هذه ملامح نوستالجيا الأوطان القديمة في السينما الإسرائيلية الجديدة

نشتغل في هذه الورقة على ثلاثة أفلام، من الموجة الجديدة في السينما الوثائقية الإسرائيلية، التي تعالج إشكالية الهوية، وعلاقة الإسرائيليين بأوطانهم القديمة. كما تتأمل، بكيفية نقدية، الوعي الذاتي لدى صانعي هذه الأفلام. وسنعتمد بالأساس على مقال لـ عوفير أشكنازي (. Ofer Ashkenazi (2014) « Homecoming as a dead end: place and displacement in the new Israeli documentary film »)، يتابع الإشكالية من خلال ثلاثة أفلام وثائقية طويلة: [فيلم “الشقة”– فيلم “رابطة دموية”– فيلم “شظايا”].

تنخرط هذه الأفلام، لدى الباحث، في الدور المزدوج للسينما الإسرائيلية الجديدة؛ فهي، من جهة، وسيلة لعرض مفاهيم مختلفة للهوية؛ وهي، من جهة ثانية، وسيط يقرب بين التصورات الذاتية داخل المجتمع الإسرائيلي المنقسم. على اعتبار أن الهوية دائمة الحركة، وليست وحدة وتماثلا طبيعيا ثابتا.

من هنا، تركز الأفلام المدروسة على الحكايات الشخصية الذاتية، وعلى التوترات، التي تميز الخطاب الهوياتي الإسرائيلي، وتنتشر في الثقافة الإسرائيلية المعاصرة.

من هذا المنظور يقارب الباحث أزمة الهوية، مقارنا بين الأفلام الثلاثة ومتنقلا بينها بنوع من التوازي والتداخل. تجاوزا لهذه المقاربة التي تعتمد على الذهاب والإياب، سنعمل على عزل الأفلام، ونعيد بناء الإشكالية بالوقوف عند كل فيلم على حدة.

فيلم الشقة (2011) the flat، إخراج Arnon Goldfinger

يبدأ الفيلم بلقطة داخلية لشقة، مصحوبة بصوت الراوي. تتحرك الكاميرا ببطء. تعرض الأشياء المتراكمة {أثاث قديم – صور عائلية – منمنمات خزفية – كتب ألمانية قديمة}. يتحدث الراوي عن زياراته السابقة لجدته في شقتها بتل أبيب، وعن إحساسها بالغربة داخل الوطن الجديد، وارتباطها بالجذور الألمانية.

يعثر المخرج على بعض الوثائق ‘الغريبة [أكوام فواتير – بيانات بنكية – مراسلات خاصة – مقالات صحافية – رسائل]. تكشف الرسائل عن علاقة جدَّيْه مع ضابط نازي رفيع المستوى. علاقة صداقة سرية، توثقت في رحلة من برلين إلى فلسطين سنة 1933؛ ثم استمرت ما بعد الحرب، بفضل التواصل المستمر والزيارات المنتظمة إلى ألمانيا.

يسافر المخرج إلى ألمانيا، رفقة والدته، بحثا عن فهم هذه العلاقة الغريبة. يقابل مؤرخين. يبحث في الأرشيف عن شخصية الضابط الغامضة وأدوارها. يلتقي ابنته “إيدّا” في شقتها في غرب ألمانيا. تتذكر إيدّا زيارة الجدين لوالديها بعد الحرب. تتباين استجابة المخرج بين الرغبة فيها، وبين إرغامها على الاعتراف بدور أبيها في الهولوكوست.

في المشهد الافتتاحي، يحاول المخرج إبراز غرابة جدته عن المحيط الإسرائيلي، وإحساسها الدائم بكونها غريبة في إسرائيل، وعدم قدرتها على الاندماج في ثقافتها، وعجزها عن الشعور بأن وطنها هو إسرائيل. من أجل هذا يوظف الأكسسوارات والكتب خاصة لتصوير الشقة كمكان أجنبي يوحي بالاغتراب الثقافي، ويوجد خارج التراب الإقليمي. فضاء لا يسمح بالتكيف معها كفضاء للعيش.

تمثل الرحلة إلى ألمانيا بدورها تعبيرا عن الاغتراب؛ ذلك أن ألمانيا ليست مجرد منطقة جغرافية، بل إنها رمز يحدد ملامح الخيال الذاتي. إنها، حسب أشكينازي، سفر في اللاوعي الجماعي الإسرائيلي. فالقطارات تحيل على معسكرات الإبادة، والعساكر يذكرون بقوات الأمن الخاصة.

يخصص المخرج مقطعا طويلا لرحلته {الطيران من إسرائيل – أجزاء من خريطة محلية – منازل في الضواحي – شوارع مزدحمة – قطار متحرك}، يعرض فيه أجزاء من تجاربه في ألمانيا، ويصور سفره كرحلة استكشافية إلى أرض غامضة لم تكن مرئية في الماضي. كما يركز على رموز منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي [العملة الألمانية – الصليب المعقوف – نجمة داوود]، ويضع المتلقين في مواجهة التنافر الذي يكمن في خلفية فيلمه؛ فاحتفاظ الجدة على العملة لعقود يرمز إلى عدم رغبتها في قطع العلاقات مع أصدقائها النازيين. غير أنه يجد نفسه أمام سؤال مقلق باعتباره مواطنا إسرائيليا. هل يمكنه تجاوز الماضي ليقيم علاقة حميمية مع ابنة ضابط نازي لا يتعرف بجرائمه؟ هل يمكنه أن يتغاضى عن دور الماضي النازي في الإيديولوجية القومية الإسرائيلية السائدة؟

في المشهدين الأخيرين، يرجع المخرج إلى الحس الإسرائيلي المشترك. يحكي المشهد الأول زيارة المخرج وأمه للمقبرة اليهودية في برلين بحثا عن قبر والدَيْ جدته. يفشلان في العثور على القبر، وسط مسارات المقبرة وشواهد القبور، ثم يغادران. أما المشهد الثاني فيحكي عودة المخرج إلى شقة جدته في تل أبيب، ليأخذ ما تبقى من الأشياء. يترك الشقة فارغة، ليمحو أثر الجدة، ويزيل كل ما يحيل على الجدة، وشعورها بالغربة، ومقاومتها للهوية الإسرائيلية.

فيلم رابطة دموية)2009( Blood relation للمخرجة Noa Ben-Hagai

في فيلم “رابطة دموية” تموت جدة المخرجة. تتحرك الكاميرا داخل شقتها. تعرض رسائل يدوية ومراسلات حميمية. تقرأ المخرجة الرسائل. تكتشف سرا عائليا. تتحدث الرائل عن هروب أخت جدتها “بنينا” من بيت العائلة وهي في سن الرابعة عشرة. تُسلم. تتزوج من رجل مسلم. ثم تفقد منزلها خلال حرب 1948.تنتقل، برفقة أطفالها إلى العيش في مخيم للاجئين في الضفة الغربية. تتجدد العلاقة مع عائلتها الإسرائيلية. تكتب رسائل طلبا للمساعدة. تتلاشى العلاقة من جديد. بعد الاكتشاف، تحاول المخرجة فهم سر العائلة. تُجري مقابلات مع الشهود. تقوم برحلة مع أفراد عائلتها إلى الضفة الغربية. تجري سلسلة لقاءات مع أفراد الأسرة الفلسطينية، أبناء “بنينا” في لحظتين مختلفتين من ماضي العائلة، لتفهم خيارات الأجيال السابقة ودوافعهم وتصوراتهم الذاتية.

تؤكد المخرجة أن فيلمها لا يرتبط بالنقاش الإسرائيلي حول الاحتلال، والصراع العربي – اليهودي بشكل عام؛ بل إنه مجرد تصور شخصي لخصوصية عائلتها، إذ تفسر شذوذ عائلتها بكونهم غرباء عن المجتمع والثقافة الإسرائيلية؛ وترجع رفض الأسرة لحمل البنت الصغيرة إلى موقعهم كغرباء (مزراحيم) بين الأشكناز. فكونهم عربا يهودا يقودهم إلى الإحساس بالنقص، والرغبة في الاندماج في المجتمع الإسرائيلي، ولو بالتخلي عن أفراد الأسرة.

ينطلق الفيلم من شقة الجدة المتوفية. يكتفي بعرض الرسائل والبطاقات البريدية دون تفاصيل؛ ثم يأخذنا في رحلة نحو مدينة نابلس الفلسطينية. يتم التصوير من نافذة سيارة بطيئة. يتم التركيز على الطريق الملتوية، وعلى وجوه الفلسطينيين المحدقين في الكاميرا. في الطريق نحو المخيم، يبنى مشهد الضفة الغربية وكأنها أرض أجنبية، أو رحلة طويلة نحو المجهول.

تطوَر المخرجة علاقة ودية مع سلمى، ابنة أخت جدتها. تستمع داخل المخيم إلى قصص ابنة عمها العربية. تهتم ببقايا الثقافة العبرية في ذريتها الفلسطينية. تتحمس القريبتان إلى تجديد العلاقات الأسرية، بالرغم من شكوك أفراد الأسرة الآخرين. تكتشف المخرجة الماضي المنسي. يقودها الأمر إلى التأمل في أساسيات هويتها الإسرائيلية. ما الذي يجعلها تعمل على جمع شمل العائلة؟ لماذا تسعى إلى مساعدة فلسطينيي العائلة ماليا وقانونيا؟ لمَ تركز على التشابه في الملامح عند أقربائها العرب وعند عائلتها اليهودية؟ كل هذه المؤشرات تظهر أن المخرجة تعتقد أن قرابة الدم يمكن أن تتجاوز قيود الجنسية. لذا، تمت صياغة الفيلم للتعبير عن هوية إسرائيلية فلسطينية تتجاوز ظروف الصراع.

غير أنها تبرز، في المشاهد الأخيرة من الفيلم، تدهور العلاقات الأسرية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وتعترف بكونها علاقات غير متكافئة وغير قابلة للتصحيح، ولن تؤدي إلى تصور جديد وأصيل للذات. فأمام حاجة أقاربها الفلسطينيين إلى من يساعدهم، ويتفاوض، نيابة عنهم، يجعل المخرجة أمام معضلة مستعصية؛ ذلك أن مساعدة الأقارب تقوي تبعيتهم، وتزعج الأقارب اليهود؛ ورفض المساعدة يقوي الإحساس بالخيبة لتنكر الأقارب لهم. أمام هذه المعضلة، تتخلى المخرجة عن طموحها، وتتبنى موقفا سلبيا، إذ تتراجع إلى المسلمات الأصلية للهوية الإسرائيلية، وتعترف بالطبيعة المستعصية للتعايش الإسرائيلي الفلسطيني.

فيلم “شظايا” 2011 Fragments للمخرج Yonatan Haimovich.

في فيلم “شظايا” يعود المخرج إلى شقة جدته المتوفية، حيث يكتشف في مشهده الافتتاحي الأسرار الغريبة لعائلته، والعالم المفقود لأمه وجدته. تبدأ الرحلة إلى شقة الجدة من تأطير خارجي للمبنى، من خلال نافذة ضبابية لسيارة متوقفة، في لقطة صاعدة نحو الطوابق العليا والسماء الرمادية. بعدها يتحول الدخول إلى شقة الجدة إلى رحلة مستحيلة نحو الماضي، بحثا عن “حقيقة” الأم المفقودة في سن مبكرة جدًا.

يتنقل المخرج داخل المبنى القديم، بين شقق المستأجرين المسنين، من أجل توثيق حياتهم اليومية وقصصهم وأحلامهم، والتعرف على أمه من خلالهم. إنهم مهاجرون قدموا من الاتحاد السوفياتي في السبعينيات، وأقاموا في أحد أحياء القدس. يعيشون منعزلين في شققهم. يتواصلون باللغة الروسية، تمسكا بذكريات الوطن القديم. إذ تكشف الكاميرا عن غرابة محتويات الشقق: [أثاث – منتوجات – برامج تلفزيونية – حلي أوروبية شرقية – ثقافة روسية كلاسيكية – ثقافة شعبية – مختارات من الأدب العبري لكتاب مهاجرين – قطع أثرية إسرائيلية]. فضاء منفصل غريب. أشخاص غرباء. مستأجر يحاول ترجمة قصيدة حول الضياع واللامعنى، إلى اللغة الروسية، باعتبارها جسرا بين المجتمع وغربائه، وذرعا ضد الواقع الإسرائيلي خارج الشقة. مستأجرة مسنة، مشلولة، تروي عن حلمها بالطيران نحو الفضاء بعيدا عن الأرض. التلفزيون الروسي يعرض لقطات مسجلة لرائد فضاء سوفياتي. في كل محادثة، وفي كل شقة يتعمق عدم التوافق مع الواقع الإسرائيلي الحالي.

يبدو جليا من خلال علاقة المخرج بشخصيات فيلمه أنه يتعاطف مع المهاجرين المسنين، ويدفع المتلقي إلى التماهي معهم، وتبني وجهة نظرهم، وتصورهم الذاتي المشكّل من شظايا من الذكريات والتجارب والإيديولوجيات الإسرائيلية والسوفياتية. لذا، لم تغادر الكاميرا المبنى انسجاما مع مواقع وزوايا نظرهم، كمحاصرين داخل المبنى، عاجزين عن رؤية الواقع الإسرائيلي الخارجي. من هنا، يمتنع المخرج عن عرض الفضاء الخارجي للمبنى. يتضح ذلك من خلال مقطع يصور سيدة مسنة بجانب النافذة المفتوحة، لكنها تحدق في التلفزيون، عوض النظر إلى منظر القدس في الخارج.

في نهاية الفيلم، لم يترك المخرج المبنى للعودة إلى إسرائيل المعاصرة؛ بل ظل عالقا في الغرف والممرات والسلالم المهملة، ولم يتمكن من تصوير صلة بين المهاجرين في الداخل والإسرائيليين في الخارج. وإنهاء الفيلم داخل المبنى يعني أنه لم يعد قادرا على العودة إلى الواقع في الخارج، أو على تصور جسر بين العالمين. يقدم المخرج في المشهد الأخير مقطعا من صور ثابتة من حفل زفاف والديه، والتركيز على وجه والدته. يكتشف الماضي، غير أن هذا الاكتشاف لا يمكن أن يوجد في إسرائيل المعاصرة إلا كفيلم.

هكذا تلتقي الأفلام الثلاثة، رغم بعض الاختلافات الجزئية البسيطة، في بعض الخصائص العامة المشتركة، والتي تؤدي إلى حالة من الانفصام والتشظي داخل المجتمع الإسرائيلي، وتعبر عن أزمة هوياتية بين جيل أول يحن إلى الأوطان القديمة، ويعجز عن الاندماج في المجتمع الجديد، الآخذ في التشكل والانصهار في تصور وحيد؛ وبين جيل ثان تعوّد على الصمت وتجنب الأسئلة المصيرية؛ وبين جيل ثالث، يحاول تبديد الصمت، ويسائل المسكوت عنه، في إطار النقاش الدائر داخل المجتمع الإسرائيلي الحالي، غير أنه لا يتجاوز المساءلة النقدية المحتشمة، والاحتجاج الهادئ، كما يتبين من الأفلام المدروسة التي توظف البنية السردية نفسها في فحص حدود الهوية، والتنقل بين الفضاءات والأزمنة للتعبير عن أزمتها. غير أن احتجاجاتها لا تعدو أن تكون نوستالجيا سلبية حزينة، تتراجع أمام صلابة الواقع، دون أن تقدم أشكالا بديلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى