كتاب جديد يجمع فاعلين للبحث عن حلحلة قضية الصحراء المغربية

من أجل حل مغاربي لقضية الصحراء، يجمع مؤلف جديد صادر عن مركز محمد بنسعيد آيت إيدر للأبحاث والدراسات باحثين وفاعلين مدنيين مغاربيين، يتشبثون بضرورة تكتل جهوي مغاربي، لن يصير واقعا إلا بإنهاء النزاع الذي “يغرق المنطقة في ضباب كثيف يحجب رؤية البلدين الشقيقين المغرب والجزائر لبعضهما البعض”.

نسق هذا العمل كل من مصطفى بوعزيز، وعبد الرحمن زكري، ومصطفى مفتاح، وعبد اللطيف اليوسفي، ومحمد والي العلمي، وصدر في طبعته الأولى سنة 2021 الجارية، وهو صياغة تركيبية لأوراق باحثين مغاربيين هم: الجزائري عيسى قدري، والمغربي الفرنسي رحاميم بنحاييم، والتونسي فيصل شريف، والتونسي خالد عبيد، والمغربي الفرنسي عبد الحفيظ أمازيغ، والمغاربة مصطفى بوعزيز، وعثمان المنصوري، وعبد المجيد بلغزال، وزكري بلغزال.

وبعنوان “نزاع الصحراء – من أجل حل مغاربي… ممكن”، يضم هذا المؤلف، من بين ما يضمه، بالعربية والفرنسية والإسبانية، النص الذي كان من المفترض أن يشكل قاعدة مقترحة لندوة دولية كان من المزمع تنظيمها بمراكش في ماي 2016، يحضرها كل أطراف النزاع من رسميين مغاربة وجزائريين، وممثلين لحركة البوليساريو، وفعاليات صحراوية في الداخل، وممثلين من الأمم المتحدة، وملاحظين أوروبيين، وأكاديميين مغاربيين ودوليين.

هذا العمل الذي كان يسعى مركز محمد بنسعيد، مع شركائه المغاربيين، أن يصدر عنه “نداء مراكش” من أجل “مغرب مواطنة كبير، ومن أجل حل مغاربي لنزاع الصحراء الغربية”، بعد “عدد من الجولات واللقاءات للإقناع، في الجزائر وتونس وموريتانيا وإسبانيا وفرنسا والسويد وهولندا والمغرب”، وإشراك “فعاليات ليبية، ومتعاونين في هيئات الأمم المتحدة”، طالته تأجيلات “بعدما امتطى الغلاة هناك في الجزائر، وهنا في المغرب، الظرفية (…) لإجهاض هذه المبادرة المحرجة لهم، ولو إلى حين”، عقب زيارة الأمين العام السابق للأمم المتحدة بانكي مون إلى الأراضي الصحراوية، ووفاة زعيم البوليساريو السابق محمد عبد العزيز.

مع ذلك يقول المركز إنه “لم يرفع الراية البيضاء استسلاما”، لإدراكه أن “عملا من هذا الحجم لا يخلو، ولن يخلو من صعوبات وعراقيل”، وأن “كل القوى التي تعتاش، هنا وهناك، على استمرار النزاع والتصعيد، لن تتوقف عن محاولاتها في أن تغتال في المهد أي جهد يتوجه بجدية لإعادة إنتاج المشترك المغاربي، وبناء مستقبل مغاربي جامع في إطار مواطنة مغَاربية، مبنية على دول حق وقانون، تضمن وترعى الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والسلم لشعوبها… وهي التي لا تجد طغمها الحاكمة مطية أفضل من هذه لتبرير وجودها”.

ويتشبث الكتاب بالعمق والاتحاد المغاربيين، مع تسجيله أنه رغم العمق التاريخي والشعبي لطموح المغاربيين لوحدة بلاد المغارب، ورغم كل النوايا الطيبة المعلنة، أحيانا، هنا وهناك؛ إلا أن “واقع الحال أبعد ما يكون عن معانقة ذلك المثال الذي حمله المجاهدون من أجل انعتاق وتحرر الجزائر، والمغرب، وتونس، وليبيا، وموريتانيا والصحراء من النير الاستعماري الفرنسي والإسباني”.

وفي قلب “التطور الدرامي لكابوس اللامغارب هذا، وهذه الخيانة التي مازلنا ماضين في اقترافها ضد الأجيال المغاربية المقبلة”، ينتصب شامتا “نزاع الصحراء الغربية”، حَسَبَ تعبير الكتاب؛ ما يجعل الفاعل السياسي البارز بنسعيد آيت يدر والمركز الذي يحمل اسمه يسجلان أنه “بات أمرا بالغ الاستعجال مواجهة هذه المعضلة بمنهجية مغايرة، تقوم ببساطة على تنظيم وتسهيل إجراء حوار بين كل الأطراف المعنية بالنزاع وتشجيع مساهمة الجميع”.

ويذكر منسقو الكتاب أن ما يحركهم هو “الأمل في أن نرى أغنى، وأخصب حوار ممكن، يجرؤ فيه المغاربيون على أن ينفتحوا على بعضهم، ويستكشفوا سبلا جديدة ممكنة، عليهم جميعا تجريب اقتحامها من أجل إنعاش وإعادة شحن حلمنا المغاربي”.

ويتأسف الكتاب لتهميش المقاربة التاريخية لهذا النزاع الذي “يلحق أفدح الأضرار بحاضر أجيال كاملة من المغاربيين ويرهن مستقبلهم”، بل ويكاد اليوم “يغتال المغرب الكبير الموحَّد، ليس فقط كبرنامج وكمشروع، بل أيضا كحلم”، علما أن البلاد المغاربية تعاني “التقهقر الشامل لكل مؤشرات التنمية”، ومع ذلك “تمضي لا تلوي على شيء، في مزيد من إهدار الوقت والفرص، بقدر من اللامسؤولية والعمى الإستراتيجي”.

وبعد بسط لتاريخ المغارب، كيانا متحركا لكنه لا يعترف بحدود أو دول – أُمَم بمعناها الحديث، وبعده نزاع الصحراء، والواقع المغاربي السياسي والاقتصادي والمدني، ربط الكتاب بداية “المشكلة” بالاحتلال الاستعماري الفرنسي للجزائر سنة 1830، حيث “خرب إلى غير رجعة بنيات المغرب القديمة، وفرض بدلها، من الخارج، نظاما مغايرا، تختلف قوانينه الخاصة تماما عن تلك التي كانت تنظم سلفه”، وهو ما رافقه “توسيع التراب “الفرنسي” في الجزائر، والأسوأ، أنه باشر ذلك، على حساب أقطار مجاورة”.

كما تحدث عن استباق “القوى الاستعمارية” هذا الاندماج الذي كان يدرَك في الضفة الأخرى من المتوسط، بوصفه “تهديدا لاستمرار المصالح الاستعمارية، الفرنسية بوجه خاص، حتى بعد الاستقلالات”، واستفادة هذه القوى في تحقيق هذا المسعى من “(البراغاماتية) المستحكمة في أوساط حركة بورقيبة، والحركة الوطنية المغربية، والقصر الشريفي الذي سمح منذ 1955 بإعادة عملاء الاستعمار لمركز السلطة”.

ومع تشديد الكتاب على ضرورة “الإرادة السياسية المشتركة” لتسوية النزاع وطي صفحة الخلاف، يستلهم من الماضي “التاريخ المشترك” الذي “بناه المغاربيون بتضامنهم وبوعيهم التام بتقاسم المصير ذاته”، منذ كان الفضاء المغاربي قبل الاستعمار “مفتوحا لتنقل واستقرار المغاربيين الذين توحدهم نفس الأصول، ونفس اللغة، ونفس المعتقدات الدينية، ونفس التاريخ الذي بنوه بشكل مشترك”.

بناء الأفق المغاربي، وفق الكتاب، طموح حمله خلال زمن مقاومة الاستعمار “عديد من القادة السياسيين والمقاومين والمواطنين البسطاء”، وحضر فيه “دائما بعد مغاربي ثابت ومؤكد، منذ تأسيس الأنوية المغاربية الأولى في فرنسا ومصر، وبداية تردد أصداء أعمال الفداء والمقاومة في البلدان الثلاثة، تونس والجزائر والمغرب بشكل خاص”. واستحضر الكتاب هنا “الصدى الكبير لاغتيال فرحات حشاد، وعمل عبد الكريم الخطابي في القاهرة، ومناطق الإسناد الخلفية في المغرب لجبهة التحرير الجزائرية…”.

وانطلاقا من نموذج الاتحاد الأوروبي، الذي غالبا ما يستحضره المغاربيون كمثال، يذكر المؤلَّف أن “الآلام والمآسي” المترتبة عن الحربين العالميتين، كانت “قوة الدفع التي سمحت بالوحدة، والتعاون في البناء الأوروبي، وتحطيم الحدود، والتنقل الحر للأشخاص والممتلكات والرساميل”؛ وهو ما يذكر المصدر ذاته أنه المسار الذي ينبغي على “معشر المغاربيين” سلكه بـ”تحويل الحدود بين دولنا إلى جسور ممدودة من أجل التعاون والانفتاح وخلق الثروات ومناصب الشغل وتطوير البنيات التحتية”؛ أي إنه “يلزمنا أن نتعلم كيف نفكر مغاربيا، وكيف نبني وندافع عن مرتبة لنا في العالم”.

ويعتبر الكتاب الإطار الحالي للدول المغاربية “حدود المربع التي سجن الاستعمار داخلها المغرب الكبير”، مثل ما حدث في المشرق العربي مع سايكس – بيكو، وهو ما يعني أن “التملك الجماعي والمشترك لهذا الفضاء المغاربي، الذي هو فضاؤنا كمغاربيين”، يتطلب “إنجاز انعتاقنا من النظرة الضيقة والقاصرة لذواتنا وللعالم، التي سجننا فيها الاستعمار”، و”التعاون والتآزر من أجل بناء هذا المغرب الكبير”.

لماذا هذا الطموح؟ يجيب الكتاب بأن “بلداننا الخمسة” (موريتانيا، المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا) “لا تزن جناح بعوضة في محفل الأمم”، وبأننا أضعنا كمنطقة مغاربية “أكثر من نصف قرن من الزمن، وما نزال ماضين في إهدار المزيد”، علما أنه “لو تحملنا مسؤولياتنا فشرعنا على الفور في وضع مشروع بناء صرح المغرب الكبير على السكة، وفي الاتجاه الصحيح، فسنكون في حاجة إلى عقود من الزمن، فقط لاستدراك تأخرنا، أو بالأصح تأخراتنا!”، وإلا فإن “السباحة ضد التاريخ” قد لا تبقي “ثمة أملا ولا رجاء، لا في مغرب كبير جامع، ولا في أيّ من بلداننا وساكنته مأخوذا على حدة”.

وبتصور يعلي من تقاسم الجهود والتعاون وتشارك التجارب، وإيلاء الأولوية للبنيات التحتية واللوجيستيك والتواصل، لفك العزلة عن المهمش من المناطق، وربط بلدان المغارب، وتيسير تنقل المغاربيين والبضائع والرساميل دون حواجز… “لن يبقى لنزاع الصحراء من معنى، وسيعود إلى حجمه الحقيقي كمشكل من درجة ثانوية ولاحقة”.

في هذا الحين، يتابع الكتاب: “سيصبح الرهان الحقيقي هو كيف نجعل من الصحراء الكبرى جسرا لبناء تعاون حقيقي ما بين – مغاربي أولا، ثم بين المغَارب وبلدان أخرى في إفريقيا وفي المشرق وأوروبا، وباقي بلدان العالم”.

ويقدم الكتاب نماذج عملية للاندماج، وآليات ترسيخ الانتقال نحو الاتحاد المغاربي، مع وقوفه عند عدد من العوائق السياسية والنفسية و”الادعاءات السيادية الزائفة”، وسبل “الخروج من وضعية الجمود الراهنة”، والحاجة إلى “مشروع معبّئ للمجتمع”، مع عدم إغفال أهمية المبادرة والإرادة المدنية، والبرلمانية، المغاربية، وضرورة “كسر حلقة ثقافة الخضوع والاستسلام”، المطلب الذي تمظهر في أوجه في الحراكات الاجتماعية بالمنطقة المغاربية والعربية في السنوات العشر الأخيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى