إعلانك هنا

بوصوف: رهان كبير على 2022 للمضي إلى الأمام في المغرب والعالم

سنُودع سنة 2021 بكل ما حملت من أحداث صاخبة ولحظات تاريخية فارقة تميزت ببالغ التأثير لجائحة فيروس كورونا ومتحوراته على معادلات العلاقات الدولية، وإعادة ترتيب الخرائط السياسية والتحالفات الاقتصادية، وتضرُر الطبقات الهشة، كما تميزت بعمليات تلقيح واسعة وسجالات قانونية بين حرية التلقيح الشخصية وضرورة حماية المجتمعات من انتشار الوباء الفتاك.

سنودع سنة 2021 بين تدابير احترازية صارمة وأخرى مخففة، والحيطة والحذر للحفاظ على مكتسبات عمليات التلقيح الجماعي والحد من انتشار الوباء، وترقب كبير لكل جديد شركات الأدوية العالمية ومختبرات محاربة الأوبئة، والتشجيع على مبدأ التضامن الإنساني في عمليات التوزيع المجاني للقاح بالنسبة للدول النامية والفقيرة.

ورغم كل تهديدات وتداعيات جائحة كورونا سنة 2021 فإنها لم تمنع من عودة الحياة تدريجيا إلى ميادين السياسة والرياضة والفن؛ وهكذا شهدت إعادة تنظيم العديد من التظاهرات المؤجلة عن سنة 2020، ككأس الأمم الأوروبية لكرة القدم بإنجلترا، والألعاب الأولمبية بطوكيو، وكأس العرب بقطر، و”الكوب 26″ بغلاسكو (بريطانيا) و”إكسبو دبي 2020″…كما عادت اجتماعات جي 20 وجي 7 والبرلمان الأوروبي واللجنة الأوروبية للانعقاد، وغيرها من الهيئات داخل المقرات الأممية أو القارية.

لقد عاش العالم وطيلة اثني عشر شهرا الماضية أحداثا ستغير لا محالة من مجرى العديد من معادلات العلاقات الدولية، كالملف الليبي، حيث تبقى مُخرجات لقاءات المغرب، سواء بالصخيرات أو بوزنيقة، أهم نتائج الحوار فيه، بعد سلسلة من اللقاءات والمؤتمرات، ومن ثم تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية التي كانت مقررة يوم 24 دجنبر من هذه السنة إلى موعد غير مسمى.

كما تميزت هذه السنة بإجراء انتخابات في إيران، أعادت المحافظين إلى السلطة، وهو ما يعني الرجوع بالملف النووي وتخصيب اليورانيوم إلى طاولة جنيف من جديد. كما جرت انتخابات بألمانيا في شهر أكتوبر، غادرت معها المستشارة أنجيلا ميركل السياسة بعد قيادتها ألمانيا لمدة 16 سنة، وتراجع حزبها في بورصة الانتخابات الألمانية أمام عودة قوية للخضر… وأجريت انتخابات أيضا في روسيا، حيث فاز حزب “روسيا الموحدة” بأغلب مقاعد مجلس الدوما الروسي؛ بالإضافة إلى انتخابات مهمة بدول أمريكا اللاتينية.

من جهة أخرى عرفت سنة 2021 تنصيب الرئيس جو بايدن على رأس الإدارة الأميركية الجديدة، التي رفعت شعار حقوق الإنسان والديمقراطية، واختارت التركيز على منطقة المحيط الهادي لترسيخ التحالف السياسي والاقتصادي القديم / الجديد مع دولها، والحد من النفوذ الاقتصادي الصيني.

كما قررت الإدارة الأميركية الجديدة الخروج من أفغانستان بعد عشرين سنة من التواجد العسكري، وهو ما فتح المنطقة على سيناريوهات جديدة تتعلق بالاستقرار والتحالفات والتسليح والعنف…وخلف موجة جديدة من الهجرة الجماعية نحو أوروبا.

لقد فسرت العديد من التحليلات شعور “روسيا بوتين” بنوع من التفوق من خلال تدبيرها ملفات ساخنة، كسوريا وليبيا ودول الساحل الإفريقي، وأيضا أنبوب الغاز الطبيعي ” نورد ستريم 2″ وارتفاع مبيعاتها من الأسلحة لمختلف دول العالم؛ وهو الشعور الذي تقوى بالانسحاب الأمريكي من أفغانستان وعودة طالبان، ما عجل بإرسال حوالي 170 ألف جندي روسي إلى حدود أوكرانيا. وفي الوقت نفسه أرسلت روسيا شروطها إلى كل من حلف “الناتو” والولايات المتحدة الأمريكية، بخصوص انضمام أوكرانيا وبعض دول الاتحاد السوفياتي سابقا إلى “الناتو”، وكذا الرؤوس النووية والقواعد العسكرية الأمريكية في أوروبا، واضعة بذلك العالم على شفا حرب عالمية.

عشنا سنة 2021 أحداثا مأساوية وهجرات جماعية جديدة (خصوصا من أفغانستان والعراق)، سواء بأوروبا الشرقية عبر بيلاروسيا وبولندا، أو انطلاقا من ليبيا نحو سواحل اليونان وجنوب إيطاليا، أو انطلاقا من بحر المانش في اتجاه بريطانيا.

ولم تسلم موجات الهجرة هاته من التوظيف السياسي، الذي لم يقف عند رغبة إحدى دول أوروبا الشرقية في بناء سور ورفض المفوضية الأوروبية تمويله، بل رسخ ملف الهجرة واللجوء وكراهية المهاجرين كعقيدة لا تتزعزع في كل برامج اليمين المتطرف، خاصة الفرنسي، في حين تجنبت برامج الانتخابات الألمانية لسنة 2021 توظيف الإسلام والهجرة، وهو ما يحسب لها.

في المغرب نسجل سنة 2021 كسنة انتصارات دبلوماسية في ملف الصحراء المغربية؛ فقد مرت سنة على الاعتراف الأمريكي (10دجنبر 2020) بشرعية السيادة المغربية على الصحراء المغربية، وتم الاحتفال بـ”الاتفاق الثلاثي ” في دجنبر 2021، بالإضافة إلى مشاركة الإدارة الأمريكية الجديدة في مناورات عسكرية مشتركة مع الجيش المغربي بالجنوب المغربي (يونيو 2021) وبالبحر المتوسط (دجنبر 2021).

وأكد انتصارات المغرب الدبلوماسية في ملف الوحدة الترابية قرار مجلس الأمن الدولي بخصوص قضية الصحراء المغربية، الذي أكد على جدية مبادرة الحكم الذاتي، وحدد الأطراف المعنية بالقضية، وشدد على مركزية الأمم المتحدة في التفاوض لإيجاد حل سياسي واقعي لهذا النزاع المفتعل.

كما سجلت هذه السنة اعترافا أمميا بمكانة المغرب وقوة أجهزته في عمليات مكافحة الإرهاب الدولي وحفظ السلام الدولي؛ وذلك باحتضان العاصمة المغربية “مكتب برنامج الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب والتدريب بإفريقيا” في يونيو 2021، وهو الأول بإفريقيا.

وقبل توديع سنة 2021، حمل شهر دجنبر تصريحات إيجابية بخصوص ملف الصحراء المغربية والحكم الذاتي، قادمة من ألمانيا التي نوهت أيضا بالدور المغربي المهم على مستوى العلاقات المتوسطية والأوروبية والإفريقية؛ وهي التصريحات التي عبدت طريق عودة العلاقات المغربية/ الألمانية إلى “شكلها الطبيعي”، وأولها عودة السفيرة المغربية إلى العاصمة برلين. هذا في انتظار رجوع العلاقات المغربية/ الإسبانية إلى سابق عهدها، لكن بمعادلات جديدة وسقف جديد.

كما حمل شهر دجنبر معه قرار “جامعة الدول العربية” اعتماد خريطة تضم الصحراء المغربية في كل الاجتماعات وداخل المقرات؛ وهو انتصار للتاريخ والجغرافيا، وتأكيد على إجماع عربي على حق المغرب في وحدته الترابية، في أفق عقد القمة العربية بالجزائر السنة المقبلة. وهي كلها تطورات تُحرج جنرالات الجزائر وتزيد من عزلتهم، على الرغم من حملة توزيع شيكات سوناطراك لاستمالة بعض الأصوات العربية، التي لا تراعي المطالب الاجتماعية الحيوية البسيطة للشعب الجزائري، الذي يضطر إلى الاصطفاف في طوابير طويلة من أجل حصص الحليب والخبز واللحم والبطاطس.

ويدخل الاجتماع الوزاري الأول لـ”مجموعة فيسغراد” والمغرب، المنعقد يوم 7 دجنبر من هذه السنة، في إطار تنويع المغرب شركاءه في أوروبا الشرقية والاشتغال على أجندات مشتركة مع كل من بولندا والتشيك وهنغاريا وسلوفاكيا، وهو ما يعني حصادا دبلوماسيا مغربيًا إيجابيا في انتظار معارك السنة المقبلة 2022.

وستعرف سنة 2022 العديد من الأحداث والأجندات خارج الحدود المغربية، لكن ستكون لها، شئنا أم أبينا، ترددات على الأوضاع المغربية، كالانتخابات الرئاسية الفرنسية في أبريل 2022، ودخول القوانين الأوروبية الجديدة حيز التنفيذ، خصوصا تلك المتعلقة بالانتقال الرقمي، سواء بالنسبة للأسواق أو الخدمات…Digital Services Act (DSA) أو Digital MarketsAct (DMA) وأيضا قوانين الهجرة واللجوء والطاقات المتجددة…إلى جانب انطلاق مفاوضات روسيا والولايات المتحدة الامريكية وحلف الناتو المرتقب بداية السنة المقبلة.

سنستقبل إذن سنة 2022 وكلنا أمل في الحفاظ على حياة الشعوب من جائحة كورونا والمتحورات المشتقة منها، وفي توفير اللقاح المجاني لشعوب القارة الإفريقية. لتكن سنة 2021 إذن خطوة للوراء من أجل خطوتين للأمام؛ مثلما صورها الروائي الروسي أنطوان تشيخوف في رواية “المبارزة”، في مقطع يقول: “بحثا عن الحقيقة يخطو الناس خطوتين إلى الأمام وخطوة إلى الوراء.. تدفعهم الآلام والأخطاء وملل الحياة إلى الوراء، لكن الشوق إلى الحقيقة والعزيمة الصلبة يدفعانهم إلى الأمام قدماً”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى