تقديم المساعدات يثير النقاش حول القانون والثقة والمخاطر في المغرب

مع بداية فصل الشتاء من كل سنة، وما إن تنخفض درجة الحرارة إلى مستويات كبيرة، حتى يبادر عدد من المتطوعين والفاعلين الجمعويين إلى تنظيم مبادرات إنسانية بعدد من المدن، عبر جمع التبرعات المالية والعينية من المحسنين، من أجل الاستعانة بها في توفير المواد الغذائية والألبسة والأغطية وحطب التدفئة…، قصد توزيعها على الأسر الفقيرة القاطنة بالمناطق الباردة.

وإذا كان تحرك المتطوعين في هذا المجال يثير في غالب الأحيان الاستحسان والتثمين والإشادة، لما له من وقعٍ مباشر على الفئات الهشة والأسر المعوزة بالمناطق الجبلية، وآثارٍ إيجابية من شأنها تخفيف معاناة المتضررين من موجات الصقيع والثلج…، فإن نقاشا يثار في الوقت ذاته حول الطرق القانونية لجمع وتوزيع وصرف التبرعات المالية والعينية من طرف المتطوعين.

مساعدات مالية وعينية

يوسف بندوزان، فاعل جمعوي دأب على تنظيم مبادرات إنسانية مع باقي أعضاء جمعيته، خاصة بالمناطق النائية والباردة، أوضح أن “مرحلة توزيع المساعدات على الأسر الفقيرة تأتي عقب مجموعة من الإجراءات التي تحرص الجمعية على القيام بها، وفي مقدمتها إجراء زيارة ميدانية أولية إلى المنطقة المستهدفة من أجل تحديد حاجيات سكانها”.

وأضاف بندوزان، في تصريح لجريدة LE7.ma الإلكترونية، أن “الهدف من الزيارة الأولى يتمثل في القيام بجرد للأسر الهشة، وتحديد عدد الأطفال، ذكورا وإناثا، من أجل ضبط الحاجيات التي ينبغي توفيرها خلال مرحلة جمع المساعدات المالية والعينية من المحسنين، الذين يتفاعلون مع هذه الأنشطة بدرجات مختلفة، حسب نوع النشاط، وطبيعة المستهدفين منه، وسمعة المنظمين…”.

وأشار إلى أن “المتطوعين ينشرون في بداية الأمر نداءات عبر مواقع التواصل الاجتماعي من أجل فتح المجال أمام المحسنين للمشاركة في ذلك العمل الإنساني، وهو ما يتحقق فعلا حين تحضر الثقة في الواقفين وراء المبادرة، مما يساهم في توفير قدر من المساعدات المالية والعينية، كالأحذية والجوارب والقفازات وباقي الملابس المستعملة والجديدة، وبعض المواد الغذائية المتنوعة”.

وعن طرق جمع المساعدات المالية، قال بندوزان إن “المحسنين من عائلاتنا وأصدقائنا ومعارفنا ومتفاعلين آخرين مع النداءات “الفيسبوكية” يفضلون تقديم مساهمات مالية للمشاركة في العمل الإنساني، في حين يختار آخرون توفير عدد من المساعدات العينية”، مشيرا إلى أن “بعض المحسنين يتكلفون بمصاريف حفر الآبار في بعض المناطق، ويكلّفون المتطوعين بالإشراف على العملية، مما يتطلب منهم التتبع والتوثيق وضبط المصاريف للإدلاء بها عند الحاجة”.

المبادرات والتنسيق

أوضح فريد الخيار، المندوب الإقليمي للتعاون الوطني بخريبكة، أن “المبادرات التي تقوم بها الجمعيات والمحسنون إيجابية ومحمودة ومشكورة، وتساهم إلى جانب الدولة في مساعدة الفئات الهشة والفقيرة، لكن يبقى من الواجب أن تخضع هذه المبادرات لبعض الشروط حتى تحقق الهدف النبيل منها، دون أن تتسبب في مشاكل أو حوادث أو كوارث كما حدث في بعض المناطق”.

وأضاف الخيار، في تصريح لجريدة LE7.ma الإلكترونية، أن “الواقفين وراء أي مبادرة لمساعدة المحتاجين مطالبون أولا بتحديد الفئة أو الفئات المعنية بالمبادرة، والتنسيق مع السلطات المحلية والقطاعات المعنية في هذا المجال، كالتعاون الوطني، والشباب والرياضة، والمجلس العلمي…، من أجل تشكيل لجنة مشتركة تُشرف على عملية توزيع المساعدات على المستهدفين منها”.

وأشار المندوب الإقليمي للتعاون الوطني إلى أن “بعض الجمعيات تبادر إلى جمع المساعدات دون سلك مسطرة الإحسان العمومي، ودون التنسيق مع المصالح المعنية، لكن هذا لا يمنع من التنسيق مع السلطات من أجل الإشراف المشترك على عملية التوزيع، حتى تمر العملية في ظروف آمنة، سواء بالنسبة للمنظمين أو المستفيدين، ولو أن التنسيق منذ البداية هو المطلوب في مثل هذه الإجراءات”.

الوضوح والستر

من أجل تحقيق المصداقية في العمل، نصح المندوب الإقليمي جمعيات المجتمع المدني بـ”الوضوح في أعمالها التطوعية والإنسانية، وحرص أعضاء مكاتبها على العمل بشكل جماعي، من خلال عقد اجتماعات دورية ومنتظمة، والتصريح بالمداخيل والمصاريف تفاديا للمشاكل، التي قد تترتب عن تكليف الرئيس فقط أو عدد محدود من أعضاء المكتب بالقيام بجميع الإجراءات لتنظيم الأنشطة والمبادرات الإنسانية”.

وعن تعقد المساطر الإدارية التي تدفع المتطوعين إلى تجنب التنسيق مع المصالح المعنية، أكد المسؤول الأول عن تدبير قطاع التعاون الوطني بإقليم خريبكة أن “من واجب المتطوعين التنسيق الأولي والمبدئي مع السلطات والمصالح المعنية بالموضوع مهما كانت طبيعة التجاوب الذي تبديه الإدارة مع تلك المبادرات، لأن الخروج إلى الميدان وتوزيع المساعدات على الأسر في غياب السلطة يشكلان خطورة لا يمكن تصور نتائجها”.

وقال الخيار إن “الأصل في المساعدات أن تكون مستورة، لأن بعض المستفيدين من تلك المبادرات يطالهم التشهير والضرر بسبب نشر الصور والأشرطة عبر مواقع التواصل الاجتماعي”، مضيفا أن “من حق المتطوعين أن يوثقوا أنشطتهم لأغراض داخلية تهم الجمعية وتقاريرها الإدارية والمالية، لكن نشرها للعموم يضع الأسر الفقيرة والفئات الهشة في حرج هم في غنى عنه”.

وختم المندوب الإقليمي تصريحه بالإشارة إلى أن “السلطات الإقليمية، من خلال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ومؤسسة التعاون الوطني، وعدد من القطاعات الأخرى، تقوم بمجموعة من المشاريع والمبادرات الإنسانية طوال السنة، من أجل مساعدة الفئات الهشة والأسر المعوزة…، لكن أغلب هذه الأنشطة يتم في صمت وبعيدا عن مواقع التواصل الاجتماعي، حتى يحقق الغاية الإنسانية منه ودون أن يعرض المستفيدين من تلك المبادرات لأي إحراج”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى