إعلانك هنا

أحرشاو يوضح أدوار الجامعات في التربية على السلوك المدني بالمغرب

قال الكاتب والسيكولوجي الغالي أحرشاو إن “بناء المواطن المتحضر، المتشبث بثوابت الوطن وقيمه الحضارية، المعتز بهويته وانتمائه، المدرك لحقوقه وواجباته، المتشبع بفضيلة التواصل والحوار وبمبادئ الحرية والعدالة والتسامح، أصبح يشكل أحد الرهانات الأساسية للمنظومات التربوية الحديثة”، مضيفا أنه “بعد أن كان تحقيق هذا الرهان حكرا على مؤسسات الأسرة والمدرسة والحزب والإعلام والجمعيات الحقوقية والمدنية، أضحى في العقود الأخيرة يستهدف الجامعة كمؤسسة تربوية لها دورها الحاسم في تنمية السلوك المدني وترسيخ أساليب ممارسته كثقافة يومية”.

وأوضح أحرشاو، في مقال له بعنوان “دور الجامعة في التربية على السلوك المدني بالمغرب”، أن “الجامعة المغربية لا تزال تعاني من مشاكل وصعوبات عديدة، غالبا ما تجعلها بعيدة عن مواصفات الجامعة النموذجية القادرة على المساهمة الفعلية في ترسيخ ثقافة السلوك المدني وإجراءات ممارستها، عملا بمنطق ترجمة الأفكار إلى أفعال والشعارات إلى إنجازات والأهداف إلى نتائج”.

وأشار الكاتب إلى أنه “لم يعد من مصلحة هذه المؤسسة أن تتملص من دورها المدني المطلوب، لتشكل بذلك فضاء جامعيا رحبا يكرس كل هذه التجليات المدنية عبر برامج غنية وأنشطة متنوعة، قوامها التصدي بحزم لمختلف تلك الممارسات اللامدنية، لاسيما سلوكات العنف بشتى أشكاله، والغش بمختلف أساليبه، ثم الاعتداء على حرمة الجامعة أو المساس بنبل فضائها من خلال بعض الممارسات الشاذة، التي أصبحت للأسف تطفو على السطح في السنوات الأخيرة، من قبيل التحرش الجنسي، والتطاول على تشويه وخدش رسالتها في النزاهة الأكاديمية والمعيارية الأخلاقية والتقييم الموضوعي”.

وهذا نص المقال:

الأكيد أن بناء المواطن المتحضر، المتشبث بثوابت الوطن وقيمه الحضارية، المعتز بهويته وانتمائه، المدرك لحقوقه وواجباته، المتشبع بفضيلة التواصل والحوار وبمبادئ الحرية والعدالة والتسامح، أصبح يشكل أحد الرهانات الأساسية للمنظومات التربوية الحديثة. فبعد أن كان تحقيق هذا الرهان حكرا على مؤسسات الأسرة والمدرسة والحزب والإعلام والجمعيات الحقوقية والمدنية، أضحى في العقود الأخيرة يستهدف الجامعة كمؤسسة تربوية لها دورها الحاسم في تنمية السلوك المدني وترسيخ أساليب ممارسته كثقافة يومية تؤطرها قيم الديقراطية الحقيقية والمواطنة الفعلية. فبالإضافـة إلـى تلقين الشباب الكفاءات المعرفية والمهارات الأساسية، فإن مشـروع الجامعة كما أكد عليه مؤخرا “النموذج التنموي الجديد”، هـو قبـل كل شـيء مشـروع مجتمعـي، قوامه التربية على المواطنة الحقة من خلال غـرس القيـم المتجـذرة فـي الهوية الوطنيـة والروحيـة، وتكريس المنفعة المشتركة وروح التضامـن والتسـامح. وإذا كان دور الجامعة هذا يعتبر من الأمور البديهية لدى كثير من المجتمعات المتقدمة ذات التقاليد الديمقراطية العريقة والتجارب المدنية الغنية، فالأكيد أن هذا الدور لا يزال يمثل بالنسبة لنا في المغرب مطلبا استعجاليا لاعتبارات عديدة نجملها في القرائن التالية:

– حتمية ترسيخ قيم المواطنة الصادقة وفضائل السلوك المدني في التصرفات والممارسات اليومية للأفراد والجماعات والمؤسسات، تماشيا مع مختلف التحولات الاجتماعية والثقافية والتربوية العميقة التي أصبح المجتمع المغربي مسرحا لها في السنوات الأخيرة.

– الوعي المتنامي بمكانة الجامعة ودورها في بناء مجتمع المواطنة المسؤولة الرافضة لكل ثقافة تحركها دوافع التعصب والانغلاق والعنف، ونزعات التطرف والعدوان والإرهاب.

– تنصيص الدولة وعدد من قطاعاتها الحكومية، عبر جملة من الوثائق والتقارير والندوات، على ضرورة انخراط المنظومة التربوية بمختلف مؤسساتها في سيرورة خدمة التنمية المستدامة من خلال تلقين الناشئة مبادئ السلوك المدني، وتدعيم المكتسبات التي حققها المغرب في ميدان التربية على المواطنة وحقوق الإنسان.

بالنظر إلى هذه الاعتبارات التي تؤكد على مختلف الرهانات والتحديات التي تنتظر الجامعة المغربية، وبالخصوص في مجال تحديث المجتمع وتطوير بنياته المختلفة عبر تطوير معارف الشباب وتنمية كفاءاتهم وتجويد مهاراتهم، فالثابت أن هذه المؤسسة لا تزال تعاني من مشاكل وصعوبات عديدة، غالبا ما تجعلها بعيدة عن مواصفات الجامعة النموذجية القادرة على المساهمة الفعلية في ترسيخ ثقافة السلوك المدني وإجراءات ممارستها، عملا بمنطق ترجمة الأفكار إلى أفعال والشعارات إلى إنجازات والأهداف إلى نتائج.

وكتوضيح للمقصود بضرورة اعتبار السلوك المدني كإحدى وظائف الجامعة بالمغرب، نشير إلى أن الجامعة الحديثة أضحت تشكل واحدة من المؤسسات الرئيسية التي تسخرها المجتمعات المتقدمة لترسيخ قيمها الثقافية والحضارية، ولتحقيق مشاريعها التربوية والتنموية. فوظيفتها أصبحت تتركب من دورين اثنين: أولهما أكاديمي- معرفي، غايته تلقين المعارف ونشرها وتدريس العلوم وتطويرها. وثانيهما وظيفي- اجتماعي، قوامه تلبية رغبات الإنسان المعرفية والمهنية، ثم خدمة حاجات المجتمع الحضارية والثقافية والتنموية. فإذا كان المقصود بتنمية السلوك المدني يكمن في تكوين المواطن الحر المتحضر، الواعي بحقوقه وواجباته، فإن ربح رهان مثل هذه التنمية يشكل في جانب منه مهمة تقع في صميم عمل الجامعة. فدورها التربوي والتثقيفي في زرع وترسيخ مبادئ السلوك المدني في عقول الشباب ووجدانهم، يجعل من أنشطتها وتكويناتها وظيفة حاسمة في هذا المضمار. وهو الدور الذي تتحدد غايته المثلى في تكوين المواطن الخلوق المعتز بالثوابت الدينية والوطنية، المتمسك بمقومات هويته بشتى روافدها، المتمتع بالحقوق والحريات، الملتزم بالواجبات والقوانين، المساهم في الحياة الديمقراطية والمتشبّع بالمناعة تجاه السلوكات اللامدنية. فلهذه الاعتبارات وغيرها لم يعد من مصلحة هذه المؤسسة أن تتملص من دورها المدني المطلوب، لتشكل بذلك فضاء جامعيا رحبا يكرس كل هذه التجليات المدنية عبر برامج غنية وأنشطة متنوعة، قوامها التصدي بحزم لمختلف تلك الممارسات اللامدنية، لاسيما سلوكات العنف بشتى أشكاله، والغش بمختلف أساليبه، ثم الاعتداء على حرمة الجامعة أو المساس بنبل فضائها من خلال بعض الممارسات الشاذة، التي أصبحت للأسف تطفو على السطح في السنوات الأخيرة من قبيل التحرش الجنسي والتطاول على تشويه وخدش رسالتها في النزاهة الأكاديمية والمعيارية الأخلاقية والتقييم الموضوعي.

إذن، على أساس أن النهوض بالتربية على المواطنة وبثقافة السلوك المدني يُعَدُّ بامتياز من المهام المطروحة على أغلب البلدان بما فيها المغرب، فإن الجامعة أصبحت هي الأخرى مدعوة إلى المساهمة الفعلية في ترسيخ هذه التربية وهذه الثقافة ونشرهما داخل فضائها الداخلي ومحيطها الخارجي من خلال اعتماد مجموعة من المداخل والإجراءات التي نجملها في الآتي:

– اتخاذ الجامعة كفضاء خصب لبناء مجتمع المستقبل، حيث إن تحصينها من الداخل عبر اعتماد ثقافة السلوك المدني كأسلوب لممارساتها وتعاملاتها، يُعَدُّ ضمنيا تحصينا للمجتمع بشتى شرائحه ومشاكله ورهاناته. فإذا كان الفضاء الجامعي يشكل بامتياز الإطار الذي يتشبع فيه الشـباب بمقومات الحيـاة الجماعيـة من خلال الروابـط الاجتماعيـة والالتزامات المواطنـة، فإن تفعيـل هـذه المهمـة الأساسـية، كما جاء ذلك واضحا في النمـوذج التنمـوي الجديـد، يقتضي تجديـد وظيفة الجامعة باعتماد نماذج للتربية على المواطنة الحقة، وأنشطة جماعية وثقافية ورياضية وبيئية غايتها تعـزيز قواعـد العيـش المشـترك وروح الانتمـاء للوطن، ثم التحفيز على السلوكيات المدنية من قبيل الأمانـة، التسـامح، الاحتـرام، التعـاون، التضامـن، الحـوار والنقـاش الجماعـي.

– النظر إلى السلوك المدني كمنظومة ثقافية متكاملة المكونات والخصائص، تزاوج بين مظاهر التشبع بالقيم الوطنية والمثل الأخلاقية والقواعد القانونية الفردية والجماعية، وبين أساليب التصدي الحازم للتصرفات اللامدنية بشتى أنواعها وأشكالها. وبهذا المعنى يصبح اهتمام الجامعة بتربية الناشئة على هذا السلوك بمثابة الانشغال الدائم بفعل ما يرتكز عليه من برامج وآليات دقيقة وواعدة بالعطاء في مجال التكوين والتحسيس والتوجيه.

– التطلع من خلال المنظومة الأكاديمية للجامعة بمختلف برامجها العلمية والمعرفية وأنشطتها الثقافية والفنية والرياضية، إلى تجسيد ثقافة السلوك المدني كممارسة فعلية يحكمها هاجس الرقي الواعي بالحياة الجامعية إلى مصاف المثال النموذجي للسلوك الحر المسؤول والتصرف الديمقراطي المتحضر، سواء داخل الأقسام والمدرجات أو في المحيط الخارجي ومرافق الحياة العامة.

إذا كانت المقومات السابقة تشكل المداخل الأساسية، التي يمكن للجامعة المغربية أن تعتمدها كخارطة طريق من أجل ترسيخ ثقافة السلوك المدني ونشرها في صفوف الشباب حتى يصبحوا مواطنين معتزين بوطنيتهم ومُحصَّنين تجاه ثقافة العنف والتطرف والغش والتحرش، فإن تجسيد كل ذلك على أرض الواقع كممارسات مدنية فعلية يستدعي الاستناد إلى مجموعة من الإجراءات والآليات، التي نجمل أهمها في البعدين التاليين:

– إذا كان اضطلاع الجامعة بمهمة التربية على التشبع بثقافة السلوك المدني يندرج في جوهر سيرورة عملها ويُعَدّ إحدى وظائفها الطبيعية، فإن انخراطها في سلسلة من الأنشطة التحسيسية والبرامج التثقيفية، التي تشارك فيها كل الأطراف المكونة لها، من إداريين وأساتذة وطلبة، لا بد أن يفضي من جهة إلى تحقيق غايات هذه المهمة النبيلة، خاصة في مجال تنمية ثقافة الحوار والاختلاف والتسامح، وترسيخ قيم الحرية والمسؤولية والعدالة، ثم تشجيع روح المواطنة والمبادرة والمنافسة الشريفة، ومن جهة أخرى إلى تصالح هذه المؤسسة مع محيطها واسترجاع مكانتها كرافعة للإصلاح وبناء مغرب المستقبل المشرق.

– إذا كانت فعالية الجامعة المأمولة عندنا تتوقف إلى حد بعيد على مدى قدرتها على المساهمة في تكوين المواطن المتحضرالمسؤول، المدرك لحقوقه وواجباته، المعتز بهويته ووطنيته والمنفتح على محيطه وعلى العالم، فإن ذلك لن يتأتى إلا باعتماد خطة دقيقة، غايتها تحويل الجامعة إلى مؤسسة مدنية حقيقية، يحكمها فضاء رحب للإصلاح والتغيير، وبرنامج خصب للتربية على السلوك المدني بأخلاقياته وقيمه وقوانينه المتشبعة بروح المواطنة الحقة والديمقراطية الفعلية والعدالة العادلة. بمعنى الجامعة الخادمة لوطنها من خلال الاندماج في محيطها وفي المسار التنموي المنشود، الذي يراهن على تأهيل الإنسان وتحديث المجتمع عبر ترسيخ ثقافة السلوك المدني ونشرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى