إعلانك هنا

أحرشاو يقارب فعالية منهجية التدريس في ظل خصوصيات اللغة العربية

أوضح الكاتب والسيكولوجي الغالي أحرشاو أن “الفشل في اعتماد المنهجية التدريسية الناجعة يُعَدُّ أحد مصادر الصعوبات التي يواجهها بعض المتعلمين، وبالتالي فإن مجرد الحدس النفسي والتربوي للمدرسين وتفانيهم المهني، لا تكفي كعوامل لتفادي تلك الصعوبات”.

وأضاف أحرشاو، في مقال له بعنوان “أية منهجية للتدريس في ظل بعض خصوصيات اللغة العربية؟”، أن “فعالية منهجية تدريس العربية ونجاعتها في تحقيق التعلم اللغوي المنشود، تتوقف إلى حد بعيد على مدى نجاحها في الارتكاز أولا على خصوصيات هذه اللغة، وثانيا على مقومات سيكولوجية التعلم والاكتساب ذات التوجه المعرفي”.

وأشار إلى أن “اللغة العربية كانت ولا تزال تنفرد بمجموعة من الخصوصيات، التي تستوجب الأخذ بعين الاعتبار في كل منهجية تدريسية تروم تحقيق نجاح المتعلم وتفوقه في الفهم والقراءة”، قبل أن يعرض “ثلاث أفكار قابلة للاستثمار التربوي والتوظيف البيداغوجي بالنسبة لبرامج ومناهج تدريس العربية وتعليمها”.

وهذا نص المقال:

نادرا ما يتم التنصيص عندنا على أهمية المنهجية التدريسية كمفتاح لتحقيق جانب هام من النجاح الدراسي. فالممارسون للفعل التربوي عادة ما يتغافلون المفعول الإيجابي لهذه المنهجية في المسار الدراسي للمتعلم. لقد ثبت أن الفشل في اعتماد المنهجية التدريسية الناجعة يُعَدُّ أحد مصادر الصعوبات التي يواجهها بعض المتعلمين، وبالتالي فإن مجرد الحدس النفسي والتربوي للمدرسين وتفانيهم المهني، لا تكفي كعوامل لتفادي تلك الصعوبات. لذا فالأكيد أن اعتماد المنهجية التدريسية الملائمة التي تتماشى إجراءاتها مع مقومات المادة المعرفية المُدَرَّسَة، يشكل الخطوة المساعدة على تجويد التعلمات وتحقيق النجاحات الدراسية.

في إطار هذا المنظور، الذي يتقاطع مع اليوم العالمي للغة العربية المحدد في 18 دجنبر 2021، يندرج هذا المقال الذي نسعى من مقاربة موضوعه إلى الدفاع عن فكرة أن فعالية منهجية تدريس العربية ونجاعتها في تحقيق التعلم اللغوي المنشود، تتوقف إلى حد بعيد على مدى نجاحها في الارتكاز أولا على خصوصيات هذه اللغة، وثانيا على مقومات سيكولوجية التعلم والاكتساب ذات التوجه المعرفي. وهذه مسألة توضحها وقائع وقرائن عديدة ومتنوعة، نفضل إجمالها في الآتي:

رغم كثرة الأدبيات العلمية حول منهجية تدريس اللغات بشكل عام، هناك إجماع حول التعلم المدرسي الواعي والصريح لكل لغة مكتوبة، قوامه الانتقال من معالجة الأصوات كشكل منطوق إلى معالجة الحروف كشكل مكتوب. فحسب اللسانيين، توجد ثلاثة أنواع من الكتابات: الأولى لوغوغرافية Logographique، تشكل المفاهيم والكلمات والحروف الدالة وحداتها الكتابية الصغرى. والثانية مقطعية Syllabique، تمثل المقاطع وحداتها الصوتية الصغرى. والثالثة ألفبائية Alphabétique، وهي الأكثر تطورا، تُكوّن الفونيمات وحداتها الصوتية الصغرى.

بالنظر إلى هذه الأنواع الثلاثة من الكتابة، يصح القول بأن الخصوصيات الصوتية والكتابية لكل لغة من اللغات، أضحت تشكل أحد أبرز المكونات المحددة لفعالية منهجية تدريسها، ولنجاعة سيرورة تعلمها كنشاط ذهني معقد. فتبعا لنتائج كثير من التجارب والدراسات المقارنة، صار من المؤكد أن الفروق بين خصوصيات اللغات ومناهج تدريسها تلعب دورا مؤثرا في سيرورة تعلم بنياتها ووظائفها. فكلما كانت البنية الصوتية للغة بارزة وكتابتها شفافة كان اكتساب وظائفها في القراءة والفهم سهلا وسريعا. وهذا ما يعني أنه إذا كان الوعي الصوتي من مستوى الفونيم والمقطع يشكل المكون الحاسم في المراحل الأولى لتعلم اللغة، فإن الوعي الكتابي في أبعاده المعجمية والتركيبية والدلالية لن يحظى بالأهمية المطلوبة إلا في المراحل المتقدمة لهذا التعلم، خاصة بالنسبة لمهارات الفهم والقراءة الفعلية. فقد اتضح أن اللغات الألفبائية مثل اليونانية والتركية والبرتغالية التي تعتمد المقطع كوحدة لتجزيء اللغة، تفضل الوعي المقطعي على الوعي الفونيمي في تعلمها كتابة وقراءة وفهما. وكما خلصت تجارب أخرى إلى أن الأطفال الإيطاليين من مستوى التعليم الابتدائي يتفوقون على نظرائهم الأمريكيين في مهارات القراءة والكتابة، بفعل بساطة البنية الصوتية للغتهم وشفافية كتابتها. ومن جهتها أظهرت التجارب التي أنجزت حول اللغتين الفرنسية والألمانية، صاحبتي الكتابة الأكثر انتظامية وشفافية من الأنجليزية، أن متعلمي هاتين اللغتين يعتمدون على الوساطة الصوتية في قراءة الكلمات، على عكس المتعلمين الأنجليز الذين يعتمدون الاستراتيجية اللوغوغرافية.

بالعودة إلى العربية التي تعتبر لغة سامية تتميز بكتابة ألفبائية صوامتية Consonantique، يتكون نظامها الصوتي من 34 فونيما: 28 عبارة عن حروف صامتة و3 عبارة عن حركات قصيرة (فتحة/ ضمة/ كسرة) و3 عبارة عن حركات طويلة (آ/ أُو/ إِي)، يمكن التسليم بأن هذه اللغة كانت ولا تزال تنفرد بمجموعة من الخصوصيات التي تستوجب الأخذ بعين الاعتبار في كل منهجية تدريسية تروم تحقيق نجاح المتعلم وتفوقه في الفهم والقراءة. وهي خصوصيات نجملها في المظاهر التالية:

– خاصية التداخل والتباين اللغويين، بحيث إن العربية الفصحى رغم كونها تشكل لغة التمدرس والقراءة في المغرب، فهي لا تحظى بوضعية مريحة نظرا لتواجدها من جهة إلى جانب العربية الدارجة، ومن جهة أخرى إلى جانب ثلاث لهجات (تاشلحيت، تامزيغت، تاريفيت)، فضلا عن تقاطعها مع لغات أجنبية مثل الفرنسية والإسبانية والأنجليزية. وعليه فهي لا تشكل اللغة الأم، بل لغة ثانية يبدأ تعلُّمُها مع التمدرس. فرغم التناغم القائم بينها وبين الدارجة، فإن فوارق هامة تفصلها عن هذه الأخيرة، وتفرض على كل متمدرس ينخرط في سيرورة التعلم بها مضاعفة المجهود للانتقال من لغة أم (دارجة أو لهجة) إلى لغة فصحى مكتوبة، ومواجهة صعوبات كثيرة على مستوى التعلم والتحصيل: كتابة وقراءة وفهما ووعيا.

– خاصية التجانس الحرفي والتماثل الكتابي؛ إذ إن ما تتميز به العربية من جناس حرفي يمثل في غالب الأحيان مصدرا لغوامض صوتية ودلالية بالنسبة للتعرف على الكلمات المتماثلة وقراءتها وفهمها. وهكذا فإن كلمات (علم- علم- علم- علم) ذات الشكل الكتابي المتماثل، لا يمكن التعرف عليها وقراءتها إلا بالاعتماد على الحركات (عَلِمَ- عَلَّمَ- عِلْمٌ- عَلَمٌ) أو قرائن السياق، الأمر الذي يرجع عملية القراءة إما بطيئة أو صعبة أو مستحيلة في كثير من الأحيان.

– خاصية الوعي المقطعي قبل الوعي الفونيمي؛ بحيث إن البنية الصوتية للعربية ترجّح المقطع (الحرف) على الفونيم كوحدة أساسية للتقطيع، وإن كتابتها التي تشكل في جانب معين كتابة ألفبائية، تتميز في المقابل بكونها كتابة مقطعية بسبب وضع المصوتات واستخدامها الخاص. فالحرف كوحدة طبيعية لتجزيء الكلمة العربية، لا يمكنه على صعيد الكتابة إلا أن يدعم الأفضلية لصالح المقطع. وهكذا فإذا كان تعلم القراءة في لغات ألفبائية كالفرنسية والأنجليزية يتوقف أساسا على الوعي الفونيمي، فالعكس هو المطلوب اعتماده بالنسبة للعربية؛ إذ يمكن المراهنة على الوعي المقطعي في هذا التعلم، خصوصا في المراحل التهييئية التي يواجه فيها الطفل الكتابة المشكولة.

– خاصية أهمية السياق ونوع الكتابة؛ إذ يتوجَّب على كل من القارئ المبتدئ والقارئ الخبير اعتماد السياق للتعرف على الكلمات غير المشكولة. فعدم تدوين الحركات عادة ما يرجع القراءة صعبة بالنسبة للقارئ الخبير، ومستحيلة بالنسبة للقارئ المبتدئ. وإن خصوصية نوع الكتابة (مشكولة وغير مشكولة) هاته، هي التي تستدعي التمييز بين طورين اثنين في تعليم وتعلم القراءة بالعربية: طور أول يعالج الطفل خلاله الكتابة المشكولة فقط باعتماد إجراء التفكيك الصوتي والوساطة الفونولوجية، وطور ثان يعالج خلاله الكتابة غير المشكولة باعتماد معارفه الكتابية والنحوية والسياقية.

تبعا لما تقدم نرى ضرورة التنصيص في نهاية هذا المقال على ثلاث أفكار قابلة للاستثمار التربوي والتوظيف البيداغوجي بالنسبة لبرامج ومناهج تدريس العربية وتعليمها:

– الراجح أن العربية الفصحى تشكل نموذجا للغة التي تقترب خصائصها في آن واحد من لغة مقطعية ومن لغة ألفبائية. فتعلُّمُها يتوقف على الوعي الصوتي في بعده المقطعي، خاصة في بداية تعلم القراءة حيث تُعتمدُ الكتابة المشكولة، وفي بعده الفونيمي، خاصة في المراحل المتقدمة للقراءة حيث تُعتمدُ الكتابة غير المشكولة.

– يمكن تسهيل مهمة تعليم العربية الفصحى وتعلمها عن طريق استثمار وعي الطفل بالوحدات المقطعية، بحيث يجب ملاءمة طُرُق تدريسها مع خصوصياتها الصوتية والكتابية إن أرادت فعلا أن تكون تلك الطرق ناجعة في إجراءاتها التدريسيَّة ومخرجاتها التعلُّمِيَّة ثم تدخلاتها للدعم والمساعدة.

– إذا كان هدف مؤسسات التعليم الأولي يتحدد في تهييء الطفل لتعلم القراءة باعتماد الأنشطة الملائمة لتطوير وعيه بالبنية الصوتية عبر ألعاب لغوية وقصص وحكايات وتداريب على تقطيع الكلمات، فإن غاية مؤسسات التعليم الابتدائي يجب أن تتحدد في تقعيد مناهجها البيداغوجية وطرقها التدريسية من خلال التركيز على تعليم الطفل التطابقات الحرفية – الصوتية، مع منح الأولوية للوحدة المقطعية عبر نطق الحروف والكلمات وتَهَجِّيها وتكرارها وتفكيكها والتعرف عليها ثم فهمها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى