الشغب الرياضي.. خطر داهم يتخطّى أسوار الملاعب ويهدد أمن المجتمع

الجمهور هو إكسير حياة الرياضة، لا سيما رياضة كرة القدم، اللعبة الأكثر شعبية في المغرب، لكن الحب الذي يُكنه المشجعون لأنديتهم المفضلة يخرج في كثير من الأحيان عن طوره، ويتحول إلى أعمال شغب يتخللها عنف جارف يفضي إلى إزهاق أرواح وإعطاب أجسادٍ أصحابُها في ريعان الشباب، ويحفر جروحا لا تندمل في قلوب أهالي الضحايا.

منذ انتشار جائحة “كورونا” أواخر شهر مارس 2020، توقف نبض الحياة في مدرجات ملاعب كرة القدم في المغرب، لكن أحداث الشغب لم تتوقف، إذ تجاوز هذا الخطر الداهم أسوار الملاعب ومحيطَها وبات يرخي بظلاله على أمن المجتمع.

وإذا كان شغب الجمهور في السابق يندلع تزامنا مع بعض المباريات داخل الملاعب أو في محيطها، فقد صار الآن يحدث بمعزل عن السياق الكروي، إذ يعمد شبان ويافعون من أنصار الفرق الرياضية إلى تكسير زجاج السيارات وتخريب ممتلكات الغير، دون سبب يُذكر، وتعريض حياة الناس للأذى، مما جعل المتابعين يحذرون من أن تتحول هذه الآفة إلى ثقافة في أوساط الأجيال الصاعدة.

خلال الأسابيع الأخيرة أوقفت عناصر الشرطة في حملات تمشيطية مجموعات من الشباب المحسوبين على فصائل مشجعي أندية كرة القدم (الألتراس)، أقدموا على تخريب ممتلكات الغير، مع حمل السلاح الأبيض.

لكن اللافت للانتباه هو أن من بين الموقوفين في عمليات التمشيط الأمنية أطفال قاصرون. فقد أسفرت آخر عملية أمنية، نُفذت مساء يوم 20 دجنبر الجاري بمدينة سلا، عن توقيف قاصرين لا تتعدى سنّهما 16 عاما، اشتُبه بكونهما كانا ضمن مجموعة متهمة بتهشيم زجاج أربع سيارات وإحداث الفوضى بالشارع العام.

فهل تحوّل سلوك الشغب من فعل منفلت في لحظة فوران الأعصاب بسبب حماس الجمهور داخل الملاعب إلى ثقافة في أوساط الشباب واليافعين؟ وما هي الدوافع التي تدفع الشباب إلى الانخراط في أعمال الشغب؟ وما هو الحل لاستئصال هذا السرطان الزاحف قبل تمدّده أكثر في جسد المجتمع؟

في هذا الاستطلاع نضع هذه الأسئلة تحت مجهر باحثين في علم النفس وعلم الاجتماع وفاعلين في ميدان كرة القدم، ونستمع إلى شهادات أشخاص اكتووْا بلظى هذه الظاهرة، التي خلّفت عشرات الضحايا من القتلى والمعطوبين، وخلّفت جروحا غائرة في أعماق قلوب أمهات ثكالى فقدن أبناءهن في عز ريعان شبابهم.

أمهات ثكالى وضحايا ومعطوبون

في عام 2012 رُزئت السيدة أمينة في ابنها زيد. غادر الشاب ذو العشرين ربيعا بيت أسرته بمدينة تطوان نحو مدينة القنيطرة لتشجيع فريقه. انتهت المباراة بين المغرب التطواني والنادي القنيطري، غير أن زيد لم يعد إلى بيت أسرته، بعد أن أودت أعمال شغب بحياته.

حين غادر زيد رفقة رفاقه من جمهور المغرب التطواني، تعرضوا لهجوم مباغت في الطريق، أصيب على إثره إصابات بليغة أودت بحياته، وعاد إلى مدينته جثة هامدة.

“حياتي تحطمت وانقلبت رأسا على عقب، وإلى الآن ما زلت أبكي فقدان ابني، وعيناي لا تجفّان من الدموع كلما نظرت إلى صورته”، تقول السيدة أمينة، أم زايد الفايز، في حديث لLE7.ma، غير أن المصاب الجلل الذي لحقها حفّزها على الانخراط في جبهة محاربة الشغب في صفوف جماهير كرة القدم.

أنشأت السيدة أمينة منظمة سمّتها باسم ابنها المقتول غدرا، “منظمة زيد فايز العالمية للسلام والتسامح ومكافحة الشغب بالملاعب الرياضية”، وآلت على نفسها القيام بحملات تحسيسية في أوساط الشباب واليافعين، من أجل توعيتهم بخطورة الشغب، وإبعادهم عن بأسه.

وبالرغم من تسلّحها بالصبر وانخراطها في جبهة محاربة الشغب، فإن جرح فقدان ابنها لا يزال ينزف إلى اليوم، وتقول معبرة عما تمور به دواخلها: “زيد خلف في حياتي فراغا مهولا، كل يوم يُخيّل إلي أنه عاد، وأرى طيفه يخترق باب البيت. كنت أحلم أن أراه عريسا، ومنذ فقدته لم أعد أحضر الأعراس، لأنني لا أستطيع أن أتحمّل ألَم رؤية شباب في مثل عمره وقد صاروا عرسانا، وأنا لن أحتفل أبدا بعرسه الذي طالما تمنيته”.

إسماعيل إكزارن، واحد من ضحايا شغب الملاعب بالمغرب، في سنة 2019، وكان حينها في ربيعه الثامن عشر، تعرض لإصابة بليغة في الرأس نجم عنها نزيف داخلي حاد إثر أعمال شغب أعقبت مباراة في كرة القدم بين فريقي حسنية أكادير والمغرب التطواني بمدينة مراكش برسم الجولة السابعة من البطولة الاحترافية لكرة القدم.

حينها كان إسماعيل مفعما بحيويةِ ونشاط الشباب، وكان يتابع دراسته في المدرسة العليا للتكنولوجيا بمدينة أكادير، فضلا عن تحضيره لخوض مباريات بطولة المغرب في رياضة الفول كونتاكت، أما الآن “فقد انقلبت حياتي 180 درجة بسبب الشغب”، كما يقول لLE7.ma، ذلك أنه أصبح ملازما للفراش ولا يتحرك إلا بمشقّة.

ويضيف “كنت أحضّر لمستقبلي، وفجأة لم يعُد لي مستقل ولا شيء، وأريد أن أقول لكل شاب يقوم بالشغب فكّر على الأقل في أمك لأنها ستفقد عقلها إذا تعرضتَ لمكروه. فكر في أمك التي لا يهنأ بالها إلا عندما تعود إلى البيت”.

البحث عن إثارة انتباه المجتمع

يقول غوستاف لوبون، الطبيب وعالم النفس- الاجتماعي الفرنسي في كتابه الشهير “سوسيولوجيا الجماهير”، إن “ذوبان الشخصية الواعية للأفراد وتوجيه المشاعر والأفكار في اتجاه واحد يشكل الخاصية الأولى للجمهور الذي هو في طور التشكل (…) ذلك أنه يمكن لآلاف الأفراد المنفصلين عن بعضهم البعض أن يكتسبوا صفة الجمهور النفسي في لحظة ما تحت تأثير بعض الانفعالات العنيفة أو تحت تأثير حدث قومي عظيم مثلا”. لكن ما هي الدوافع أو العوامل التي تدفع الشباب والمراهقين إلى الانسلاخ عن الروح الرياضية، والانخراط في أعمال الشغب؟

يرى الدكتور مصطفى شكدالي، الباحث في علم النفس الاجتماعي، أن الفرضية الرئيسية التي يمكن بناء عليها تحليل قيام الشباب والمراهقين بأعمال الشغب هي أنهم يشعرون، من الناحية النفسية، بأنهم يمارَس عليهم نوع من الإقصاء من طرف المجتمع، ومن أجل لفت الانتباه إليهم يعمدون حين وجودهم في ملاعب كرة القدم التي تستقطب جمهورا واسعا من مختلف الفئات الاجتماعية والعمرية، إلى القيام بسلوكات “تجعلهم موضوعا لإثارة الانتباه”.

ويضيف الدكتور شكدالي، في حديث لLE7.ma، أن “الإقصاء الذي تشعر به هذه الفئة المفعمة بالاندفاع والرغبة في التعبير عن الذات وتأكيد الوجود، يتحول إلى دافع للبحث عن إثارة الانتباه، أي أن الشغب الذي يقوم به الشباب، والذي يصل في بعض الحالات إلى أعمال عنف، يحمل في طياته رسالة مضمونها الرغبة في تأكيد الذات، لا سيما من طرف المراهقين الذين يريدون إبراز وجودهم وأنْ يُروْا من طرف الآخرين، لأنهم يشعرون بأن هناك تهميشا وإقصاء يطالهم”، مبرزا أن ثمّة حاجة إلى تعميق البحث في الجانب السيكو- سوسيولوجي من أجل فهم أعمق للدوافع التي تقودهم إلى التعبير عن أنفسهم من خلال ممارسة الشغب.

من جهته، أوضح الدكتور حمزة شنيبو، أستاذ علم النفس بكلية علوم التربية بالرباط، الذي حلّل سلوكات الجمهور من خلال البراديغم النمائي، انطلاقا من دراسة التغيرات التي تحدث في السلوك، أن الشغب سلوك تحدث فيه تغيرات ليست مستقرة وثابتة، أي أن هذه التغيرات تحدث طوال حياة مرتكبي الشغب، لذلك لا بد من الابتعاد عن فكرة بحث الدوافع والنزوع نحو الشغب إلى بحث العوامل المفسرة لظهور وتطور وانطفاء سلوك الشغب، مؤكدا أن سلوك الشغب لا بد أن يمر من هذه المراحل الثلاث.

وأوضح الدكتور شنيبو، في حديث لLE7.ma، أن هناك ثلاثة معايير وصفيّة لمسار سلوك الشغب، هي “المشاركة في الشغب”، و”تردُّد الشغب وتكراره”، و”خطورة الشغب”. كما أن هناك معايير إضافية كسنّ بداية سلوك الشغب ومدة دوام الشغب وسن التوقف عنه، مبرزا أنه باستحضار هذه المعايير “نفهم أن سلوك الشغب تحكمه آليات تؤثر فيه مدى الحياة؛ لذلك نحن بحاجة إلى إجراء دراسات طولية لتتبع سلوك شغب الجمهور في الملاعب”.

وهناك أربعة مبادئ أساسية لوصف وتفسير دورةِ كل أشكال وسلوكات الشغب وتحديد آليات ظهوره وتطوره وانطفائه، حددها الدكتور شنيبو كالآتي:

1- سلوك الشغب يسير لغاية وهناك نزعة نحوه، فالشغب ليس استجابة لعوامل خارجية لم يقدر الفرد على مواجهتها، بل هناك نزعة تحكم تطور سلوك الشغب، إنه يتطور كيفما كانت الظروف الخارجية.

2 – الشرط الأول يبقى لديه تأثير، أي أن أي شيء سنقوم به فيما بعد لن يغير سلوك الشغب.

3 – هناك عشوائية لا يمكن ضبطها أو التحكم فيها مرتبطة بالشغب.

4 – هناك سلوكات تتجاذب بينها وأخرى تتنافر فيما بينها، فمثلا الشغب والتخريب نشاطان متجاذبان، لذلك فبمجرد بداية سلوك الشغب سيتكرر، وبمجرد القيام به مرة سيعيده الشاب.

المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي

وإذا كان سلوك الشغب بحاجة إلى أن يسلّط عليه مزيد من ضوء البحث الأكاديمي لفهمه بشكل جيد، فإن المقاربة التي يتم التعامل بها مع هذه الآفة من طرف السلطات ترتكز، بشكل كبير، على البُعد الأمني، غير أن هذه المقاربة وحدها ليست كافية، حسب الدكتور شكدالي، موضحا أن المقاربة الأمنية “قد تكون فعالة في إطار العمل الفوري لاحتواء أعمال الشغب وحماية الممتلكات، ولكننا إزاء سلوكات تتكرر وتتجدد، ذلك أننا نجد أنفسنا دائما أمام نداء استغاثة من الشباب والمراهقين الذين يريدون أن يصبحوا “مَرئيين””.

ويضيف أن مهمة احتواء شغب الجمهور ليست بالأمر الهين، إذ أن التحولات الكبرى التي يشهدها المجتمع المغربي، على غرار باقي المجتمعات، لا سيَما مع الطفرة الرقمية، أضعفت دور مؤسستيْ الأسرة والمدرسة في التربية، مشيرا إلى أن “هاتين المؤسستين في مغرب اليوم مغلوب على أمرهما، فلا يمكن أن تطلب من أسرة أن تقوم بدورها في التربية كما كان عليه الحال قديما، في ظل “التواصل الرقمي المفرط” الذي يجعل الشباب يقلدون بعضهم انطلاقا مما يرونه في مواقع التواصل الاجتماعي”.

هذه الخلاصة يعكسها الواقع، ففي شهر فبراير 2020، اعتقلت الشرطة بمدينة الرباط شابا يبلغ من العمر 22 عاما، إثر بثه تدوينة على موقع “فيسبوك”، تتضمن عرضا لوسائل تشجيع خاصة بفصيل (ألتراس) محسوب على أحد أندية الدرجة الأولى من البطولة الوطنية لكرة القدم، مصحوبة بصور أسلحة نارية وتعليقات تتوعد بارتكاب أعمال عنف.

وبالرغم من الصعوبة التي تواجهها الأسرة في التربية، في زمننا هذا، فإن دورَ هذه المؤسسة يبقى أساسيا لمواجهة آفة شغب الجمهور، من وجهة نظر السيدة أم زيد. وتحكي انطلاقا من تجربتها الشخصية قائلة: “قبل أن أفقد ابني كانت خطورة الشغب غائبة عني تماما؛ كنت أعطيه المال ليذهب إلى الملعب ولم أفكر أبدا في أنه قد يكون معرضا للخطر، لأنني أقضي معظم وقتي في العمل خارج البيت، ولم أكن أجد الوقت حتى لمتابعة الأخبار في وسائل الإعلام”.

وأضافت “كلنا مسؤولون، الأسرة والمدرسة والمجتمع والإعلام”، منبهة إلى أن التناول الإعلامي لهذه الآفة يشوبه قصور، “ذلك أنه لا يتم الحديث عن الشغب إلا عندما يسقط ضحايا”، على حد تعبيرها.

وانطلاقا من تجربتها في توعية الشباب واليافعين بخطورة الشغب، سواء من خلال لقاءاتها معهم في ملاعب كرة القدم أو المؤسسات التعليمية وغيرها من الفضاءات، ترى أم زيد أن المَدخل الأساس لإقناعهم يبدأ بإتقان التواصل معهم، وإحضار أشخاص من ذوي الضحايا الذين ماتوا، أو الضحايا الذين أصيبوا بعاهات، ليرووا قصصهم الواقعية، مشيرة إلى أن هذا النهج يُثمر نتائج جيدة ويؤثر في الفئة المستهدَفة.

مَن المسؤول؟

عندما تحدث أعمال شغب الجمهور غالبا ما توجه أصابع الاتهام إلى الفصائل (الألتراس) المساندة لأندية كرة القدم، التي بدأ ظهورها في المغرب في أكتوبر 2005، وبدأت تكبر شيئا فشيئا حتى صارت معروفة على الصعيد العالمي، غير أن يوسف الشعبي، العضو المؤسس لـ”إلترا عسكري”، وهو الفصيل المساند لفريق الجيش الملكي، يرفض تحميل الفصائل كامل المسؤولية عن الشغب في ملاعب كرة القدم.

يقول الشعبي في حديث لLE7.ma: “حين وُلدت الفصائل المساندة لأندية كرة القدم في المغرب لم تحتضنّها أي جهة أو مؤسسة رسمية، حتى كبرت هذه الفصائل وأصبح لها صدى خارج البلاد، آنذاك انتبهت إليها المؤسسات وبدأت تهتم بها، كآلية لتسويق صورة كرة القدم المغربية في الخارج، أي أن هذا الاهتمام كان فقط بغرض التسويق وليس الاحتضان أو التأطير”.

ويضيف الشعبي أن الفصائل المساندة لأندية كرة القدم “بدأت مُسالِمة حين كانت صغيرة، وعندما كبُرت اصطدمت مع السلطة لأول مرة بعد إقرار القانون رقم 09.09 المتعلق بمكافحة العنف المرتكب أثناء المباريات والتظاهرات الرياضية، في سنة 2011، والذي لم يتم وضعه بناء على مقاربة تشاركية مع الفصائل، وهذا غلط كانت له تبعات سلبية”.

وفيما يتزايد خطر شغب الجمهور الرياضي وينفلت من السيطرة، يرى الشعبي أن تأطير مجموعات “الألتراس” حاليا أصبح صعبا جدا، لأن الفصائل كبرت وتوسّع انتشارها وصارت توجد حتى بالمدن الصغيرة، بعد أن كانت متمركزة بالمدن الكبرى، مضيفا “الذي قاد جيلي إلى ملاعب كرة القدم هو حب الفريق، أما الأجيال الجديدة فقد قلَبت المفاهيم، ويمكن أن يكون الفريق منتصرا ويقوم جمهوره بأعمال الشغب”.

ويرى الشعبي، الذي يجر خلفه خبرة في شؤون جمهور كرة القدم تمتد إلى خمس وعشرين سنة، أن هناك سببا مهما يوسّع الهوة بين الفصائل المساندة لفرق كرة القدم والحكومة، وهو شعور الجيل الحالي من الشباب المنتمين إلى هذه الفصائل بـ”الظلم”، وهو ما أدّى إلى بروز خطاب جديد على مدرجات ملاعب كرة القدم يمتح من قاموس “المظلومية”، حيث أصبحت الشعارات لا تخلو من مطالب سياسية واجتماعية واقتصادية.

وأضاف أن الشباب من مشجعي كرة القدم لا يجدون أمامهم متنفسا آخر غير الانخراط في الفصائل المساندة للفرق للتعبير عن مكنوناتهم، في غياب فضاءات أخرى مثل دُور الشباب، مشددا على رفض تحميل الفصائل كل المسؤولية عن الشغب بقوله: “حين نناقش هذه الظاهرة يجب أن نناقشها من داخل المنظومة المجتمعية ككل، وعدم تجاهل أن مجتمعنا ذو طابع عنيف”.

وانتقد الشعبي بثّ برامجَ تقدّم تفاصيل عن ارتكاب الأعمال الإجرامية على القنوات التلفزيونية الوطنية، لأن ذلك، من وجهة نظره، يحفّز الشباب على العنف، مضيفا أن “مجموعات الألتراس يتم تحميلها ما لا طاقة لها به، فهي لا تستطيع أن تؤطر كل الشباب الذين يذهبون إلى ملاعب كرة القدم، وعلى الحكومة أن تتحمل مسؤوليتها وتوفر فضاءات لتأطير هؤلاء الشباب”.

ما الحل؟

إذا كانت آفة الشغب واقعا لا يمكن تجاهله وتزكّيه أعداد القتلى والجرحى والمعطوبين الذين خلّفتهم هذه الآفة، فإن السؤال الذي بات يطرح نفسه هو: هل سيتحول الشغب إلى ظاهرة مجتمعية ويصير ثقافة لدى الشباب، ومن ثم يتمدد في أوصال المجتمع وتزداد خطورته؟

جوابا عن هذا السؤال يقول الدكتور حمزة شنيبو إن تجاوز أعمال الشغب أسوار ملاعب كرة القدم ناجم عن كون هذا السلوك “يبدأ لدى الشاب مع توالي المباريات، ومع تكراره يصبح سلوكا لولبيا، ثم يتحول ليصير دوريا، أي أنه يتكرر في كل مباراة ليتحول فيما بعد إلى حركة دورانية فوضوية، فيبحث عن أماكن أخرى خارج المعتاد”.

ويرى الدكتور مصطفى شكدالي، من جهته، أن ارتكاب أعمال الشغب خارج أسوار ملاعب كرة القدم حتى مع إغلاقها في وجه الجمهور بسبب جائحة “كورونا”، يؤكد فرضية أن الشباب، لا سيما المراهقين، يبحثون عن أن يكونوا “مَرْئيين” من طرف المجتمع، ولو عن طريق ارتكاب أعمال عنف، من أجل إثارة انتباه الآخرين.

ويزيد موضحا “تأثير الجماعة على الفرد يمكن أن يُوصل إلى سلوكات ليست من طباعه، فحينما ينتمي الفرد إلى حشد، فهذا يضفي على سلوكه طابع الهيجان، وهذا ما يفسر أن الشباب بهذه الطريقة يريد أن يصير موضع اهتمام حتى وإن كانت العواقب وخيمة، أي أنه بهذا الفعل يوجه نداء استغاثة إلى المجتمع”.

وإذا كان غوستاف لوبون قد خلُص، في كتابه “سيكولوجية الجماهير”، إلى أن “نفسية الجماهير تبين لنا إلى أي مدى يكون تأثير القوانين والمؤسسات ضعيفا على طبيعتها الغرائزية العنيفة، كما تبين لنا إلى أي مدى تبدو عاجزة عن تشكيل رأي شخصي ما عدا الآراء التي لقنت لها أو أوحيت إليها من قبل الآخرين”، فإن الواقع يؤكد هذا الطرح.

فرغم أن القانون 09.09، الذي دخل حيز التنفيذ منذ سنة 2011، نص على عقوبات تتراوح بين سنة وخمس سنوات سجنا، وغرامة مالية من 1200 درهم إلى 20 ألف درهم، فإن أعمال الشغب لم تتوقف، بل أسقطت قتلى ومعطوبين، من بينهم زيد الفايز وإسماعيل إكازارن، كما أن الخبراء والفاعلين الذين تحدثنا إليهم أكدوا بدورهم أن آلة الردع والعقاب وحدها لا تكفي.

تقول أم زيد الفايز: “أنا مع تطبيق القانون، ولكن علينا أن نفكّر في مدى جدوى مقتضياته، فعندما نحكم على شاب بالسجن فقد يخرج منه مجرما عوض أن يُهذّب سلوكه، لذلك أفضل أن يُعاقب المتورطون في أعمال الشغب بغرامات مالية، لأن هذه العقوبة أقل كلفة على المجتمع، مع إعادة تأهيلهم”.

في المنحى ذاته يقول الدكتور حمزة شنيبو إن الحل لاحتواء ظاهرة شغب الجمهور “ينبغي أن يبدأ بشكل فوري في التتبع النمائي لسلوك الشغب من خلال دراسات طولية تقربنا لميكانيزمات تشكّل سلوك الشغب وتطوره، وإذا توفرت هذه الدراسات فإنها ستسمح لنا بتبني أنظمة التدخل المبكر واعتماد التربية النفسية وتعزيز السلوكات الصحية، وإحداث مركز لتتبع الظاهرة، وتفعيل الشراكة بين القطاعات المعنية بالشباب وجامعة كرة القدم، لأن الجامعة اليوم قادرة على تقديم إجابات لمختلف الظواهر والقضايا، والحرص على خلق تكوينات تساهم في إذكاء الوعي حول سلوك الشغب”.

ويرى الدكتور مصطفى شكدالي أن الثقافة هي المدخل الأساس لاحتواء شغب الجمهور، قائلا: “هناك ملاعب القرْب، ولكن ليست هناك ثقافة القرب، أي أنه ليست هناك مراكز ثقافية ودُور شباب تشتغل كما كان عليه الحال في الماضي، أي أن تتيح للشاب أو المراهق مجالا للتعبير عن ذاته بطريقة صحيحة، عن طريق الفن والمسرح والرسم والكتابة والأغاني”. وأضاف “هذا مفقود في مدننا، وآن الأوان لنخلق في أحيائنا ثقافة القرب بمعناها الواسع للخروج من الطاقة السلبية نحو طاقة إيجابية تساهم في بناء المجتمع، ويخرج هؤلاء الشباب والمراهقون من دائرة الشعور بالإقصاء”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى