العيوض يوثق التاريخ “من سلا إلى شالة”

“من سلا إلى شالة”، يبحث كتاب جديد في تطور موقع شالة عبر التاريخ، من الفترة المورية إلى الحقبة الإسلامية، وتخطيطه الحَضري، ونتائج البحث الأثري فيه، ومناطقه التاريخية المعتمة.

عن منشورات جمعية رباط الفتح للتنمية المستديمة، صدر هذا المؤلف بعنوان “من سلا إلى شالة.. ذاكرة مدينة”، للباحث سيدي محمد العيوض، بتقديم رئيس الجمعية عبد الكريم بناني.

وينبه الباحث إلى أن إقامة المدن تراعي عدة عوامل، فقد تنشأ فوق موقع سابق، وهي حالة أغلب المدن المقامة على أرض المغرب القديم، وقد يكون للأودية دور في تحديدها وتطورها؛ لأن العديد منها ازدهر وتطور بفعل المبادلات النهرية، فضلا عن ارتباط مصير مدينة من المدن بعلاقتها مع المدن الأخرى الموزَّعة في المجال نفسه.

ويذكر عيوض أن اسم “شالّة” “يمكن أن يكون مشتقا من الاسم الفينيقي سلا، الذي يعني صخرة، كما قد يرتبط بعبارة سيل ‘Celle’ التي تعني الكثير”، مشيرا في هذا السياق إلى التطور الذي عرفته تسمية وادي أبي رقراق، الفاصل بين مدينتي سلا والرباط؛ من “وادي سلاتْ”.

ويتابع الباحث: “كان لمصب أبي رقراق دور كبير في تطور مدينة سلا منذ بداياتها الأولى، وعلى الرغم من المشاكل التي يطرحها تجمع الرمال عند مصبه، إلا أنه شكل مرسى آمنا للسفن القادمة من عدة نقط”، وأشار في هذا السياق إلى دور هذا الوادي في أحداث عرفتها البلاد، مستشهدا بالمؤرخ مارمول كربخال الذي كتب أن “مصب أبي رقراق كثير الأخطار على السفن، حتى إن السكان يستعملونه وسيلة للدفاع ضد النصارى…”، ومستحضرا أيضا ما كتبه حسن الوزان: “… ولولا صعوبة هذا المدخل لما احتفظت المدينتان بحريتهما، ولاستحال الدفاع عنهما ضد أصغر أسطول لأي ملك مسيحي”.

ويسجل الكاتب ذاته أن من شواهد الاستقرار الأولى في سلا، قبل وصول الفينيقيين، “العديد من حجر السيليكيس، منها أدوات موستيرية وسيليكس تعود للفترة النيوليتية”، ثم استدرك قائلا: “اعتبر عدد من الباحثين أن المدينة في مراحلها الأولى كانت توجد من دون شك فوق مركز فينيقي، أقيم على موضع الأوداية”.

وتمتد الفترة القديمة لموقع شالة الأثري، وفق المؤلف، بين الفترتين المورية والرومانية؛ أي “بين القرن الثامن والسابع قبل الميلاد إلى القرن الثالث الميلادي؛ ثم تلت هذه الفترة فترة رومانية متأخرة وفترة إسلامية”؛ لتكون المدينة بذلك “حاضرة مورية ورومانية وإسلامية”.

موقع شالّة صنف برسم ظهير 19 نونبر 1920، خلال الاحتلال الفرنسي، بوصفه “آثارا تاريخية”، عرفت، أيضا، باسم “مقبرة شالة”؛ بفعل “تحول الموقع إلى مقبرة خلال الفترة المرينية”.

هذا الموقع الجغرافي الواقع بين ليكسوس (العرائش) وموغادور (الصويرة) جعل من هذه الحاضرة، حسب المصدر ذاته، “محطة مهمة على الساحل الأطلسي بالنسبة للتجار الفينيقيين”.

ويذكر كتاب “من سلا إلى شالة” أن بومبينوس ميلا كان أول من أشار إلى سلا مع جيلدا وفوليبيليس وليكسوس؛ ووطّنها بجوار البحر وصنّفها من ضمن المدن المزدهرة في موريطانية، ووضعها بلينيوس القديم على ضفاف نهر من الاسم نفسه؛ وارتبط اسمها عنده بوادي سلات الذي توجد المدينة على إحدى ضفتيه، كما ذكر أنها “مجاورة للصحاري، وتكثر بها قطعان الفيلة”، ولا ترد عند الجغرافي رافينا إلا عبارة “سالنسيس”، في وثيقة إدارية رومانية تعود إلى نهاية القرن الرابع الميلادي.

إضافة إلى هذه النصوص الأدبية القديمة، يضيف الكتاب: “احتوت العديد من النقود البونية المكتشفة بالموقع على إشارة للمدينة تحت عبارة سالت (Salt)”.

ويذكر الباحث أن ما يبرز الأهمية التي كانت لمدينة سلا، خلال الفترة الرومانية، أنها “بقيت تحت سيطرة الرومان حتى بعد الجلاء عن القسم الجنوبي من البلاد خلال نهاية القرن الميلادي الثالث”.

وفي المصادر الإسلامية، كتب ابن حوقل أن “بِسله رباط يرابط فيه المسلمون، وعليه المدينة الأزلية المعروفة بسلة القديمة وقد خربت”. ويسجل البكري أن بـ”وادي سلى” مدينة “أولية … آثارها قائمة تسمى شالة”. وفي الاستبصار يُكتَب: “مدينة سلا: اسمها بالعجمي شالة، وهي مدينة أزلية فيها آثار للأول؛ وهي معروفة بضفة الوادي…”.

أول حفريات موقع شالّة كانت سنة 1929، وتلته أُخر. ويبسط الكتاب البنايات المكتشفة المورية والرومانية والإسلامية، علما أن ما عرف عن الفترة المورية في الموقع “يبقى في مجمله محدودا”. ويتشبث محمد العيوض في ختام كتابه بكون “البحث الأثري هو الكفيل بالإجابة عن العديد من الأسئلة المطروحة”.

وفي محاولة لـ”حل لغز عدم الوقوف إلى حد الآن بالموقع على آثار لبنايات متقدمة عن القرن الثاني قبل الميلاد”، قدمت دراسات أورد ذكرها المؤلف “إمكانية طرح مسألة تحديد موقع شالة الأول على ربوة الأوداية. لكن ذلك يبقى مجرد احتمالات تحتاج لمعطيات تؤكدها”.

ويذكر الكتاب أن المصادر التاريخية سجلت عدد منها أن دخول شالة كان خلال القدوم الثاني لعقبة بن نافع (681 م)، ثم “مع وصول الأدارسة كانت المدينة أولى المدن التي أخضعوها بعد الاستقرار، ووضع قواعد ملكهم بوليلي”.

ثم صارت المدينة في العهد المرابطي “أحد المراكز المهمة في هذه الجهة، إلا أنها عانت من الحروب التي كانت لهؤلاء مع بورغواطة”، وهو ما ألحق بها الخراب في كثير من أجزائها على الرغم من محاولات المرابطين إعادة إعمارها. ويضيف المؤلف الجديد: “كان لبناء مدينة الرباط تأثير كبير على شالة، إذ انتقل عدد من حرفيّيها وصُنّاعها تدريجيا إلى هذه الحاضرة الجديدة”.

هذا التحول “كان له تأثير واضح على نشاط شالة؛ إذ أصبحت مع مرور الزمن ثكنة للجيش”، لتصير، رغم محاولة يعقوب المنصور إعادة ازدهارها، “مدينة للأموات”، مع نهاية القرن الثالث عشر؛ حيث ضمت “مقبرة ملكية للأسرة المرينية، أقيمت على معسكر جهاد سابق”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى