حياة القطط في الأفلام السينمائية .. ثلاثية الطيب والساحر والمتحول

لطالما كانت صورة القطة غامضة بقدر ما هي رقيقة باعتبار الخرافات التي تدور حولها، مثلها مثل مقاطع الفيديو المتداولة على الإنترنت التي تدعو إلى العشق بجمالها، لأنه إذا كان هناك مكان تحظى فيه بشعبية حقيقية فهي شبكات التواصل الاجتماعي.

نحن مدينون بإعادة النظر في صورة القط إلى حد كبير إلى المصور والتر شاندوها (1920-2019)، المعروف باسم “مصور القطط”. لأكثر من 70 عامًا، كرّس والتر شاندوها نفسه لتسليط الضوء على كل ملامح هذه الحيوانات في آلاف الصور- التي جمعتها بعد وفاته تاشن في كتاب “القطط” (2019)- والتي أعادت تعريف خيالنا البصري والطريقة التي نراها بها.

يستمر تمثيل القطة طويلًا في السينما مثل تمثيل الإنسان، حيث كانت محور الاهتمام في فيلم “ملاكمة القطط” (1984)، وهو فيلم قصير عن صراع قطتين. كما في فيلم “القطة المريضة” (من إخراج جورج ألبرت سميث/ 1903)، وهو فيلم قصير تتم فيه رعاية قطة مريضة من قبل أصحابها، والتي من المفترض أن تكون مقدمة رائعة لقصة الفيلم. من هنا كانت رحلة السينما مع القطط بأشكال وتمثلات ثقافية ورؤى مختلفة ضمن إطار كبير: الحيوانات في السينما (مقال نشر سابقا في LE7.ma)، التي لا تخلو من صراع طويل بين الخير والشر ومن رؤى إبداعية عبر مجموعة من التقاطعات والتمفصلات التاريخية..

في معظم الأوقات يتم تمثيل القطط فقط كشخصيات ثانوية مع هالة من الظلام والتحولات والبناءات السردية- كما هو الحال في فيلم “القط الأسود” (1990)- أو مع ادعاءات بشرية مفترضة، ومع ذلك صنعت القطة في السينما تاريخها كما صنعت أيضا تاريخها الفيلمي الخاص بها.

القطط في السينما.. من التخيلي إلى الوثائقي:

كان الفيلم القصير الذي يحمل عنوان “القطة المريضة” (1903) بمثابة علامة على الظهور الأول للقطط في الشاشة الكبيرة. يروي الفيلم قصة قطة مريضة تُركت تحت مسؤولية طفلين صغيرين. بهذا الإنجاز الفيلمي عبرت السينما عن حضور القطط في السينما بأكثر من جنس سينمائي: تخيلي وثائقي ورسوم متحركة وسينما الخيال العلمي…

في الفيلم القصير الروائي “الحياة الخاصة للقط” (1946) من إخراج المخرجين مايا ديرين وألكسندر حميد، يتتبع الفيلم حياة قطتين على وشك تكوين أسرة، مع الاستخدام الرائع لوجهة النظر. يبرز هذا الفيلم لإظهار حياة هاتين القطتين بطبيعية رائعة وبصور مثيرة للإعجاب مثل تلك الخاصة بالقطط التي تلد صغارها.

لقد سكنت القطط ما يعرف الآن بإسطنبول منذ آلاف السنين، وشهدت صعود وسقوط الإمبراطوريات؛ والمدينة تضمحل وتزدهر، هكذا يبدأ هذا الفيلم الوثائقي “كيدي” (إنتاج 2016/ إخراج سيدا تورون)، الذي يسعى إلى تصوير الحياة اليومية لآلاف القطط الضالة التي تجوب شوارع إسطنبول. يمثل فيلم “كيدي” انعكاسًا للخلفية الاجتماعية والفلسفية وحتى الدينية التي أحاطت بقطط المدينة. فيلم بمتعة بصرية رائعة ولقطات نادرة قريبة عن علاقة الإنسان بالقطط بشكل حميمي.

فيلم قصير آخر بعنوان “Zgougou” للمخرجة الشهيرة أنيس فاردا هو رسالة حب لقطتها Zgougou، التي تعرفها بأنها ملكة جميلة ومهيمنة. يُظهر لنا الفيلم نوعا من التقدير الكبير من خلال مشاهد متعددة لهذه القطة الجميلة على شاشة الكمبيوتر، حيث تسيطر عليها، ومن خلال صناديق وطاولات الأكل، وبجوار المخرج جاك ديمي الذي يمكن رؤيته هناك.

فيلم وثائقي أخر بعنوان “أصعب قطة تعمل في مجال الترفيه” (2020) للمخرجة صوفيا بوهدانوفيتش، تحقق في شخصية قطة أورانجي، الشهيرة التي شاركت في أفلام جاك تورنور وفي كلاسيكيات سينمائية مثل “الإفطار في تيفاني” (1961). تبدو القطة أليفة لا تنسى، وتظهر حتى أثناء القبلة العاطفية للأبطال في المشهد الأخير، وهي نفسها في الفيلم “الرجل المتقلص المذهل” (1957).

قطط السحر والشر والموضة:

من المستحيل نسيان قط شيشاير الملتوي الذي يسلي شخصية أليس في فيلم “أليس في بلاد العجائب” (1951) بمقترحات ومخرجات فلسفية. قط ملون سمحت له قدرته السحرية بالظهور والاختفاء حتى صارت ابتسامته العريضة بالكاد مرئية.

تألقت هذه القطط في أحد المشاهد التي لا تُنسى من هذا الكلاسيكو الإيطالي في فيلم “الحياة الجميلة” (1960). القط الأبيض الذي يؤذي شخصية مارسيلو ماستروياني عندما يمشي مع شخصية أنيتا إيكبرج، بعيدًا عن معاقبة الهرة الصغيرة التي تطلب السيدة الجميلة من شريكها إيجاد الحليب لإطعامها.

يظهر القط الرمادي الوسيم لدى شخصية العراب كورليوني في المشهد الافتتاحي لفيلم “العراب” (1972)، هذا الكلاسيكي الذي لا يُنسى. يضع الأسطوري فيتو كورليوني حيوانه الأليف على مكتبه، ونحن نتابع تلك العناية الفائقة بهذا الحيوان وكيف يتعامل معه. بعد فيلم “العراب” تحولت موضة القط الوسيم ذي الشعر الرمادي إلى موضة في العديد من الأفلام العالمية ترمز إلى الفخر والأبهة والكبرياء وعوالم المافيا، وماركة مسجلة لهذه المشاهد التي لا تخلو من تأثيث بحضور هذا الحيوان المدلل عند الكثيرين. كما تحولت قصص القط طوم والفأر جيري في السينما المتحركة والروائية إلى رسائل مشفرة تحمل أبعاد سياسية واجتماعية…

القط اللص والمشاكس:

تعددت الأفلام التي منحت القط أكثر من صورة وأخرجته من الصور النمطية باعتباره فقط قطا مطاردا للفئران، بل إلى صور تعكس تحوله في السينما، ففي سينما الخيال العلمي وسينما التحريك يخرج القط عن الصور النمطية المألوفة ليصبح قائد السفينة والموجه والمشاكس والمتمرد وليصبح رئيس العصابة والماكر واللطيف والساحر والمتعجرف… وليصبح حاملا لهوية الشخص الذي يطارد الشرور وينتقم منها، بل يتحول إلى القط الميكانيكي والقط الآلي القادر على الطيران والقادر على حمل الأسلحة لمواجهة الصعاليك والمحب العاشق الذي يعمل على إنقاذ الأرض من المخربين والغزاة والأشرار.

في فيلم “أوليفر وعصابته” (1988) للرسوم المتحركة، نلتقي بالقط الساحر أوليفر، الذي قاده مصيره للانضمام إلى عصابة من اللصوص. ومع ذلك، تتغير حياته بشكل جذري عندما يتم تبنيه من قبل فتاة غنية رائعة يتم اختطافها. عندها يظهر أوليفر الشجاع أن لديه روح بطل القادر على تخطي الصعاب.

القط الخمول:

كثيرا ما أظهرت السينما القط الخمول غير القادر على الحركة والمتكاسل في العديد من الأفلام، من بينها “غارفيلد” للمخرج بيتر وويت (80 دقيقة/ الولايات المتحدة الأمريكية/ 2004/ النوع رسوم متحركة).

لا يمكن أن تكون الحياة أحلى لغارفيلد، القط الذي يعشقه الجميع. على أريكة مريحة أمام التلفزيون، يلتهم قطعة جيدة من اللازانيا (طعامه المفضل) ويسخر من مالكه المنزعج، جون (بريكين ماير). يشعر غارفيلد بأنه المالك لعالمه. حينما يلتقي بالكلب أودي الساذج، ينقلب عالم غارفيلد المثالي رأسًا على عقب. لكن حينما يختفي الكلب أودي في براثن الشرير المحلي الشهير هابي شابمان (ستيفن توبولوفسكي)، يشعر غارفيلد بالمسؤولية عن مصير الآخرين. بفضل طاقة غير عادية وغير متوقعة وشجاعة كبيرة وكرم عظيم، يتمكن من التخلي عن حياته البطيئة واتخاذ الإجراءات اللازمة في أكثر المهام المستحيلة احتمالا: إنقاذ أودي وأصدقائه.

المرأة/ القطة.. المسخ والتحول:

الفيلم الإسباني “القطط” من إخراج توم هوبر وبطولة فرانشيسكا هايوارد وإيان ماكيلين وتايلور سويفت… صحيح أن الفيلم يتتبع هيكل العمل الموسيقي الذي يتمثل في تقديم القطط نتيجة الأغاني، لكن يتم تقديم القطط/ الإنسان في هذا التحول بطريقة فجة وبدون بعد وبدون عمق حكائي وفلسفي. بصريا، المشاهد جيدة ومعبرة مع تصوير مزركش بالألوان وبإطارات تولد منظورات دينامية ومعبرة للغاية، لكن قصة الفيلم لا تكاد تمنحنا أي شيء، لدرجة أن بقية الفيلم لا شيء، مجرد قطط آدمية ممسوخة.

فيلم “المرأة القطة” (1992) يعتبر من أكثر الأفلام التي مزجت هذا التحول/ المسخ بين المرأة/ القطة للانتقام من الأشرار وبين رغبتها العاطفية وكينونتها الإنسانية. هو فيلم يمزج بين الخيال والواقعية وبين عالم الأبطال الخارقين. تسليط الضوء على التفسير المستحق لميشيل فايفر، على الرغم من أن تحولها يوقظ الكثير من القسوة ولذة الإغراء، فإن القطة تمنح الشجاعة الكافية التي تحتاجها لمواجهة مصاعب الحياة.

أبدعت السينما في تحويل حياة القطط إلى تحف سينمائية تمزج بين الدراما والكوميديا والتراجيديا وتستلهم البعد التاريخي والنفسي والعلاقات الاجتماعية في سرد فيلمي يعكس الكثير من الجوانب الحياتية لعلاقة القطط بالإنسان في قوالب إبداعية عبر متاهات السينما التي لا تعوزها الحيلة لتفكيك طلاسم هذه العلاقة في أكثر من بعد ومسار…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى