إعلانك هنا

فيلم “أوسلو” .. التفاوض يجمع فلسطينيا وإسرائيليا في غرفة مغلقة

دبلوماسية نرويجية في فلسطين المحتلة تشْهد هذه الواقعة: جندي إسرائيلي وشاب فلسطيني وجهاً لوجه. أحدهما مُسلّح بكلاشينكوف، والآخر يحمل حجراً. من سيُسدّد أولا؟ تردّدا معا.

وصل جندي آخر، وحسم المسألة. هذا المشهد غَيّر حياتها، ودفعها إلى ابتكار حل في لحظة تاريخية، شهدت ما لا يتوقّع أحدٌ حصوله: انهيار جدار برلين.

من هذه الواقعة وُلدت فرضية مفتوحة: إذا تفكَّك الاتحاد السوفييتي، فكُلّ شيء ممكن. بهذا الأفق المفتوح بدأت المفاوضات. فجأة وجد مناضل شيوعي فلسطيني نفسه في مكتب واحد مع مفاوضٍ من العدو. عَدوّان في غرفة واحدة، في “أوسلو” (2021، منصّة HBO) للأميركي بارتْلِت شير.

يقول المفاوض، الأشهر في القرن الـ20، إنّ “نجاح أو فشل ساسة الدول يتوكّأ على مدى إدراكهم للاتجاهات”. هنري كيسنجر يتفاوض حاملاً عصا وجزرة في الوقت نفسه.

بدأ اللقاء بين الفلسطينيين والإسرائيليين بعرض فرص التعاون الاقتصادي ومنافعه. يوصَف كيسنجر بأنّه الدبلوماسي الثعلب. يبدو الوصف شتيمة من وجهة نظر أخلاقية، لكنّه يُصبح مديحاً كبيراً لديبلوماسيّ مهّد لاتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. كان وسيطاً بين خصمين، يوهم كلّ واحد منهما بأنّه أقرب إليه، وبأنّه يفهمه. نصح السادات بأنّ مصلحته كامنةٌ في وقف الحرب. سيراً على هذا النهج، يُبنَى في التفاوض خطاب متماسك عن الحرب الملعونة، وبديلها المرغوب فيه: السلام.

بدأ التفاوض، في هذا الفيلم السياسي التاريخي، بجُمل قصيرة، شعاراتية عدوانية. مع مرور المَشاهد وتطوّر المفاوضات، انتُشِل الحوار من الشعارات والمزايدات، فتحرّر منها وصار أعمق. يعكس اختلاف المعجم، اختلاف منطلقات المتفاوضين ومصالحهم. يتقدّم الحوار من دون انحياز، لأن السيناريست يقف على المسافة نفسها من شخصياته، ويعرض وجهتي النظر المتعارضتين بالتساوي، من دون انحياز لأي من المتنازعين على قطعة الأرض نفسها. يصعب على كاتبٍ أو مخرج عربيّ إعلان الحياد.

كان ذلك لحظة تحوّل تاريخيّ. ساند ياسر عرفات احتلال صدام حسين للكويت عام 1990، فجلب الخراب لشعبه. ضعُفَ سياسياً واقتصادياً. قدّم النرويجيّون له هدية: قناة سرّية للمفاوضات، تصبّ ماءً عذباً. جرى ذلك أمام وسيطٍ مفاوِضٍ ومحايد، يُعبّر عن دعمه للطَرَفَين بالمستوى نفسه، وينسحب باكراً، ليتركهما وجهاً لوجه.

وضع السيناريوـ للأميركي جي تي رودجرز، عن مسرحيته “أوسلو” (2016)- مساراً لمراحل كشفت “بروفايل” الشخصيات في 90 دقيقة. طُوِّرت الشخصيات بأفعالها. لا مكان للحياد في سلوكها. كلّ شخصية تحتكر الحقيقة. لا جدوى من مطالبة أي شخصية أكثر مما تطيق طبيعتها. لا يمكنها التصرّف خارج خارطة ردود الأفعال المحفورة في وجدانها: حرب وحجر ورصاص ودم وموت. الدراما خارج الكادر.

يعرف المتفرّج ما يجري بلقطات الإعلام. سال دمٌ كثير. لا تتغيّر الشخصية إلا بعد محنة. يجب وقف نقاش “من الضحية ومن الوغد”.

لعب شير على رسم شخصيات بأمزجة وخلفيات ومصالح متناقضة. شخصيات ملوّنة، لا بالأسود والأبيض، في ورطة نزاع مزمن، لأن الطائفية غريزة. أدّى الممثل الفلسطيني سليم ضو دور أحمد قريع (أبو علاء) بحيوية، في مواجهة جِف ويلبُش، مؤدّي دور المُفاوض الإسرائيلي الشاب أوري سافير. يحاول كلّ مفاوض إقناع حكومته وشعبه ونفسه بما يفعله في الصراع حول المكان نفسه. كلّ طرف لا يرى حلّاً مُمكناً إلا بإبادة الآخر.

يقول داروين في “أصل الأنواع”: “التنازع من أجل الحياة أكثر شراسة بين الأفراد والضروب التابعة للنوع نفسه” (ص: 135). يتشابه البشر في كلّ شيء. الآخر نسخة من الأنا. يصعب تصديق هذا القياس وهذه التشابهات. لكنْ، هذه هي الحقيقة. يؤكد سوسور على أهمية القياس في النحو المقارن وطبيعة البشر: “إذا نظرنا إلى تفاصيل تاريخ كلّ إنسان، لوجدنا أنّه ليس سوى عبارة عن عددٍ كبير من الظواهر القياسية، المتراكمة الواحدة فوق الأخرى” (لويك دوبيكير، “فهم فردينان دو سوسور وفقاً لمخطوطاته: مفاهيم فكرية في تطوّر اللسانيات”، ترجمة ريما بركة، المنظمة العربية للترجمة، 2015، ص: 77). حسب وجهة نظر بارتْلِت شير، يكتشف كلّ مُفاوض تشابهاته مع عدوّه، أي مع الطرف الآخر، عبر مسار تقدّم المفاوضات.

بدأت المفاوضات بلقاءات مغلقة بين عدوّين، في قصر نرويجي بارد، بعيداً عن اشتعال الشرق الأوسط. بدايتها كانت من دون خارطة طريق. يكفي الاستمرار في المشي، وسيظهر الطريق وحده. بدأ اللقاء بمنافع التعاون الاقتصادي. التجارة مدخل إلى السلام. يفتح تقاسم الطعام العيون لاكتشاف التشابهات. مهما كانت الاختلافات الأيديولوجية بين البشر، فإنّهم يحبون الشوكولاته المثلّجة.

بدأ الطرفان في لقاءات غير رسمية لكسر الجليد، في فضاء بارد. تتراكم المحاورات والوجبات، فتتراجع النزعة الطائفية، وتتقدّم النزعة الإنسانية، في تمرين بناء الثقة باتّباع نموذج جديد للمفاوضات: وجهاً لوجه، بين خصمين لا يتبادلان الكلمات والنظر. هذا حاصلٌ حين كان يُمنع أي مسؤول إسرائيلي من التحدّث مع عضو في “منظمة التحرير الفلسطينية”.

يُعرف ما يجري بفضل كاميرا (مدير التصوير: البولندي يانوس كامينسكي) معتقلة في فضاء مغلق. مفاوضات عسيرة خلف أبواب مغلقة، تغرق في التفاصيل التي تكمن فيها المصالح المتضاربة. بعدها، تمّت تجزئة المواضيع، بدل طرحها دفعة واحدة. مفاوضات سقفها صُنع مستقبل سلام لشعبين.

تجري حوارات طويلة. التصوير الداخلي حَصَر” أوسلو” في قصر اسكندنافي بارد. الفيلم أقرب إلى برنامج حوار تلفزيوني. هدوء قطبي شمالي في مقابل اندفاع شرق أوسطي. كسرت الوجبات الجيدة، وتوالي كؤوس الويسكي، حاجز الكراهية. يحبّ الطرفان المأكولات نفسها. هذا جيّد.

امتدّت المفاوضات، ثم تمّ توقيع “اتفاق غزةـ أريحا”. بعدها، بدأت مفاوضات القضايا المعلّقة. المفاوضات مستمرة. لكلّ جولة تفاوض نغمة وسياق. منذ أوسلو امتدّ التفاوض ثلث قرن، ولا يزال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى