إعلانك هنا

“الميّت جوعا مقتول” .. كيف تقود “الرأسمالية” الإنسانية إلى الهاوية؟

ترجمة جديدة تطمح إلى تقديم رؤية نقدية للعالم والإشكالات الكبرى التي تواجه حاضره ومستقبله، وقعها الباحث المغربي منير الحجوجي، لكتاب للأكاديمي والمقرر الخاص السابق للأمم المتحدة جون زيغلر.

بعنوان “جذر الشر”، وعنوان فرعي هو: “كيف تقودنا الرأسمالية إلى الهاوية وكيف يمكننا هزمها”، يقدم هذا الكتاب، الصادر عن دار بصمة لصناعة الكتاب، معطيات وأدوات لفهم إشكالات النظام العالمي الراهن، وانعكاساته على دول العالم الثالث، وشعوبها، بتشخيص باحث وسياسي خبر دواليب تدبير الشؤون الدولية، دون انحياز لليأس من مستقبل آخر، أفضل للإنسان.

ويجمع هذا المؤلف حوارات للسويسري زغلر عبر سنوات، وصولا إلى حوارات من زمن “الجائحة”، مع المقرر الأممي السابق في ملف الحق في التغذية منذ مطلع الألفية الثالثة إلى سنة 2008، الذي يشغل منصب نائب رئيس اللجنة الاستشارية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة.

وينفي هذا الكتاب “قدرية” التسليم بالقائم من الأوضاع، ويرد أسباب جوع، وموت، وضياع مجموعة من بني الإنسان إلى “النسق اللّاحم”، الرأسمالي، وتفضيل “أناس لاحمين” ربحهم، وازدهار شركاتهم ومضارباتهم، واحتكارهم، على العيش الكريم لأناس آخرين: “أي شخص يموت جوعا هو شخص مقتول، لأن الأمر ليس قدرا”.

الواقع العالمي اليوم، بالنسبة لزغلر: “قفزة مدهشة في اتجاه الوراء، أمام نوع من الفتك السياسي والاقتصادي بإرث الأنوار. لقد خرجت البشرية من نظام سد الحاجيات لتغرق في نظام قائم على الاحتكار والاستحواذ على الثروات (…) والإنسانية تعرف، لأول مرة في تاريخها، فترة رخاء ووفرة. إلا أننا نشهد، موازاة مع ذلك، تدميرا حثيثا ومتزايدا بشكل خطير للطبيعة، في فترة تفقد فيها الدولة، بشكل لم يسبق له مثيل، كثيرا من قدراتها الضبطية”.

ويتحدث المسؤول الأممي السابق عن “سكيزوفرينية الأمم المتحدة”؛ حيث “في وقت تحاول منظمة الصحة العالمية وبرنامج الأمم المتحدة من أجل التنمية أو المنظمة العالمية للزراعة والتغذية أن تدعم بعض البنيات خدمة للتنمية في بلدان العالم الثالث، يتدخل صندوق النقد الدولي ويسحق هذه الجهود بفرض برامج التقويم الهيكلي والخوصصة”.

ويقول زغلر إن “التقليص من الميزانيات لخدمة الديون هو الذي يخلق الجوع ويكبح التنمية”، وقدم مثالا بالبرازيل، التي كان يعاني فيها 53 مليونا، من أصل 180، “بشكل خطير من سوء التغذية”، وفق الأرقام الرسمية، “ومع أن الرئيس لُولا انتخب بـ61 في المائة من الأصوات في أكتوبر 2001، وكانت له بالتالي شرعية ديمقراطية كبيرة جدا، إلا أنه لم يستطع فعل أي شيء”.

وتابع زغلر شارحا: “لقد وضع (لولا) برنامجا سماه ‘نحو محو تام للجوع’، إلا أنه لم يتوفر على سنتيم واحد للتمويل بسبب ديون تصل إلى 235 مليار دولار؛ وإذا لم يصل إلى حل فسيضع ذلك مستقبله السياسي في مهب الريح، ولأجل تحقيق هذا المشروع ما عليه إلا أن يصطدم مع صندوق النقد الدولي، وإذا ما اتخذ هذا القرار بصفة أحادية فإن أول سفينة سترسو في الخارج سيتم حجزها على الفور”.

وتابع المتحدث شرحه بعد سنوات في حوار آخَر: “إلى غاية آخِر يوم سنة 2019، كانت ديون 122 بلدا ضمن العالم الثالث تقارب 2100 مليار دولار، وهو رقم خيالي؛ يؤدي إلى أن مجموع ما تربحه بلدان مثل مالي والسنغال، عبر الاستغلاليات الفلاحية، يذهب مباشرة إلى الدَّين”.

هذا الدَّين “قاتل”، بالنسبة لزغلر؛ لأنه “يمنع الدول من الاستثمار في اقتصادياتها، وتحديدا في الزراعة”، والنتيجة أن “سوء تغذية دائما يمس 38.8 بالمائة من مجموع الساكنة الإفريقية حسب الأمم المتحدة”.

ويتساءل المسؤول الأممي: “ما معنى أن تخوصص الماء في بلد أغلبية سكانه فقراء إلى الحد الذي لا يستطيعون معه الأداء؟ وما معنى أن تخوصص خدمات من مثل المراقبة البيطرية في النيجر؟”، ثم يجيب: “لقد كانت نتيجة خوصصة المراقبة البيطرية أن ترك الفلاحون العاجزون تماما عشرات الآلاف من رؤوس القطيع الحيواني لمصيرها”.

ومن بين أسئلة الكتاب: “ماذا عن اختفاء الحواجز الجمركية؟ النتيجة واضحة: فتح الباب أمام زحف منتجات البلدان الغنية على أسواق بلدان الجنوب ذات المنتجات غير التنافسية. وحتى وإن كانت هذه المنتجات الجنوبية تنافسية، كما في حالة المنتجات النسيجية أو الفلاحية، فعليها أن تخضع لـ”كوطا” وتواجه بالتالي تنافسية المنتجات المدعمة لدول الشمال”.

ويستحضر زغلر نموذج النيجر، البلد الثاني الأكثر فقرا وفق الأمم المتحدة، الذي يعد “ثاني منتج عالمي لليورانيوم، لكنه مهدد بالجوع؛ بسبب إنهاك الأراضي، وعوامل أخرى، دون أن يكون له سنتيم واحد ليجهز نفسه بوسائل سقي أراضيه الفلاحية، لأن مورده الأول، اليورانيوم، تستغله وتصدره شركة ‘أريفا Areva’ الفرنسية، في شروط تقترب من القرصنة، حتى لا نقول من السلب (السطو)، وهذا أمر، بطبيعة الحال، عليه أن يتوقف”.

وبعد الانهيار المالي سنة 2008، يزيد المحاوَر: “هاجر المضاربون في البورصات التقليدية نحو المضاربة في المواد الأولية، وتحديدا المواد الغذائية. واليوم، تحقق الأبناك الكبرى، صناديق المضاربة الكبرى، أرباحا فرعونية في الذرة والقمح والأرز التي هي المنتجات الغذائية الثلاثة الأساسية بالنسبة لـ 75 في المائة من سكان العالم”.

هذه المضاربات الخيالية، والقانونية مع ذلك، تؤدي، حسب المسؤول الأممي، إلى “ارتفاع قوي في الأسعار”، وعندما تشتعل الأسعار “يعجز الناس، بداهة، عن الشراء”، وهكذا أضيف سنة 2011 تسعة وستون مليون شخص إلى لائحة من رمي بهم إلى حافة الجوع، فضلا عمن يموتون بسببه كل سنة، علما أنه حسب البنك الدولي فإن مليارا و700 مليون شخص بالكاد يصلون إلى الحد الأدنى للبقاء على قيد الحياة.

مسؤولية هذا الواقع لا تتوقف عند الأبناك والمضاربين والبرامج المغرقة بالديون، بل تشمل “الطبقات الكومبرادورية” (التي تم شراؤها)، في سلطة البلدان النامية، التي هي النخبة “التابعة ذهنيا واقتصاديا للشركات متعدية الجنسيات وللحكومات الخارجية؛ لهذا السبب تجدها، في غالب الأحيان، لا تبحث عن فك الارتباط عبر الحد من ديون خطيرة تمنع كل نمو حقيقي: هي تفضل دائما الاقتراض من الخارج على إقامة نظام ضريبي متدرج، والسبب هو أن الكومرادوريين يستفيدون عبر الرشوة التي تأتيهم من إقامة البنيات التحتية أكثر مما يربحونه من إرساء نظام تربوي أو صحي”.

ويواصل المتحدث ذاته: “ليس صدفة أنه حين يفكر قادة صندوق النقد الدولي في تقزيم الميزانيات الوطنية فإنهم يتجهون دوما نحو الميزانية الاجتماعية، وليس في المطلق نحو ميزانيات الجيش أو الشرطة. وإذا كان صندوق النقد الدولي يبحث حقا عن مساعدة الدول المتأزمة فلماذا إذن يتفاقم الفقر في كل الدول التي خضعت للتقويم الهيكلي؟”.

ويسجل الكتاب أن الحكومات تنفذ ما يقوله لها الرأسمال المالي المعولم، في مجالات الضريبة والسياسة الأجرية والحماية الاجتماعية… و”تعاقب البورصات كل من لا يسير في هذا الاتجاه، أما المحافل المالية والتجارية الدولية فتمثل أساسا مصالح الدول الغنية، وتقصي بشكل كامل البلدان الفقيرة من السيرورات التقريرية”.

ومن بين ما تدعو إليه حوارات هذا الكتاب حذف حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن كلما تعلق الأمر بصراعات تفضي إلى جرائم ضد الإنسانية. كما يدعو المؤلف إلى “أُخُوّة تنفجر من حين لآخر في وجه سادة العالم”، انطلاقا من أمل في “المجتمع المدني الكوكبيّ الجديد”، الذي تشكله التنظيمات العُمالية والنقابية، والمنظمات غير الحكومية، وحركات الفلاحين، وغيرها…

وحول ما بين الحلم والأمل والتغيير الواقعي من اتصال، قال زيغلر إنه قد ألقى “محاضرات كثيرة للحديث عن الرأسمالية، وتقريبا في كل مرة، بعد نهاية العرض، يرفع أحدهم يده متسائلا: (نعم كل ما قلتَه صحيح، لكني أنا، المواطن البسيط، لا يمكنني أن أفعل شيئا)”، ثم يسترسل مجيبا: “واحد من أكبر انتصارات الأوليغارشيات الاستلاب الذي فرضته على الوعي الجماعي: إيهام الناس بأن قوى السوق وحدها تصنع التاريخ، وأن الإنسان لم يعد الفاعل في تاريخه الخاص، وأن كل ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يخضع لقانون السوق ويعيد إنتاجه في ممارسته الفردية. هذا هو الاستلاب”.

ويشرح الأكاديمي والمسؤول الأممي: “الرأسمالية نسق خلقه الناس وتهيمن عليه قلة منهم. وتقول منظمة أوكسفام إن المليارديرات الثماني الأكثر قوة في العالم لهم من الثروات ما يعادل ما يملكه 2.7 مليار نسمة الأكثر فقرا (…) تناقض الرأسمالية أن لها قدرة على إطلاق سلسلة عجيبة جدا من الثورات التكنولوجية والعلمية، وهذا مظهر إيجابي للغاية، لأنه أخرج البشرية من النقص الموضوعي، لكن النظام الاجتماعي الذي تشيده هو، في الوقت نفسه، نظام قاتل. اليوم، ولأول مرة في تاريخ العالم، هناك ما يكفي من الخيرات لضمان الرفاه المادي لكل سكان الأرض. لكن التوزيع غير منظم بشكل عادل ومنصف. قد يكون تحقيق الأمر مستحيلا اليوم، وقد يكون هذا هو اتجاه أفق تاريخنا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى