“لا تنظر إلى الأعلى”.. فيلم ساخر يحاكي تعامل البشر مع الخطر الغامض

هذا فيلم يهاجم هذه اللحظة التاريخية وقد ينظر إليه طيلة 2022 كربورتاج وبعدها سيرتفع تنقيطه، فبينما تروج الحكومات في كل دول العالم للحقنة الرابعة للقضاء على شر كورونا، تروج نتفليكس لخطر ساحق سيقضي على الحياة البشرية عاجلا. فيلم “لا تنظر إلى الأعلى” (2021)، إخراج آدم ماكاي.

إن التهديد بقرب نهاية العالم الذي روج له السرد الديني وتروج له ألعاب الفيديو وأفلام “القيامة الآن”، صار وشيكا. هناك عالمان فلكيان يعرفان مصير العالم المهدد بخطر هائل، بينما الرئيسة الأمريكية وطاقمها منشغلان بمناورات انتخابية.

يتجول البروفيسور الفلكي راندل ماندي (أداء لينوناردو دي كابريو) رفقة عالمة فلكية شابة (أداء جينيفر لورانس) يحذران من خطر وشيك… يبدو من الأداء أن ديكابريو غير مقتنع بمصدر الخطر، يحاول أن تتطابق نوايا الشخصية مع أفعالها، يرتعش بشكل مبالغ فيه لتعدي حالته المتفرجين فيحتجرون.

بينما تمثل الشابة دور كانديد الساذج في الفيلم، وهي تقول حقيقة واحدة فيتحطم المطعم الذي كانت تجلس فيه. الفيلم تذكير ساخر بالرعب الذي نعيشه عبر حكي خيالي التقط بذرته من واقع معاش، حكي يلعب بما يعرفه المتفرج لغويا وبصريا. بسبب سرعة الانفعال يهيمن إحساس واحد على الجمهور… يذوب الفرد في القطيع المرعوب بسبب العدوى… يصير الفرد المتحضر همجيا يصرخ ويكسر لأنه يشعر بالعجز، في مواجهة المُذنّب، لا جدوى من ارتداء الكمامة بطريقة سليمة وغسل اليدين بالماء والصابون والتباعد والتعقيم والتلقيح.

استخلص البروفيسور العبرة مما وقع في المطعم، فانضم إلى عالم الإعلام وصار يظهر على التلفزيون. تولد لدى الشخصية حافز قوي فتحسن أداء الممثل. شذب البروفيسور لحيته ومعجمه وسلوكه… صار في مثل حماقة الدكتور في فيلم “فلامور” (1964) لستانلي كوبريك.

في الفيلم عالمة فلكية تجهل السياسة تتكلم فتثير فوضى، مُتخصصة تخدير توجّه الشعب، مدير مكتب الرئيس الأمريكي يقتبس تصريحاته من فيلم “انقاذ الجندي رايان” (1998).

إن فيلم “لا تنظر إلى الأعلى” فرصة للضحك على حجم غباء الجمهور. قبل أن تشاهد الفيلم تذكر رعبنا في 2020:

كل مواطن حاذق يستخدم يده اليسرى للمس الأسطح المشكوك فيها بنقل العدوى، ويستخدم اليد اليمنى للمس أنفه… حينها اقترح الرئيس الأمريكي نقع رئات المرضى في جافيل.

قبل الحجر الصحي الشامل في منصف 2020، من كان يتصور احتجار مليارات البشر خوفا من فيروس تبلغ نسبة الشفاء منه 98.5%؟

من يستحق أن يدير رغبات ومخاوف الجمهور، العلماء أم السياسيون؟

هل الذين يقولون الحقيقة في جمل طويلة أشبه بمتاهة أم الذين يعرفون ضبطَ وتوجيه الرغبات والمخاوف للسيطرة عليها بجمل قصيرة شعاراتية؟
تقدم ميريل ستريب وكيت بلانشيت شخصيتين في أقصى درجات الوقاحة… زعيمة السياسيين وزعيمة الإعلاميين في توافق تام. بعد كل حماقة تطلقان ضحكة بلهاء لإخفاء حجم الاحتقار… هذا ما يستحقه شعب فيه من الحمقى أكثر العقلاء حسب ثيربانتيس، وهذا الفيلم هو عينة أخبار الحمقى والمغفلين الذين تولوا أدارة الأزمة وعينة من ضحاياهم، أي نحن.

فيلم يجري على الهواتف والحواسيب… هنا يقضي البشر جل وقتهم… ينقل إعلامُ المرحلة الخطر بلغة شعرية: لإنقاذ الكرة الزرقاء، تحلق الملائكة في السماء، يجري تصحيح المسار… استولت شركة اتصال على الخطر لتستثمر فيه فتولد سياق غريب… فقد البروفيسور الفلكي موقعه لصالح رجل الأعمال… صار الخطر فرصة تسوق… التسويق هو كل شيء… هذا عصر رجال الأعمال… الأوغاد أكثر قوة…

قدم الفيلم كيت بلانشيت وميريل ستريب في أداء كوميدي عميق أنقذ فيلما يشبه ربورتاجا في أخبار الظهيرة عن أمريكا الترامبية الشكاكة في العلم والمحتفية بالديماغوجيا على مواقع التواصل الاجتماعي… التواصل الاجتماعي هو التافه، أما التطبيقات في الهواتف فهي مجرد صفحات بيضاء تعرض المحتوى ولا تخترعه… وأهم محتوى يسلي الجميع هو أخبار الفضائح الجنسية… وهذا أهم من أي اختراع أو اكتشاف علمي… تتغذى وسائل الإعلام من هذه التفاهة لتحقيق أعلى مشاهدة.

إن الفيلم محاكاة ساخرة للتغطية الإعلامية عن رعب مجهول، هزمت التفاهةُ العلمَ في مواقع التواصل الاجتماعي… استثمر الفيلم علم نفس الجموع وأظهر كيف ينتشر الرعب بسهولة بين القطيع حسب غوستاف لوبون. القطيع غبي. الفيلم فرصة لاختبار صورة الشعب. عندما يزعم معلق سطحي أن الكوميديا تستغبي الشعب. يفترض هذا أن الذكاء يسيل في الأزقة والشوارع. طيب كم كمية الذكاء التي صادفتها هذا اليوم في طريقك؟

قال ثيربانتيس: “لا يباع الكِتاب إنْ لم يكن لاذعا” (الدون كيخوته ص 974)، وكذلك الفيلم يؤثر حين يكون لاذعا. هذا فيلم كوميديا سياسية تحاكي موضوعها لتفجره وتفضحه… هناك بحث مقصود عن هجاء سياسي حاد لما يجري دون تركيز كبير على الأناقة الفنية… هذا سوسيولوجيا عنيفة حتى لو قيل بطريقة مباشرة وغير فنية في الحوار. المهم هو الأثر النفسي. تفقد السخرية مفعولها حين يتجاوزها الواقع. لا يمكن للفن أن ينافس ويتجاوز قتامة الواقع إلا بالسخرية، يوصي الفيلمُ المتفرجَ: لا تنظر إلى الأعلى، انظر فقط إلى من هم أسفل منك وسترتاح.
صارت المصيبة مشهدا تلفزيونيا مدهشا… يضحك المتفرجون من رعب الكومبارس في البلاد وفي الفيلم.

إن الفكاهة خطيرة لأنها تتفّه الموت، تحوله إلى سخرية، ولهذا سوابق، فبعد الطاعون الأسود عام 1346م ظهرت قصص “الديكاميرون” الساخرة لبوكاشيو عام 1353م، بعد كورونا الأخضر جاء فيلم “لا تنظر إلى الأعلى” للسخرية من أساليب السياسي الحكيم الذي يطمئن الناس، يبث رسالة أمل مُخدرة… في المقابل يشعر العالم المتخصص بالقلق ثم بالإهانة، لأنه “يؤخذ على قدر عقله”. يشرح له الزعيم السياسي أن المهم هو الأمن وضبط القطيع وليس إثبات الحقائق… بعدها فوجئت العالمة الباحثة عن الحقيقة بأن والديها يصدقان الزعيم السياسي ويكذبانها… فتقرر أن تعيش حياتها بدلا من انتظار الموت.

لذلك ليبارك الرّب هذا المجتمع. ليبارك الرب كل من شعروا بأن مستوى الفيلم ارتفع في النهاية، ففي نهاية الفيلم انعزلت النخبة لتتعشى بسلام بعيدا عن الجموع، كان ذلك العشاء الأخير للرواقيين الذين لم تسبق لهم الصلاة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى