اقتصاد المغرب في سنة 2021.. انتعاش وشكوك في مواجهة “أوميكرون”

يتجه المغرب لينهي سنة 2021 بنمو متوقع بأكثر من 6 في المائة، ليعوض بذلك ما خسره سنة 2020، حين سجل أول ركود اقتصادي له منذ عقود بسبب جائحة فيروس كورونا المستجد.

وكغيره من دول العالم، بدأ المغرب يحقق الانتعاش تدريجياً ابتداءً من الربع الثاني من السنة الجارية، بعدما تم فتح الحدود بشكل أكبر وتم تلقيح نسبة مهمة من الساكنة المستهدفة، ما جعل النشاط الاقتصادي يعود نسبياً.

لكن قطاع السياحة والقطاعات الفرعية المرتبطة مازالت تكتوي بنار الأزمة، إذ دفع متحور أوميكرون السلطات المغربية إلى إغلاق الحدود مع نهاية السنة، ما عمق أزمة القطاع وأخر تعافيه المتوقع لسنوات أطول.

تضرر السياحة

بسبب تضرر السياحة، أقرت الحكومة دعماً للعاملين في القطاع قدره 2000 درهم شهرياً لدعم صمود المقاولات أمام إغلاق الحدود الذي أبعد السياح الأجانب عن الفنادق والمنتجعات مع أعياد الميلاد.

وإذا كانت الحكومة تعول على السياحة الداخلية لتعويض الضرر نسبياً، إلا أن هذا الرهان يبقى بعيد المنال، على اعتبار أن نسبة قليلة من المغاربة هي التي تتجه نحو الفنادق المصنفة بسبب ضعف القدرة الشرائية.

وتمثل السياحة الداخلية اليوم أزيد من 30 في المائة من حجم ليالي المبيت، فيما يؤكد المهنيون أنه مهما كانت العروض التي يمكن تقديمها فلن تحل السياحة الداخلية محل السياحة الدولية، خاصة أن أغلب المواطنين تضرروا من الجائحة.

ورغم نسبة النمو المتوقعة نهاية السنة الجارية فإن الناتج الداخلي الخام للمغرب سيعود سنة 2021 إلى مستوى 2019 بنسبة 99.5 في المائة، ما يعني أنه نمو استدراكي فقط لما تم فقدانه السنة الماضية.

لا يقين مع أوميكرون

كانت المؤشرات تتجه نحو الأخضر في دول العالم والمغرب أيضاً مع عودة الحركة الدولية إلى الانتعاش تدريجياً، واستعادة ثقة السياح الدوليين للسفر خارج بلدانهم، لكن ظهر متحور أوميكرون ففرض اللايقين المستمر.

ومع ظهور أولى الحالات في جنوب إفريقيا، انتشر القلق في ربوع العالم، وبدأت الإغلاقات تعود من جديد؛ وقررت إثر ذلك المملكة المغربية إغلاق الحدود الجوية والبرية منذ نونبر الماضي وإلى غاية نهاية يناير 2022.

لقد تسبب الإغلاق في إعاقة انتعاش عدد من الأنشطة السياحية والاقتصادية والثقافية، وعاد الشك واليقظة إلى طاولة عدد من الحكومات التي تسارع اليوم إلى تشديد الإجراءات الاحترازية لكبح جماح موجة جديدة من المتحور الذي ينتشر بسرعة أكبر من المتحورات الأخرى.

أمام اللايقين المستمر، يؤكد عدد من الخبراء الاقتصاديين على ضرورة التعامل مع الأزمة بشكل منهجي استشرافي، والانتقال من سياسة إحصاء الخسائر التي تكرس الضبابية والارتباك الشك إلى سياسة التعايش المستمر مع الفيروس.

ندوب الجائحة

يمضي العالم إلى استقبال رأس السنة الجديدة بإجراءات احترازية قوضت خطط السفر وجعلت الاقتصاديات تعيش عدم يقين مستمر، لكن التوقعات تشير إلى انتعاش أفضل سنة 2022 مع تحقق تلقيح أكبر عدد من الأشخاص، وتحسين تدبير متحور أوميكرون.

وفي المغرب، يتوقع خبراء صندوق النقد الدولي أن يستمر التعافي الاقتصادي على مدار السنوات القليلة القادمة، لكن الجائحة ستترك وراءها بعض الندوب التي تجب معالجتها باستمرار.

وتشير توقعات المؤسسة المالية الدولية إلى أن النمو الاقتصادي في المغرب سيحقق سنة 2022 حوالي 3 في المائة، في ظل عودة الإنتاج الفلاحي إلى مستوياته المتوسطة واستمرار تعافي النشاط غير الزراعي.

أما البنك المركزي المغربي فيتوقع تحقيق نسبة نمو بـ2.9 في المائة سنة 2022، و3.4 في المائة سنة 2023، بناء على فرضية تحقيق محصول زراعي متوسط يناهز 75 مليون قنطار سنوياً.

ورغم إنهاء المغرب سنة 2021 باحتياطيات دولية أقوى بكثير فإن الآفاق تبقى عُرضة لعدم اليقين، مع اعتماد كثير من المخاطر على ما تؤول إليه الجائحة. ويبقى التنفيذ السريع والفعال للإصلاحات الهيكلية السبيل الأمثل لرفع النمو على المدى المتوسط.

ومع استمرار التداعيات، يحتاج المغرب دائماً إلى هوامش مالية للتحرك ضد كل المخاطر وتعزيز صلابة الاقتصاد أمام الصدمات في المستقبل، وهو ما يفرض تخفيض عجز المالية العامة وجعل نسبة الدين إلى إجمالي الناتج المحلي أقرب إلى مستويات ما قبل الجائحة على المدى المتوسط.

ويوصي خبراء صندوق النقد الدولي السلطات المغربية بضرورة إجراء تغييرات في النظام الضريبي لزيادة مستوى التغطية، وإقرار التصاعدية لتحقيق موارد إضافية، ومواصلة الجهود لترشيد الإنفاق العام والوصول به إلى المستوى الأمثل.

تأثير متباين ودروس مهمة

يوضح محمد شيكر، رئيس مركز الدراسات والأبحاث “عزيز بلال”، أن المغرب بدأ يحقق انتعاشاً اقتصادياً، مشيرا إلى أن “النمو يسجل ارتفاعاً كبيراً بعد سنة من الركود، ما يعني أن نسبة 6 في المائة التي سيحققها المغرب نهاية سنة 2021 طبيعية لأنها ستعوض السنة التي قبلها”.

وذكر شيكر، في حديث لLE7.ma، أن “جائحة فيروس كورونا أثرت بشكل متباين على عدد من القطاعات، فهناك قطاعات استفادت من الأزمة مثل الصناعات الغذائية والخدمات مثل التوزيع، وأخرى تضررت مثل السياحة والنقل، لأن أنشطتهما مرتبطة بالإنسان مباشرة”.

وتبقى الأمور الاجتماعية الأهم بالنسبة إلى الخبير الاقتصادي ذاته، إذ قال: “الجائحة بينت هشاشة ثلثي المغاربة، وأثبتت أهمية الإنسان، لذلك يبقى سؤال الانتعاش مرتبطا بالإنسان من ناحية التشغيل والحماية الاجتماعية وما إلى ذلك”.

كما يؤكد شيكر أن “الإصلاحات التي تقوم بها الدولة يجب أن تركز على الإنسان، من خلال تغيير وضعه الاجتماعي عبر برامج دعم الحماية الاجتماعية وتشجيع فرص الشغل وجودة التعليم والصحة”.

وبالنسبة إلى سنة 2022، لا يعتقد رئيس مركز الدراسات والأبحاث “عزيز بلال” أن يبقى فيروس كورونا المستجد ذا أهمية كبيرة، مورداً في هذا الصدد أن “المتحورات غالباً ما تكون أقل خطورة من الفيروس الأصلي، ويبقى الأهم هو استخلاص الدروس”.

تهديدات عديدة النمو

يمثل متحور أوميكرون واحداً من ثلاثة تهديدات تقف أمام النمو الاقتصادي العالمي سنة 2022، إلى جانب تشديد السياسة النقدية الأميركية والنمو البطيء في الصين، وفق تقرير للمجلة البريطانية “إيكونوميست”.

ويجمع عدد من الخبراء عبر العالم على أن المخاطر المتوقعة في 2022 مرتبطة بمدى قدرة البنوك المركزية على التحكم في الاقتصاد العالمي وأسواق المال، في ظل استمرار نسب التضخم في الارتفاع.

كما تبرز تحديات أخرى أمام دول العالم، ومن بينها المغرب، ترتبط أساساً بزيادة نسب الحاصلين على اللقاحات، التي بلغت في الدول المتقدمة أكثر من 60 في المائة، بينما مازالت بنسب أقل في دول أخرى.

ويواجه المغرب في هذا الصدد تحدي الإقبال على الجرعة الثالثة المعززة للمناعة أمام متحورات فيروس كورونا المستجد، إذ مازال الشك يمنع عددا من المواطنين من الذهاب إلى مراكز التلقيح، رغم الدعوات والحملات التحسيسية أملاً في تحقيق مناعة جماعية.

كما يبقى تنزيل خطة الانتعاش الاقتصادي أمراً بالغ الأهمية بالنسبة للمغرب، خصوصاً إعادة هيكلة المؤسسات والمقاولات العمومية، وتحسين سياسة تمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة في القطاع الخاص من خطط تسييرية أكبر ومواكبة أمثل لحاملي المشاريع الشباب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى