“خميس ابن رشد” بالرباط .. النقاش الفلسفي ينفتح على “المجال العام”

سلسلة من المحاضرات حول ابن رشد الحفيد وفلسفته، افتتحها الأكاديمي المغربي فؤاد بن أحمد بفيلا الفنون بالرباط. وتقصد هذه السلسلة تعميم النقاش حول ابن رشد، و”نقل المشاكل الفلسفية والعلمية والتاريخية للشأن العام”، و”عدم الاكتفاء بالحديث الأكاديمي الخاص” عن صاحب “فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال” و”بداية المجتهد ونهاية المقتصد”.

وتحت يافطة “خميس ابن رشد”، من المرتقب أن تشهد العاصمة 9 محاضرات عن ابن رشد في الخميس الأول من كل شهر، مهدت لها محاضرة بن أحمد المعنونة بـ”لماذا ابن رشد اليوم؟ أسئلة الماضي والحاضر، هنا وهناك”.

وتناقش هذه المحاضرات المفتوحة لعموم المهتمين، موقف ابن رشد من الشريعة، والسلطة، وعلم الكلام، واستثماراته في سياقات خاصة، وغيرها من المواضيع، ليس “اختفاء وراء ابن رشد للتفكير في هذه المسائل”، وفق تصريح للأكاديمي فؤاد ابن أحمد لLE7.ma؛ بل “استعانة به، لأن التفكير لا يتم إلا عبر وسائط (…) ومن باب أولى الاستعانة بابن رشد، الذي له نصوص قوية في هذا الباب”.

وفي محاضرته، استبق الأكاديمي بن أحمد سؤال الحاجة إلى مثل هذا النقاش في زمن “يقلق فيه الناس على حياتهم ومستقبلهم”، قائلا: “الحياة البشرية بوصفها مسارات قلقة ومشوشة، لا ينبغي أن ننتظر أن تهدأ ونهدأ لنستأنف النقاش والتفكير والعمل”، مثيرا “خطورة وقف التفكير والنقاش في لحظات القلق”.

وفي شق الاهتمام بأبي الوليد ابن رشد “هناك”، تحدث المحاضر عن ابن رشد الذي “ظل مقلقا للوعي الأوروبي لقرون، وما يزال موضوع مشاحنات بأوروبا، وخاصة فرنسا، إلى اليوم”.

وبين القرن التاسع عشر وبداية القرن الحادي والعشرين، ذكر المتدخل أن الأسئلة حول فكر ابن رشد لم تكن هي هي بين أوروبا والعالم الإسلامي، ولو أنه “توجد هوامش مشتركة كثيرة”.

ووضع بن أحمد عمل إرنست رينان “ابن رشد والرشدية” في إطار جواب على “سياق لم يتوقف منذ وفاة ابن رشد، مع اختلاف أسئلة المهتمين، دون توقف عن استدعاء ابن رشد الاسم أو الرمز”.

وبعد تفصيل في مضامين أطروحة رينان، أكبر الأكاديمي مقاربتها التاريخية، ثم استدرك منبّها إلى انتمائها إلى سياق “نضال من أجل الفلسفة في مواجهة رجال الدين”، وبالتالي فليس “ابن رشد والرشدية” كتاب فلسفة، ولو أنه جزئيا كتاب تاريخ فلسفة، بل عمل نضال “ضد أن تعود الفلسفة مجرّد ذَيل للثيولوجيا”.

كما تطرق المحاضر لاستحضار آلان دو ليبيرا ابن رشد بوصفه مثالا لـ”الأندلس التي نحلم بها”، و”الفيلسوف الذي تعلم على يده المسيحيون الفلسفة”.

لكن، يتابع بن أحمد حديثه عن تلقي ابن رشد في سياق “الهُناك” مقابلا بين “أندلس التسامح” في المخيال و”التاريخ الذي لا يؤكد هذا الطرح”، واستشكالات قراء لأبي الوليد في حديثه، مثلا، عن وجوب “قتل الزنادقة المتعرضين لأصل الشرائع”.

وفي السياق العربي الإسلامي، يحضر اسم فرح أنطون الذي سعى إلى تقديم ابن رشد في “جبة العلماني، لمواجهة محمد عبده ورشيد رضا”. كما تحضر أسماء محمد عبده، ومصطفى عبد الرازق، وعلي سامي النشار، الذين كان ابن رشد هامشيا عندهم، لا يستحق الوقوف عنده، ولا يُستَحضر إلا كرد فعل على “التيار العقلاني”، بل وكان ينظر النشار إلى فلسفته باعتبارها جزءا من “الترف الفكري”.

هنا، يقول فؤاد بن أحمد في حديث لLE7.ma: “لا بد من التخلص من إرث سامي النشار في المغرب”، بعدما ساهم بشكل كبير في توجيه الدرس الفلسفي في سنوات تدريسه بالبلاد، من أجل “تصحيح” تراث الفلسفة بهذا القُطر.

ويقدم بن أحمد محمد عابد الجابري باعتباره مستوعبا لـ”الواقع الجديد للعالم العربي الذي تغير”، وما يقتضي هذا من ضرورة “تغيير استثمار ابن رشد”؛ فتحدث عن “ابن رشد المصحح للعقيدة، والمصلح للشريعة”، متوجها بهذا الكلام، “ليس لنفس المخاطب، بل إلى مجتمع فيه عنصر جديد هو الإسلام السياسي”.

الجابري، وفق بن أحمد، استدعى ابن رشد “كمعين على التفكير في مشاكل فكرية وعملية للمجتمع ككل”، متوجها بهذه القراءة إلى “شباب العالم العربي بكل أطيافه وتياراته”؛ لأنه “غالبا ما يتم استثمار ابن رشد من قبل فئة معينة، ويندر أن تجد إسلاميا يستثمر ابن رشد، ويندر، بل يستحيل تقريبا، أن تجد أستاذا للدراسات الإسلامية يشيد أو يستثمر ابن رشد مصلح العقيدة”.

إذن، بالنسبة للأكاديمي القائل بعدم موت الفلسفة إسلاميا بعد ابن رشد، فإن الجابري “قد حاول ما أمكن القيام بعملية استيعاب، وأن يخاطب الجميع حتى الإسلاميين”؛ لأنه “من غير المعقول أن ابن رشد فقيه، وقاض، وهي مهنة شرعية احترفها أزيد من 20 عاما، ولا يستثمره المسلمون بكافة أطرافه، فهو ليس حكرا للعلمانيين والحداثيين بل ملك لجميع التيارات، وما دام لم يقع توافق عليه لن نستطيع استثماره بالكيفية الممكن استثماره بها، بغض النظر عمّا إذا كان صالحا لنا أم لا”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى