية حافظ عليها، ولم يتنكر لها. وفي كينونته المغربية الألمانية يجد بوبية صدى الكثير من الأمور. بدأت الأسئلة الجوهرية للوجود الإنساني: من أين جئت؟ ما الذي أفعله هنا؟ إلى أين سأذهب؟ وهي أسئلة لم يهتم بها الراوي أبدا من سنين طويلة؛ لكنها تثير اليوم في نفسه الاهتمام الفكري والفلسفي. إنها اضطراب أصاب وجوده: وجود له أعماق في إميلشلي (إملشيل) في قلب الأطلس الكبير، لكنه ينتهي في هايدلبرغ: “الأطلس الكبير هو وطني”.

ومدينة هايدلبرغ تجمع بين فضاءات واسعة وكبيرة، منها البلدية وشارع الجبل والمدينة العتيقة…إن مسألة المدينة، أي الفضاء، ليست مسألة مكانية في الدولة فحسب، بل هي حيوية في كيان الفرد الإنساني ووجوده في كيان الإنسانية. والتعريف الدقيق لتوصيف المجال العام هو في الحقيقة المجال المفتوح Oeffentlichkeit. فقد وجد الرواي هايدلبرغ تشع بمثل هذا البريق، وتتفرد ببانوراما عالمية توافق هذا التفرد (14). تجمع المدينة بين الحصون والقلاع والحكمة والفن من خلال تمثال آلهة أثينا بالاص التي توصف بأنها آلهة تدافع عن المدن والقلاع. توصف هايدلبرغ أيضا بأنها مدينة الطلبة، لكن الطلبة لا يمكثون في هذه المدينة عندما ينتهون من الدراسة والامتحانات (27)، على الرغم من أن أيام الدراسة كانت الأجواء السياسية والاجتماعية والثقافية فيها عاصفة. ومدينة هايدلبرغ هي مدينة الأنوار، فهي تجعل الراوي يظل وفيا للأنوار خاصة فولتير الذي قرأ وعرف عنه الكثير أثناء دراسته في المغرب. وكما كتب جوته عن التقلب بين مدن الشرق ومدن الغرب تحت يافطة شعار الأدب العالمي خلد هولدرلين المدينة في شعره وجعلها بذلك مدينة عالمية. في تحليقات هولدرلين الشعرية عن المدينة التي مست أعماق الكاتب ومشاعره الحية تحدث عن القنطرة العتيقة في المدينة فقال عنها:

تحلق القنطرة بخفة وقوة***في قوس فوق النهر

كان الرواي يحلم بالدراسة في مدينة ألمانية كبيرة، مثل مراكش قريبة من جبال عظيمة، مدينة تتمتع بالحرية؛ لكن الأب كان له رأي آخر: “الجامعات التي في المدن الكبيرة غير مناسبة، يجب أن تكون جامعة صارمة قديمة وتقليدية، وينبغي أن تكون عريقة كجامعة القرويين على الأقل، وذات مكانة مشابهة” (91). ومن وجهة نظر الأب، فقد تأسست جامعة القرويين في القرن التاسع، بالتالي “فهامبروغ وبرلين وميونيخ لا تصلح، فهذه الجامعات تشتهر بالصخب واللهو، ولا تصلح للدراسة” (91). وفي الحقيقة وجد الراوي ما حذره منه أبوه، وما كان يطمح هو إليه: فهامبورغ مدينة متحررة من جميع الضغوطات وفيها حياة لا قيد فيها، خاصة بالنسبة إلى الأجانب؛ ذلك أن شعار الفترة كان يقول: “كلما كان الفرد أجنبيا كلما كان مطلوبا”. ووجد الرواي ما كان يبحث عنه: “كنت من الجنوب الأقصى، وكنت أبحث عن الشمال، وكان الشمال أشقر كذلك، كنت في مراكش أتشوق إليه كذلك”.

ومدينة هايدلبرغ هي أيضا معقل من معاقل الشعر الرومانسي الذي تغنى بالمدينة، إنه مكان يلتقي فيه هاينريش هاينه وهولدرلين، وهو ما يوافق هوى الراوي (96). يتم تخليد المدينة في شعر معلق على التماثيل المنتشرة في المدينة:

يقف المتجولون مفتونين*** إلى الآن هايدلبرغ هي التي دخلوا إليها

ذلك أن الراوي بحث في هايدلبرغ عن الشعر والفلسفة والشعراء، وأتى إليها عن طريق حبه للشعر والفلسفة. ولم يقو على مبارحة هذا المكان. كل ما نسيه خلال سنوات وأخفاه طفا إلى السطح من جديد (101). وهذا ليس بغريب عن الراوي الذي جاء من قلب القرية إميلشيل، البلدة التي تعني مكان اللقاء، حيث تدعو الأسطورة إلى الحب وتوقف العداوة، كما يتضح في نصحِ ولي صالحٍ للقبيلتين المتصارعتين بأن “السلام والحب هما أفضل مزية إلهية”(43). وهو من بيت يتكلم فيه الأمازيغية والعربية والفرنسية. وأضاف إليه الراوي الصوت الألماني، ثم رحلت العائلة إلى فاس. ومدينة فاس التي يوجد فيها مسيحيون ويهود ومسلمون يطلبون العلم في جامعة القرويين باعتبارها أقدم جامعة في العالم. هذه الجامعة التي كانت في الثلاثينيات معقل التجديد الاسلامي، حيث كان الفقهاء يحلمون بتحديث المضامين الدينية بمعنى ملاءمتها مع روح العصر واحتياجاته. إن جامعة القرويين أقدم جامعة إسلامية ومرجع ثقافي جمعت بين تلقين علوم الدين والعلوم التجريبية (الرياضيات والفيزياء والفلسفة والطب والأدب.). والمسيحيون درسوا أيضا فيها مثل البابا سلفستر الثاني. وفي الثلاثينيات كانت الجامعة صرحا عاليا للتجديد الفكري والتحديث في المحتوى الديني من أجل ملاءمتها مع واقع العصر. لهذا كان الأب قد اشترى كل رموز الحداثة في تلك الفترة: السيارة والراديو والتلفاز. وقد حصل الراوي على أول جهاز راديو وهو في سن العاشرة: “هكذا لم أعرف مثلا أية مكاسب للحداثة لم يشترها أبي وهو راضٍ: لديه السيارة، والراديو، والتلفاز” (50). هذا التكوين المنفتح يجسده أيضا الأب بنصيحته لابنه: “الإيمان الحقيقي لا يمكن أن يتلاءم مع انعدام التسامح والتعصب”(53). وجد الراوي في رحيل العائلة إلى مراكش فرصة للقاء العديد من الناس المختلفين في الدين: فقد تخلص الراوي من كل عقدة في لقائه مع المختلف عنه، فسادت مشاعر الانفتاح. ولكي يكون الأب عمليا في مسألة التسامح الديني، اشترى منزلا في الملاح اليهودي. وأصبحت عائلة الراوي هي العائلة المسلمة الوحيدة التي تعيش في حي اليهود. ولهذا تعرف الراوي مبكرا على العادات والتقاليد عند اليهود المغاربة. كما تعلم الحروف العبرية وهو طفل، أما الأخ الأصغر فقد درس في مدرسة عبرية. يقول الراوي إن التعدد اللغوي الموجود في مدن المغرب، مثل فاس ومراكش، هو موجود عند جوته في الديوان الغربي الشرقي: “الله أرسل إلى كل شعب رسولا بلغته”، وفي حديثه عن الأدب العالمي وضرورة التبليغ بين الثقافات والأمم، وموجود في القرآن أيضا.

أما مدينة مراكش فهي أيضا مدينة التسامح والديانات المختلفة، إنها مدينة يأتيها السياح الألمان ومدينة العطور حيث يريد الراوي أن يدخلهم إلى عالم عطور الشرق: “ليس السواح الألمان يأتون إلى المغرب، وإنما نوع خاص إلى يومنا. يحتاجون إلى شجاعة كبيرة لمغادرة أوروبا والمجيء إلى إفريقيا. فالمسافرون إلى المغرب فضوليون في الغالب ويهتمون أكثر بالناس، وطرق عيشهم من الشمس والشاطئ” (81).

هذا التسامح الذي تمثله فاس ومراكش كان عاملا في شعور الراوي بالفرحة حين اجتمع في عام 1991 بين عيدين كبيرين هما عيد العنصرة وعيد الأضحى، وهما رمزان يوحدان اليهود والمسيحيين والمسلمين ويضفيان صبغة عالمية على انتماء الباحث الثقافي المتنوع. كان قد تفاءل خيرا بتزامن عيد الأضحى مع أعياد المسيحيين، وهي فرصة اعتبرها بطل الرواية تاريخية، لكي يربط المسلمون والمسيحيون واليهود أواصر التقارب الثقافي والديني مع بعضهم البعض، وهو أمر يراه مهما بالنسبة إليه بما أنه نما في فكر تربية اسلامية متنورة. ويحاول الراوي البقاء مخلصا لهذا التنوير في مجتمع يصبح فيه الناس أقلية معرضة للأخطار بسبب العرق أو الدين أو الوطنية أو الجنسية أو لون الجلد. وهو الأمر الذي يزعج الراوي.

أصوات مراكش تجمع بين كانيتي وبوبية

لم يكن الراوي وحده معنيا بهذا اللقاء الثقافي الحضاري بين مدن الشرق والغرب، فقد سبقه كاتب “إسبانيولي (إسباني) يكتب بالألمانية ويعيش بلندن ويأتي إلى المغرب لكي يبحث عن أصوله القديمة” (88). وقد قضى فترات حياته في العديد من المدن: روستشوك، فيينا، فرانكفورت، ميونيخ، لندن، ومراكش. ويبدو تأثر الكاتب بإلياس كانيتي، الحاصل على جائزة نوبل للآداب، كبيرا في كتابه؛ فبوبية يعتبر كانيتي رحالة رافضا لنفسه أية ترجمة إلى الأصل. يريد أن يصبح هو نفسه غريبا. وحين يعود من مراكش يستطيع أن يواصل الكتابة. وحصل الراوي على كتاب إلياس كانيتي “أصوات مراكش” في هايدلبرغ، وكان تأثير فصول هذا الكتاب على الراوي شبيها بتأثير مراكش نفسها عليه: “إلى درجة أن الراوي كان يرى مدينة مراكش هنا في هايدلبرغ ويحس من خلالها بالشعور ذاته، وينظر إلى المغرب بعينه.” (116)، ويضيف موضحا: “أعتقد أن أصوات مراكش هذه في قلب هايدلبرغ، هي التي جمعتنا”.

تمثل تصورات الراوي عن هايدلبرغ ومراكش وما كتبه كانيتي عن مراكش “ذلك الانسجام بين مراكش وهايدلبرغ، بين الشرق والغرب، بين اليهود والنصارى والمسلمين” (116). وربما هذا التأثير ونقل كانيتي حبه لتركيا إلى الراوي في كتابات أخرى جعل الراوي يتذكر أنه حتى الآن على الأقل لا يملك مسقط رأسه، فكما يقول: “لم تعد هايدلبرغ مدينتي” (119) هذه المدينة التي أصبحت ترفض الأجانب. فالمثقفون ينادون اليوم على أبناء الشعب الألماني، بينما يصفون إفريقيا ومدنها بالمدن المخبأة في ستار الظلام، مقابل الروح الألماني الممثل لروح العالم الجديد. لهذا، يرفض الألمان المبدأ الأعمى لليهود ونصب واحتيال العرب. لقد تخلت هايدلبرغ عن المغربي” الأجنبي ابن الكلب، الذي يريد اقتحام الشعب الألماني بوصفه ألماني الجواز”، بينما هو في الحقيقة “راعي الجمال” (153). تأمل الراوي الصورة فأصيب بصدمة، لأن الصورة هي لشخص شرقي: “لقد بقيت دائما أمازيغيا. ألا تعرفون بأني حسب القانون المغربي لم أفقد الجنسية المغربية، ألا تشعرون بأني دائما أحس نفسي أمازيغيا؟ لقد حصلت على الجنسية الألمانية فقط، ولم أعتنق المسيحية. هذه خطوة إدارية خالصة لم تمس أبدا انتمائي الديني إلى الإسلام. يوجد أيضا ألمان اعتنقوا الإسلام. تذكروا السفير الألماني في الرباط. إنه مثال حي. لقد اخترت هوية ألمانية لأسباب مصلحية، من أجل الحصول على حق الإقامة الدائم، لكي أتجنب إعادة طلب التأشيرة كل مرة وزيارة عائلتي في فرنسا. لقد انتهى كل هذا”.

على سبيل الختم

أيقظت مدينة فاس ومراكش الرغبة في الراوي للسفر إلى مدينة هايدلبرغ من أجل الحرية والشعر والفلسفة، بينما أيقظت هايدلبرغ في نفسه الحنين إلى مسقط رأسه، مدينة مراكش الكتبية، حيث كتب ابن رشد وابن طفيل، وقد مثل كتاب “أصوات مراكش” لإلياس كانيتي ذلك الجسر الثقافي والحضاري لهذا العبور. وما إن تنتهي من قراءة نص “هايدلبرغ مراكش” حتى تعود بك الذاكرة إلى هذه اللازمة وطن-غربة في الأدبين العالمي والعربي؛ ذلك أنها موضوع خاض فيه الأدباء والدارسون منذ فترة مبكرة. يجدر ابتداء أن يشار إلى أن مدن فوزي بوبية – أعني تصوره لمدينة هايدلبرغ ومراكش – لها أوجه عديدة: هي أوجه إيجابية في الغالب، فقد كان قرار الكاتب إنجاز المقارنة بين مدن الشرق ومدن الغرب لغرض ثقافي تواصلي إيجابي بناء، وليس إبراز الوجه السلبي للمدينة الألمانية أو المدينة المغربية. في كتابهما “أفكار ولازمات/ موتيفات/ في الأدب العالمي” يكتب (هورست وانجريد ديميريش) عن لازمة / موتيف المدينة في الأدب العالمي، ويريان، الآتي: “تعكس فكرة المدينة حيرة الناس إزاء أماكن سكناهم ومؤسساتهم، وترمز المدينة، في بعض الأعمال، في تصورات كثيرة، إلى حالة العضو الذي يطور نفسه”. وإذا كانت المدينة الألمانية هايدلبرغ وغيرها من مدن ألمانيا مدنا مُشرقة مضيئة، فقد طغى عليها اليوم الوجهه السلبي، مقابل محافظة المدن المغربية مراكش وفاس على رونقهما وقيمتهما الحضارية المشرقة من وجهة نظر الكاتب.

ويبدو لي أن نص بوبية القوي بشعريته هو في متناول القارئ: لأنه عبارة عن دعوة إلى البحث في الهويات مختلفلة الذوات وامتحانا للتفكير. وقد استعمل المؤلف تجربته ومعرفته التاريخية والفلسفية لكي يُلقي نظرة نقدية على الحاضر. هكذا خلق الكاتب قوة دافعة لكتاباته؛ فناقش معاملة المدينة الجديدة الاجتماعية والسياسية للغريب، الذي يتأرجح بين الرفض والتطويع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى