إعلانك هنا

“صنعة الكْلام” .. أحمد زنيبر يحمل همّ البحث في أسرار فن “الملحون”

هم حضاري يحمله كتاب جديد للناقد المغربي أحمد زنيبر، يسبر فيه أغوار فن الملحون، “لْكْلامْ”، من خلال البحث في أربعة أنواع قيل فيها، وأربع تجارب قالته، قديمة ومعاصرة، هي: أحمد الغرابلي، وقدور العلمي، والمدني التركماني، وفقيد الملحون المعاصر أحمد سهوم.

صدر هذا المؤلف الجديد بعنوان “صنعة الكلام.. دراسات في الشعر الملحون بالمغرب”، عن مطبعة وراقة بلال – فاس، بتقديم الناقد حسن بحراوي.

ويستشهد الكتاب في مطلعه بما كتبه الأكاديمي عباس الجراري، عميد الأدب المغربي، في أطروحته “القصيدة”: “الأدب الشعبي مكمل للأدب المدرسي و (…) من شأن دراسته أن تساعد على الربط بين الأدبين واجتياز الهوّة الكبيرة التي تفصل بينهما”.

ويتحدث الأكاديمي أحمد زنيبر عن ولعه بالملحون الذي لم يتمظهر في مجرد الاستماع إلى قصائده، بل تحول من “هم معجمي وثقافي” إلى “هم وطني حضاري”، يسعى إلى إبراز المكنونات الفنية لهذا “الموروث الثقافي الشعبي” وجانب من “نبوغ المغاربة في إنتاج نص شعري دارج، لا يقل أهمية وإبداعية عن نظيره في اللغة المعيار”.

ويتابع الكاتب: “الشعر الملحون يقدم صورة مشرقة عن الدارجة المغربية، في تنوعها وانفتاحها، وفي رحابة معجمها وبلاغته”؛ حيث “استطاع شاعر الملحون، وهو ينسج قصيدته بوعي المبدع وحس المجرب، أن يتماهى مع الواقع الديني والاجتماعي والاقتصادي، من جهة، وأن يستشرف، في المقابل، بلاغة القصيدة في بعديها الإنساني والجمالي، من جهة ثانية”.

ويذكر زنيبر أن لغة الملحون “تتسم بالهوية المتعددة”؛ فهي لغة “تسمو بلسانها، وتمنح صاحبها إمكانية الجمع والمزاوجة بين الذاتي والمحلي والعالمي، في الآن ذاته. وما تعدد الأغراض وتنوع الموضوعات وتداخل اللهجات وتفاوت الأداء سوى دليل على رحابة هذا التراث الشعري وامتداداته في الزمان والمكان”.

وينطلق هذا الكتاب بالبحث في جوانب العشق في شعر الملحون، “العشّاقي”، علما أن “الاحتفاء بالمرأة في الشعر كما في الواقع، وبجمالها المادي والروحي” لا يتمان إلا “إذا آمن الرجل بالمرأة واعتبرها ضرورة من ضرورات الوجود الإنساني”.

كما يبحث الكتاب في “الوصاية”، التي هي “قصائد تقوم على النصيحة والتوجيه بالأساس، انطلاقا من تجربة ذاتية يتغيا الشاعر اقتسامها مع الآخر، سواء في بعدها الديني أو الاجتماعي أو الأخلاقي”.

ثم “التّرجما”، وهو شعر ملحون به نزوع إلى “فن القصة”، عرّفه الأكاديمي عباس الجراري بكونه “قصائد ترجمها الخيال، أي أنشأها وحبكها دون أن يكون لها حدوث في الواقع”. واعتبرها الباحث أحمد سهوم “إبداعا شعريا مستقلا يجمع، في الوقت ذاته، بين القصة والأعجوبة والتْرْجْما””.

ومن هذا الغرض الشعري إلى “السيرة”، التي استحضر فيها مؤلف “صنعة الكلام” عطاء المعاصر أحمد سهوم، الذي رحل عن دنيا الناس سنة 2020، بعدما كان “علامة مميزة في فن الملحون، بالنظر إلى ما خلّفه من إنتاجات غزيرة جعلت منه مرجعا رئيسا في هذا المجال”، فقد كان “الشاعر الناظم، والمنشد البارع، والباحث المحقق، والدارس المحلل، والقارئ الناقد”. والواقع أن سهوم قد “كرس حياته لخدمة هذا الفن، تعريفا وتأريخا، كما أنجز فيه أكثر من مائة وسبعين قصيدة في أغراض مختلفة وقياسات متفاوتة”.

وفي تقديم الكتاب، سجل حسن بحراوي أن الملحون بعد أن نشأ بسيطا، من الناحيتين الأدبية والفنية، في تاريخ بعيد قيل إنه يعود إلى القرن الخامس عشر، “استطاع أن يتطور في بنائه وإيقاعاته مع مرور الأزمنة وتعاقب الأحقاب، وخاصة مع تطور الذائقة الشعرية والإنشادية بتدخل من الشعراء والحفاظ الذين اعتمدوا في نشره الرواية والانتقال الشفوي قبل أن يستفيد، انطلاقا من مستهل القرن العشرين، من وسائل التسجيل والتّذييع اللاسلكي”.

ومع أن الممارسين لهذا الفن، من منشدين ومرددين ومولوعين، ظلوا يتداولون نصوصه في كنانيش مخطوطة يعتمدون عليها في الحفظ والأداء، فإنه “بقي بعيدا عن التدوين والنشر العمومي، إلى أن قُيض له أن ينتقل إلى هذه المرحلة على يد العلامة محمد الفاسي الذي كرس له موسوعة من أجزاء عديدة عرفت بـ(معلمة الملحون)”، وهي، يتابع المقدم: “معلمة حقا؛ لأنها أعادت الحياة إلى متون هذا الفن التي ظلت مهددة بالاندثار”.

وحول تأخر نشر “المعلمة” إلى ثمانينيات القرن العشرين، ذكر بحراوي أن السبب “يعود دون شك إلى تحرج محمد الفاسي من مواجهة التيار الوطني المحافظ الذي كانت نصرة اللغة العربية الفصحى، لغة القرآن، تمنعه من التعامل مع العاميات واللهجات التي درج الكولونياليّون على العناية المفرطة بها”.

ثم زاد: “لحسن الحظ، فقد سبق هذا النشر ظهور كتاب أكاديمي جامع أصدره البحاثة عباس الجراري أوائل السبعينيات بعنوان “الزجل في المغرب: القصيدة” (…) ومع هذا العمل الدراسي المهم تعرف جمهور المثقفين لأول مرة على قصائد الملحون مدونة ومشروحة ومحللة، وتمكن من تكوين فكرة وافية عن موضوعاته وأوزانه (قياساته) وجميع ما ارتبط به من تاريخ وتقاليد”.

وعدد بحراوي بعد ذلك مبادرات شاعر الملحون الحاج أحمد سهوم، وعبد الرحمن الملحوني، وعبد الله شقرون، ومنير البصكري، وعبد الصمد بلكبير، قبل أن يعلق بقوله: “طبعا، يبقى كل هذا التراكم متواضعا قياسا بالتاريخ العريق والانتشار الكاسح لهذا الفن”.

من هنا تبرز “الأهمية اللافتة” لهذا الكتاب الجديد، وفق الناقد بحراوي؛ لأن مثل هذا الفن “العريق الذي يمتد تاريخه إلى خمسة قرون، ويملأ حياة ووجدان قطاع عريض من العامة والخاصة، وتبذل بشأنه رسميا جهود مشهودة”، جدير بأن “يحاط بعناية متواصلة ومتجددة، وقمين أن تتكاثر بشأنه البحوث والمؤلفات ذوات العدد”.

ويسجل المقدم أن عمل أحمد زنيبر “صنعة الكلام” يمثل “إضافة نوعية لمثل هذه الجهود؛ لأنه يشهد على الاهتمام الوازن الذي توليه شبيبة الباحثين بالفنون الشعبية ذات المظهر الشفوي”، ثم لأنه “يتميز بممارسة صاحبه لنوع من “الديمقراطية النقدية” حيث نجده يعمل بمنهجية تحليل الشعر الفصيح، ويكاد لا يشعرنا بأننا إزاء نصوص عامية شفوية، بعضها يعود إلى قرون عديدة”.

وواصل بحراوي: “عبر الفصول الأربعة، تدرج الباحث من التعريف بالغرض، وتناول المضمون، وتعرض للبناء الشعري، والصور المجازية، وألوان التعبير العامي الذي يكون بحاجة إلى التوضيح طالما كانت لغته تنتمي إلى سجل طال الأمد بيننا وبينه”؛ وهو منهج يرجح سلامته لأنه يلائم “هذه المرحلة التي تفترض إشاعة المعرفة الملحونيّة التي ظلت غائبة أو مغيبة من التناول النقدي والدرس الجامعي”.

ثم ختم الناقد والأكاديمي حسن بحراوي بقوله إن “أهمية هذا الكتاب لا تخفى، فلا أقل من أنه سيسهم في رفع الغبن عن هذا اللون الفني الأصيل الذي عانى كثيرا وطويلا من الإهمال المفروض عنوة، والتجاهل المقصود لوجه المقارنة التي لا تستقيم بين الإبداع الشعري الفصيح والعامي”، علما أن “الحال أن المغاربة قد طربوا للشعر الملحون أكثر مما تفاعلوا مع الشعر الفصيح، لأسباب وجيهة؛ أبرزها أنه لم يكن يتطلب منهم ثقافة عالمة أو معرفة متخصصة لارتباطه بمعيش الناس وسهولة مأخذه لديهم”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى