إعلانك هنا

حقوقيون يقيّمون 15 سنة بعد صدور توصيات الإنصاف والمصالحة

بعدما يزيد عن 15 سنة من صدور توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، التي كان منوطا بها مهمة الإفصاح عن حقيقة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في “سنوات الرصاص”، يتشبث حقوقيون بأن هذا الملف “حاضر وليس ماضيا”، وبأن الهيئة “وعد ضائع”.

جاء هذا في ندوة رقمية نظمتها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بعنوان “توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة: المآل والمأمول”، شارك فيها فاعلون حقوقيون مغاربة من هيئات تطالب بالحقيقة في انتهاكات القرن الماضي وبإصلاح الأوضاع الحقوقية بالمغرب.

“وعد ضائع”

قال محمد السكتاوي، المدير العام لمنظمة العفو الدولية (أمنستي)-المغرب، إن جيلا كاملا ظهر بعد أعمال هيئة الإنصاف والمصالحة، وانقضت سنوات عمّا “حقّبناه وسميناه بسنوات الرصاص التي هي السنوات المتراوحة بين 1956 و1999″، مذكرا في هذا الإطار بتقرير “أمنستي” حول هذه التجربة التي وصفها بـ”الوعد الضائع”.

وذكر السكتاوي أن المغرب يدخل الآن في “جيل جديد من الانتهاكات الكبيرة في مجال حقوق الإنسان”، متسائلا: “كيف نسائل تجربة الماضي ونحن في أُتون وضع يعاني فيه كثير من المواطنين من أوضاع زَريّة في مجال حقوق الإنسان؟”.

وتابع بأن “حراك الريف” وما ارتبط به من حراكات اجتماعية، “وضع حدا فاصلا بين تجربة الإنصاف والمصالحة وما بعدها”؛ أي إنه قد تسبب في “انهيار جدار الهيئة”، ولو أن “الولادة تمت”، لكنها ولادة، يزيد السكتاوي، “قد تكون قيصرية أو دون اكتمال فترة الحضانة، وقد تكون أجهضت أو ضاع حلمها، لكن نحتاج برنامجا للتغيير يضمن العبور إلى الزمن القادم الآخر من خلال خيارات وبدائل أخرى”.

ومن بين سلسلة من التساؤلات التي طرحها الحقوقي حول واقع الحركة الحقوقية والعودة إلى تجربة “الإنصاف والمصالحة”، “الانتقال إلى الفعل وفتح طرق جديدة للتغيير وفق برنامج نضالي طويل الأمد”؛ لأن العدالة “انتقال” والتغيير الحقوقي “ليس مسارا محددا في الزمن، بل عملية دينامية متطورة ومتغيرة تمر بشعاب معقدة وصعاب، تحتاج رؤية بعيدة ونضالا مستديما، لنشق طريقا نضاليا جديدا، دون أي تأطير سابق لزمن سابق”.

وقال السكتاوي إن “هيئة الإنصاف والمصالحة كانت محدودة الأثر، وتجربة أريد لها أن تقف عند حدود معينة، وفصّلت حدودها وقيودها وإطارها. ولم تجر حسب مقومات العدالة الانتقالية؛ فالعدالة غائبة في التجربة مع حقيقة مبتورة ما تزال في بيت مظلم أو أرشيف مغلق”.

وتوقف المدير العام لأمنستي المغرب عند “صوت الحركة الحقوقية الوطنية الخافت وغير المؤثر على المستوى الدولي”، موردا أن هذا “ما جعل البعض ممن كان في صفوفنا أمس يقول إن هناك إفلاسا حقوقيا، مع الأسف”، في إشارة إلى المندوب الوزاري المكلف بحقوق الإنسان شوقي بنيوب الذي نفى، في شهر دجنبر الجاري، ما تتحدث عنه جمعيات حقوقية مغربية حول وجود “ردة حقوقية” و”عودة للمقاربة الأمنية”.

وواصل السكتاوي مخاطبا الهيئات الحقوقية بالقول: “نحتاج تجديد رؤيتنا، وأساليب عملنا ومنهجنا، ويتطلب منا هذا أن نسائل ذاتنا الحقوقية. يجب أن نفكر في هل نقوم بمجهود، وهل لدينا تصور لزيادة الجذوة المشتعلة منذ سنوات، حتى تنتقل إلى أجيال أخرى أقدر على فهم السياق الحالي”، قبل أن يتفاعل مع مداخلات بالندوة قائلا: “لسنا جبهة سياسية لنتحدث عن وحدة الصف، بل نحتاج وحدة في إطار التنوع والاختصاص، ولا يمكن أن نكون نسخا لبعضنا البعض، وإلا كنا منظمة واحدة، بل ينبغي أن ندخل مرحلة التعدد الإيجابي، بمعنى تركيز القوة لا تشتيتها، مع التوحد حول برامج مرحلية محددة”.

واسترسل قائلا: “العالم يتغير، فهل سنتغير؟ بعد انقضاء الجائحة سنرى واقعا لم نتصوره يوما، ويوجد انقلاب في الوضع الدولي (…) ولنرَ مثلا دور الأحزاب السياسية والنقابات في فرنسا. سنرى كثيرا من الأشياء تنهار وتتغير”، ثم استحضر مثال “أمريكا اللاتينية التي كانت سباقة دائما لتجديد الهياكل النضالية، حقوقيا وسياسيا ونقابيا”، ليقول: “نحن أيضا كحركة حقوقية مطالبون بمساءلة ذواتنا وتجديد قواعدنا وبناء تصور يستجيب لمتطلبات التغيرات الدولية الكبرى الحاصلة الآن”.

الانتهاكات واقع

قال رشيد المانوزي، الكاتب العام للفيدرالية الأورومتوسطية ضد الاختفاء القسري، إن ملف “الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب”، ملف الإنصاف والمصالحة، “لا يمكن أن يبقى في مسلسل لا ينتهي، فقد مرت التجربة التي ذهبنا فيها بكل روح وإرادة قوية لاستكمال الحقيقة ومساءلة المجرمين وحفظ أماكن الذاكرة وألا تعاد الانتهاكات”.

ثم استدرك موضحا: “لكن، مع الأسف لاحظنا أنه فور انتهاء اشتغالها، كانت أحداث الإسلاميين في المغرب، وتلتها حملات اختطاف لمن اعتقلوا. لا حاجة لإعادة التقييم كل مرة، لكن لا حديث عن المستقبل دون معرفة ما جرى”.

وأضاف: “وصلنا إلى جزء قليل من الحقيقة مع الأسف، والحالات الرئيسية لم تعط لنا معطيات حولها، وكل المعطيات التي توجد بالهيئة جاءت بها العائلات والجمعيات الحقوقية”، واستحضر في هذا السياق ملف الحسين المانوزي، الذي لم تكن لعائلته لسنوات ثقة في العدالة المغربية وأحكامها، و”لما جاءت الهيئة كان أملنا كبيرا، لكن ما وضعته للرأي العام وفي مقررها هو ما وضعته العائلة، مع تحميل المسؤولية للدليمي الذي توفي في ظروف غامضة”، مثل ملفات الواسولي والرويسي وغيرهما.

وتابع ابن عائلة المانوزي المختفي في سنوات الرصاص قائلا: “توجد مئات الحالات التي ليس لنا معطى حولها، سوى وفاتها في مراكز الاعتقال. الحقيقة ناقصة، وبالنسبة لجبر الضرر حاول المخزن (الحُكم) أو الدولة حل الإشكال ببعض التعويضات التي لم تحل المشكل، وعشرات الآلاف ما يزالون يطالبون بالإدماج”.

وعن مآل هيئة الإنصاف والمصالحة، قال الحقوقي ذاته إنه “واضح”؛ لأن “غرضها الرئيسي الذي أسست من أجله كان إعطاء وجه آخر للمغرب. والتعذيب ما يزال، والاحتفاظ بالأشخاص في الحراسة النظرية لمدة تتجاوز القانون كذلك، وأماكن عند البوليس السري… لكن صوتنا مع الأسف لا يصل، ومطلوب منا كجمعيات بالمغرب والخارج إيصال معطياتنا إلى الرأي العام الدولي والمؤسسات الدولية، بعدما قامت به الدولة والهيئة في جولتها الدولية، فقد تمكن المغرب من بيع التجربة، ويستشهد بها الناس الآن كلجنة للحقيقة”.

وتابع المتحدث: “اليوم، مع الأسف، عدد من أصدقائنا الذين كانوا يناضلون معنا يُختارون واحدا واحدا ليمروا إلى الجهة الأخرى، مثل محمد الصبار، إدريس اليزمي والمندوب الوزاري لحقوق الإنسان الذي يدافع عن وجهة نظر المخزن. يعمل النظام ليأخذ لنا لب أناسنا ليخدموا قضيته، والمطلوب منا أن نوحد جهودنا، ونحاول دوليا تمرير رسالتنا وألا نغرق في هذه التجربة التي لم تعطِ (الإنصاف والمصالحة)، ونبني تجربة جديدة، ودون عمل وحدوي في الساحة لن نتقدم في هذا الملف”.

ملف غير منته

قال عبد الإله بنعبد السلام، منسق الائتلاف المغربي لهيئات حقوق الإنسان، إن وعد الدولة المجتمع بالإنصاف والمصالحة لم يتحقق، لأن المصالحة تكون بـ”احترام حقوقه وحقه في تقرير مصيره وكرامته وضمان حقوقه في شموليتها”، وإنصافه “ليس بالتعويض بل بتشييد المجتمع الديمقراطي”.

ويرى بنعبد السلام أن المغرب قد انتقل من “استبداد مطلق” إلى “استبداد لايت/خفيف” يعطي “صورة غير واقعية عما يقع من انتهاكات مستمرة”، واستحضر في هذا الإطار كثافة الاعتقالات التي استمرت لسنوات بعد أحداث 16 ماي 2003 الإرهابية.

وأضاف الحقوقي ذاته أنه “بعد 16 سنة، ما يزال هذا الماضي مطروحا، لاستمرار معاناة الضحايا والمجتمع، و30 ألف ملف خارج الأجل لم تبت فيها الهيئة بعد، هذا فيما يخص جبر الضرر الفردي، فضلا عن جبر ضرر المناطق التي كانت فيها معتقلات سرية أو انطلقت منها انتفاضات أو حركات مسلحة، والتي ما تزال تعيش التهميش”.

وزاد قائلا: “أما فيما يتعلق بالحقيقة، فملف المهدي بن بركة مؤشر؛ فهو معمر منذ 1965، ولا تزال العائلة تعاني دون قبر”.

وفي حديثه عن مآل تجربة هيئة “الإنصاف والمصالحة”، أورد بنعبد السلام أنه “لا يوجد اعتذار رسمي وعلني للدولة، وحفظ للذاكرة، ووضع للاستراتيجية الوطنية لمناهضة الإفلات من العقاب، مع استمرار في ارتكاب الانتهاكات، ونسف لأساس مسلسل هيئة الإنصاف والمصالحة الذي هو عدم التكرار، فيما تكررت الانتهاكات أحيانا بوتيرة كبيرة”.

وأبرز أن تفعيل توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة يرتبط في جزء كبير بـ”الفاعلين المجتمعيين السياسيين والنقابيين والحركات الثقافية والجمعوية والشبابية والنسائية”؛ فـ”الإصلاحات التشريعية والتربوية تستوجب انخراط كافة الفاعلين الجمعويين المناصرين لحقوق الإنسان، ومد الجسور معهم، من أجل مشروع بناء دولة الحق والقانون والمواطنة بكافة الحقوق، وللتأثير حتى ترى عدد من التوصيات النور، وحتى نعطي دينامية جديدة للجسم الحقوقي والمكونات المناصرة للحركة الحقوقية المغربية، وننتقل من رد الفعل إلى الفعل كحركة حقوقية، (…) والتحسيس بالتوجه إلى المجتمع، وأشكال الاحتجاج لفرض مطالبنا وإيقاف المنحى التراجعي الذي يعصف بجهود وتضحيات الحركة الحقوقية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى