زمن “التغريدات”.. من “الضيق الافتراضي” إلى رحابة الأرض وسعة الكلام

كثيرا ما يجلس المرء لينظر بعين الذاكرة حين يستعصي عليه فهم ظواهر الواقع المعقدة. ولقد وجدتني، وأنا أتأمل في حال عالمنا الثقافي اليوم، أتذكر معان بعيدة الغور انحبكت في خاطري أثناء لحظات جمعتني بِـ « الجَدَّة راينكة » ( Oma Reinecke )، وهي حكيمة ألمانية أنفقت عمرها في البحث عما يُقرّب بين الناس، على اختلاف مشاربهم وأديانهم وأجناسهم. أذكر كيف استوقفتني ذات صباح وهي تشير بعصاها إلى شحرور استرسل في الغناء على غصن شجرة: « آه كم هو جميل صوت الشحرور! » ( Die Amsel ). وأذكر كيف استوقفتني مرة ثانية، في مناسبة أخرى، وهي تنحني لتستنشق عطر الليلك، تقول: « كم هي زكية رائحة الليلك! » ( Flieder ). وأذكر كيف طلبت مني، وأنا أستصحبها لقضاء بعض أمورها الإدارية، أن أوقف السيارة على جانب الطريق، حتى إذا فَعَلْت، قالت: « أريد أن أملأ عيني بمنظر أشجار التفاح المُزهرة، ذلك أنني كل سنة أراها تُزهر يقِلُّ رجائي في أن يطول بي العمر لأراها السنة المقبلة”.

لا تزال ذكرى لقائي بهذه المرأة الفاضلة تحرك معان وقعت في نفسي موقعا عميقا. ما زلت أرى في التفاتها إلى صوت الشحرور ورائحة الليلك ومنظر أشجار التفاح المزهرة شيئا مما يكون من الإنسان حين تتقدم به السن، يزيده دنوه من الموت اشتياقا إلى عالم حسي كثيرا ما تغبى عنه النفوس الساهية وهي في «غفلة العقل»، يُعميها النظر في البعيد الغامض عن رؤية القريب الواضح الجميل. فمع الشعور بضيق مساحة الحياة، تزداد حاجة الإنسان إلى تكثيف إحساسه بالوجود، فتراه يشيح بوجهه عن التفاهات، كي يلتفت إلى الأساسيات كما تتجلي في المحسوسات ومظاهر الوجود الطبيعية من حوله.

إن الالتفات إلى الطبيعة بحثا عن الأساسيات التي يتجلى معها «جوهر الوجود» هو ما دفع الشاعر-المفكر كينث وايث إلى الخلوة في منطقة «الأرديش » ( Ardèche ) في جنوب فرنسا، ليكتب «رسائل من غورغونيل » (Letters from Gourgounel)، وهو عمل أدبي يحاول صاحبه أن يجد في تفاصيل الحياة الطبيعية الصغيرة مُنفَسحا للبصر، بعيدا عن ألوان المدينة الزائفة، ومُنسَرحا للنفس، بعيدا عن مضايق الخطاب المجتمعي وضحالته. نجد في هذا العمل وفي سلسلة الأعمال الغزيرة التي ستليه دعوة إلى تجديد العلاقة بالأرض قصد تجديد العلاقة بالكلام. ويصدر كينث وايث في دعوته هذه من شعور راسخ بأن الخطاب الإعلامي، والسياسي، والفني، والديني، والعلمي المهيمن هو خطاب مجتثّ من فوق الأرض، إذا لم يُدخل العقل في متاهات عوالم ذاتية غامضة، فهو لا يسعفه في تمثل الوجود في بساطته المبهرة وأصالته المذهلة.

ومما يشبه هذه الدعوة إلى « الجيو-شاعرية » ( Geopoetics )، أي إلى ترسيخ الوعي بالعلاقة بين الأرض واللغة، دعوة الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر ( Martin Heidegger ) إلى شد الرحال بحثا عن الكلام، حيث كتب كتابه الشهير «على الطريق نحو اللغة / الكلام » ( Unterwegs zur Sprache )، قاصدا تنبيه معاصريه إلى ضرورة الخروج من ألفي سنة من التفلسف الذي لم يفض إلا إلى ضرب من « الثغثغة » ( Das Geplapper )، باتجاه أفق فكري رحب، يتخلص معه الإنسان من شعوره بالتباس معاني الوجود ومن إحساسه بالاغتراب في الكون.

حين نفكر في واقعنا اليوم، يلوح لنا أننا على درجة أعلى من الالتباس والاغتراب؛ وكيف لا نشعر بالتباس معاني الوجود ولا نحس بالاغتراب في الكون وقد خرجنا من زمن «الثغثغة» الفلسفية إلى زمن « تغريدات » ( Twitters) تحول معها الفكر إلى مجرد تعليق مسترسل على الأحداث اليومية! فمع الانسياق وراء هذا الضرب من الاسترسال في التعليق حول الخبر اليومي يتحول الإنسان إلى مجرد كائن سياسي مبتور من أبعاد كينونته الأخرى، مفصول عن العالم الشاسع موطن وجوده الأصلي.

حين نمعن النظر في أحوال الفكر والعلم والمعرفة في واقعنا الثقافي اليوم، نجد أننا نخرج من سطوة «الثغثغة الفلسفية» إلى طور تَسلُّط «التغريدة التكنولوجية». صحيح أن التغريد يحيل إلى السهولة والمرح، أكثر من الثغثغة التي تحيل إلى الصعوبة والانقباض.. وصحيح أيضا أن وسائل التكنولوجية المتوفرة وسّعت مجال التعبير والتوصيل، حتى صار بمقدور الجميع، القارئ والأمي، والعالم والذي لا يعلم على حد سواء، التعبير عن ذواتهم، وعن خواطرهم، وعن تصوراتهم، وعن آرائهم دون قيد أو حرج؛ غير أن هذا اليُسر في التعبير والتوصيل يلازمه عُسْر حين يتعلق الأمر بالحفاظ على الفضاء العمومي المشترك، الضامن للتماسك الثقافي والمعرفي والعلمي.

صحيح أن الخطاب الفلسفي لم يكن على امتداد القرون السابقة خطابا مستساغا من كافة شرائح المجتمع؛ بل كان خطابا موجها إلى النخب المتعلمة، بل للصفوة من هذه النخب. لكن نظرة ولو وجيزة في تاريخ الفكر على امتداد القرن العشرين تثبت لنا بما لا يدع مجالا للشك كيف كانت المدارس الفلسفية تجد امتدادا لها في الأوساط الحزبية وبين حشود الطلبة، وكيف كانت هذه الأوساط وهذه الحشود بدورها تجتهد من أجل إيجاد قنوات لتصريف الوعي الفكري قصد تحريك المجتمع وتغييره وتثويره. فبالرغم من كل أوجه الاعتراض على هذا الخطاب الفلسفي أو ذاك، يمكن الجزم بأن حظ الفلسفة والفكر من تأطير المجتمع كان حظا وفيرا.

هذا ما تُعبِّر عنه، على سبيل المثال، مشاريع النهوض التي شهدتها ساحة السجال الإيديولوجي في الوطن العربي على امتداد القرن العشرين. فأصحاب هذه المشاريع الفكرية، على اختلاف مشاربهم الفلسفية وتنوع قناعاتهم الفكرية، كانوا، في نهاية المطاف، يعتمدون «أشكالا بلاغية» مختلفة لتوصيل أفكارهم ومواقفهم من التراث والحداثة والدين والعلمانية والنهوض الحضاري والاستبداد السياسي، بغرض حشد غالبية المجتمع والدعوة للفكرة التي يرونها الأجدر بقيادة التغيير؛ إلا أن هذه المشاريع الفكرية قد طالها النقد ولحقها التفكيك، فصار يُنظر إليها على أنها مشاريع شمولية، تريد أن تفسر تفسيرا مُفحِما مُلزما أسباب السقوط وتُعيِّن سبل النهوض، وعلى أن شموليتها من جنس شمولية الاستبداد السياسي الذي لا يقبل الاختلاف في الرأي ويأبى أن يرى الآخرون غير ما يراه هو. والأصل أن المؤَمّل من تفكيك هذه المشاريع الفكرية الفلسفية كان هو الخروج من مضايق بلاغة قهرية تستعبد عقل الإنسان وتحشره في زاوية البعد الواحد، باتجاه بلاغة جديدة تعيد له الإحساس بالانتماء إلى الكون الفسيح عوض الزج به في خندق النسق العقلي الضيق.

غير أن الذي وقع هو أن الإنسان ما كاد يسعد بالتخلص من ثقل بلاغة الاستبداد الفكري الفلسفي، حتى صار يشقى بخفة الفكر وقصر النظر وضحالة العقل. وأصبحت التفاهة تطفو مثلما تطفو قشات التبن على سطح الماء لتخفي اللؤلؤ المكنون في القاع.

يقول روجي غارودي، متحدثا عن غرق المشروع الفلسفي في القرن التاسع عشر، إن الخطاب الفلسفي قد انقسم إلى ثلاثة أقسام، قسم أول يمثله «كيركجارد» اللاهوتي وأتباعه، وقسم ثان يمثله «ماركس» الثائر وأتباعه، ثم قسم ثالث يمثله «نيتشه» الشاعر وأتباعه. ويروم غارودي من وراء هذا القول التأكيد على أن العقل قد أصبح بعد هذا الغرق موزع الميول تتجاذبه نوازع الدين والثورة والشعر، الأمر الذي صار يشعر معه الإنسان بالتشظي والانشطار. لكن ليت الأمور وقفت عند هذا الحد؛ بل إن الوضع قد استفحل حتى صار العقل الإنساني في زماننا عرضة لمضامين فارغة من كل محتوى فكري، يصنعها « مؤثرون » فيحشدون لها الملايين من الأتباع.

حين نطيل الفكر في مظاهر التواصل الاجتماعي اليوم، نجد أن الوسائل التكنولوجية قد قامت بتحرير الفكرة من ربقة الفكر. فبعد أن كانت الفكرة تستقي قوتها من إحالتها على الوحي والغيب، كما كان عليه الأمر في زمن النبوة؛ وبعد أن كانت الفكرة تستقي تماسكها من العقل، كما كان شأنها في زمن الفلسفة؛ أصبحنا اليوم، ونحن ندخل الزمن التكنولوجي، أمام ضرب من المساواة بين الأفكار، بحيث أصبحت كل فكرة، مهما كانت وضيعة، تطير في الآفاق بفضل الأداة التكنولوجية، فيلهج بها الناس وتؤثر في مجرى حياتهم. وكأننا بالفكر قد أصبح يستمد مصداقيته وقوته من هذه الأداة، لا من غيب يُنبِّه عليه، ولا من عقل يُشير إليه. يمكننا القول أن الأداة التكنولوجية أجهزت على الفكر ووضعت حدا لخبرة المفكر ودوره في تأطير المجتمع ورعاية «الحقيقة» التي يستنير بها والأفق الذي يسعى إليه.

لا عجب في أن يُنظِّر بعظُهم فيقول بأن التكنولوجية قد دخلت في صراع مع الديمقراطية وأصبحت تستحوذ على مقاليد السلطة عوضا عن المؤسسات التقليدية. فالواقع أن ما يذهب إليه أصحاب هذه النظريات لا يخلو من صواب. لقد أجهزت التكنولوجية بالفعل على كل المنظومات، ومنها المنظومة الدينية والسياسية والفكرية والعلمية، وأصبحت تستفرد بالإنسان، تخاطب ذاكرته وتغازل عاطفته لتحركه كي يصير كائنا مستهلكا لا غير.

صحيح أن المنظومة التكنولوجية تساهم في تقويض بنى الاستبداد التقليدية؛ وهذا يعد ضمن قائمة حسناتها. لكنها منظومة لا تسعف في بناء تكتلات كبرى يمكنها أن تؤسس لقوة بعيدا عن قوتها، بل تُمَكِّن من بناء ضروب مائعة من السلطة، لا تكاد تستوي على سيقانها حتى تسقط.

لسنا نبتعد عن الحقيقة حين نقول إن التكنولوجية صارت تدخل في حكم من يَسلُب أكثر مما يَمنح. ونحسَب أن أكثر ما تسلبنا إياه وسائل التواصل الاجتماعي التي توّفرها هذه التكنولوجية هو الشعور بالانتماء إلى الأرض والعالم؛ ذلك أن مع انفتاح فضاءات افتراضية مكّنت من تجاوز حدود عالم الجغرافية الحسي، لم يعد الإنسان يعنى بشيء قدر عنايته بإثبات ذاته عبر التواصل، يُخيّل إليه أنه على صلة بجميع العالمين؛ فقد أصبح الكل يُحدث الكل، والجميع يخاطب الجميع، الأمر الذي أدى إلى اكتظاظ الفضاء العقلي والثقافي بضروب من القول هي أقرب إلى الخلط والهذيان، منها إلى ثقافة البيان وسمو الكلام، ذلك أن فيها إحالة على عوالم إنسانية، عوالم ذاتية مفصولة عن العالم الذي هو مصدر العِلم والتعلّم.

يقول كينث وايث في إحدى قصائده التي ضمنها ديوانه «نزهة على طول الشاطئ » ( A Walk Along the Shore ) ما معناه أن «من يعرف صخرة واحدة، في خصائصها وعلاقتها مع البحر والسماء، لعله خليق بالتحدث إلى آدمي آخر، أكثر من غيره من يعش أبد الدهر ويَذبُل وسط مدينة مزدحمة لا تُعلّمه جواهر الأشياء». كأننا به يشترط علاقة خاصة بالطبيعة، قوامها التأمل في الأشياء وفي علاقتها ببعضها البعض، قبل الشروع في الكلام. وهو بهذا يذكرنا بحقيقة طالما ننساها ونحن في فضاء التواصل الإنساني المزدحم، ألا وهي أن مصدر العلم والتعليم والتعلّم هو العالم. فالمعلِّم، كما نفيد من لفظة ( Enseignant ) الفرنسية، هو من يحسن القيام بـ «تشفير العالم في علامات » ( mettre en signe ) قبل تمريرها إلى الآخرين.

لما اندلعت الحرب العالمية الثانية، وجد ألبير كامي نفسه وحيدا يتأمل في أصول الخطاب الفكري الفلسفي الغربي، فانتهى به الأمر إلى قناعة مفادها أن تاريخ العقل الغربي هو عبارة عن سلسلة من المحاولات لإيجاد عوالم بديلة عن العالم المعطى. ولعل ما ذهب إليه ألبير كامي يُعزِّزه ما يحصل اليوم أمام أعيننا، حيث أصبحت همم أصحاب التكنولوجية مصروفة إلى تمكين الإنسان من دخول عوالم افتراضية والتفاعل مع «واقع مدمج»، يوهم العقل بإمكان الوجود في عوالم أخرى تؤثثها الأداة التكنولوجية. هذا الواقع المدمج، على أهمية تطبيقاته العملية، سواء في مجالات التعلّم أو الصناعة أو الإدارة أو التسويق، لن يزيد الإنسان إلى اغترابا في الواقع الكوني، إذا لم يكن مشفوعا بحس شعري قوي، وبوعي فكري راسخ أساسه الاعتقاد في أن موطن الكائن الحقيقي هو العالم المعطى، وليس عوالم بديلة.

إن التكنولوجية التي تتحكم في رسم معالم واقعنا التواصلي اليوم لن تكون مجدية إلا إذا قامت على قاعدة فكرية ترى في الابتكار التكنولوجي وسيلة لرفع العوائق التي تعيق تواصل الإنسان مع العالم الطبيعي. ومعنى هذا أن أهم سؤال يجب أن يصدر عنه العقل التكنولوجي هو في جوهره سؤال «العمران» وفق المصطلح الخلدوني، أي: «كيف نُعَمِّر الأرض؟»، كيف نسكنها بطريقة ذكية؛؟ وليس سؤال تغيير، أي: «كيف نُغيّر الأرض؟». إن السؤال الثاني ينتج لنا خطابا فكريا ومنظومة تكنولوجية لا يأبهان بالمخاطر الناجمة عن اختلال علاقة الإنسان بالأرض، موطن الحياة والوجود.

يحكي الشاعر الأمريكي والت ويتمان في قصيدته الرائعة «البداية من باومانوك » ( Starting from Paumanok ) عن رحلة أخرجته من عوالم الإنسان المكتظة وشوارع المدن المزدحمة لتدخله عالم التأمل فتوقظ وعيه بالأنهار المتدفقة، وبقطعان الجاموس ترعى في السهول، وبأنواع من الطيور، وبالأرض والصخور وأزهار الشهر الخامس، وبالنجوم والمطر والثلج، ليفضي به الأمر في النهاية إلى التلفظ بلفظة (My amaze)، دلالة على دخوله حالة من حالات التسبيح. لعل إحدى وظائف الحس الشعري المهمة تكمن في القدرة على تنبيه الإنسان، هذا الكائن البياني، إلى أبعاد تخفى عنه وهو في زحمة التواصل الذي لا ينقطع وتحت تأثير الأدوات التكنولوجية المحيطة به من كل مكان.

كل أدوات التواصل الاجتماعي المبتكرة، وكل الوسائل المتوفرة للخروج من الواقع الطبيعي ودخول الواقع المدمج، لن تساوي في الوجود شيئا مقارنة بلحظة يقظة أمام صوت شحرور، أو رائحة الليلك، أو منظر شجرة تفاح مزهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى