الاعتقال الاحتياطي بالمغرب .. عقاب بلا إدانات وضحايا دون تعويضات

هل تخيلت يوما أن تقضي أشهرا داخل السجن دون ذنب اقترفته أو جريمة ارتكبتها؟ يبدو الأمر غير منطقي، لكن ماذا لو علمنا أن هذا حال الآلاف من الذين يدخلون السجن ثم يغادرونه بحصولهم على البراءة.

إحدى القواعد القانونية الذهبية تنص على أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته، لكن الكثيرين يقضون عقوبة حبسية في إطار الاعتقال الاحتياطي قبل أن يحصلوا على البراءة، فتنقلب هذه القاعدة ويصبح المتهم مدانا حتى تثبت براءته.

ويعتبر الاعتقال الاحتياطي في المغرب واحدة من الإشكالات التي تواجه منظومة العدالة في البلاد، فرغم أن المشرع المغربي جعل من الاعتقال الاحتياطي “تدبيرا استثنائيا” يتم اللجوء إليه في حالة التلبس، وخطورة الفعل الجرمي، وانعدام ضمانات الحضور، وتوفر دلائل قوية على ارتكاب المشتبه فيه للجريمة، إلا أن الأرقام التي تكشفها المندوبية العامة للسجون وإعادة الإدماج تشير إلى أن 45 في المائة من العدد الإجمالي للسجناء، البالغ إلى غاية نونبر 2021 ما مجموعه 89731 سجينا، معتقلون احتياطيا، أو أنه لم يصدر بعد حكم نهائي في حقهم.

كما تشير المعطيات الرسمية إلى أن أكثر من 20 في المائة من حالات الاعتقال الاحتياطي تنتهي بأحكام البراءة

عقوبات بلا جرائم

لم يكن “بدر” (29 عاما)، ابن مدينة الدار البيضاء، والمعروف بحسن سيرته بين أصدقائه، يتخيل يوما أنه سيكون واحدا من الساكنة السجنية، إلى أن حل ذلك اليوم المشؤوم الذي يتذكره بتفاصيله.

“كنت مع صديق لي نتبادل أطراف الحديث صباح يوم من سنة 2017 بالقرب من إحدى المناطق غير المأهولة القريبة من حينا؛ حينها كان أحد الأشخاص يقوم بحرق الأسلاك النحاسية المسروقة، وفجأة حضرت سيارة الشرطة واقتادتني أنا وصديقي، فيما لاذ الفاعل الحقيقي بالفرار”، يحكي بدر في حديث مع LE7.ma، ويضيف: “وجدنا أنفسنا متهمين بسرقة الأسلاك النحاسية، وتم تقديمنا أمام الوكيل العام للملك، الذي أحالنا مباشرة على سجن عكاشة”.

وتابع المتحدث ذاته: “وجدت نفسي في وسط لا علاقة لي به، بين كبار المجرمين، كما أن ظروف السجن كانت سيئة جدا، إذ بقيت أفترش الأرض لمدة شهر”؛ ورغم تقدمه بطلب للسراح المؤقت عن طريق محاميته لأكثر من مرة، إلا أن طلبه كان يرفض دوما، مشيرا إلى أنه قضى 6 أشهر و20 يوما بالتمام والكمال قبل أن يحصل على البراءة أمام محكمة الاستئناف بالدار البيضاء.

يؤكد بدر أن هذه الحادثة كان لها تأثير كبير على مساره، فقد انقطع عن دراسته، بعدما كان قاب قوسين من الحصول على دبلوم في شعبة المعلوميات من أحد معاهد التكوين المهني، لكن أكثر ما يحز في نفسه تلك المعاناة التي كانت تتكبدها أسرته، خاصة والدته، ويتابع: “أكثر ما يحز في نفسي كذلك أنني قضيت عقوبة حبسية رفقة صديقي الذي كان لاعب كرة قدم في أحد الفرق البيضاوية، بينما الفاعل الحقيقي مازال حرا طليقا”.

ويبدو أن الارتفاع الكبير للاعتقال الاحتياطي في المغرب يعود إلى عدة عوامل، أهمها السلطة التقديرية الممنوحة للنيابة العامة وقاضي التحقيق.

في هذا الصدد، تؤكد المحامية والنائبة البرلمانية لبنى الصغيري أن النيابة العامة وقضاة التحقيق يلجؤون كثيرا إلى الاعتقال خوفا من تحمل المسؤولية.

وتضيف الصغيري، في تصريح لLE7.ma: “قضاة التحقيق لا يستعملون صلاحيتهم ويحيلون الملفات على الجلسة العمومية خوفا من تحمل المسؤولية، والحال أنهم مطالبون بتفعيل صلاحيتهم في التحقيق والتحري وفحص الأدلة وتقصي الحقيقة”، وتابعت: “المطلوب أن يكون قاضي التحقيق جريئا ويستعمل الصلاحيات التي منحها له المشرع بدل الاكتفاء بالمتابعة”، مشيرة إلى أن “هناك من يقضي عامين في السجن قبل أن يحصل على البراءة، وهذا يضرب في الصميم قرينة البراءة التي ينص عليها الدستور والقانون”.

كما تعتبر المحامية ذاتها أن “المتابعة في حالة سراح هي الأصل، وهو ما يشكل ضمانة للمتهمين من أجل تقديم أدلة براءتهم، وكذا التواصل بحرية مع دفاعهم، وهو ما يضرب حقوق الدفاع كذلك”.
وتتعدد قصص المعتقلين احتياطيا الذين حصلوا على البراءة، لكن المعاناة واحدة.

محمد بوطعام، صحافي ومدير موقع محلي بتزنيت، واحد من هؤلاء الذين تعرضوا للاعتقال قبل أن يحصل على البراءة؛ لم يخف في تصريح لLE7.ma إحساسه بالظلم ورغبته في مقاضاة الدولة المغربية من أجل الحصول على تعويض جراء ما طاله، إذ قضى 10 أيام في الاعتقال الاحتياطي.

بدأت قصة بوطعام في ماي الماضي حينما تقدم شخص بشكاية ضده يتهمه فيها بالتشهير؛ لكن المتهم يعتبر أن الشكاية التي وضعت ضده كانت “كيدية من أحد أذرع لوبي العقار في المنطقة”، إذ إن كتاباته “كانت مصدر إزعاج لجهات متعددة في المنطقة”.

وإذا كان عدد من الذين قضوا أشهرا أو سنوات من الاعتقال الاحتياطي تنتهي قضاياهم بالبراءة، فإن بعضهم تتم إدانتهم، لكن بمدة أقل من التي قضوها وراء القضبان، كما هو الحال بالنسبة لفاطمة الزهراء، وهي شابة بمدينة الدار البيضاء كانت ضحية خلاف مع زوجها، انتهى باتهامها بتسليمه شيكا بدون رصيد.

فاطمة الزهراء أكدت في تصريح لLE7.ma أنها أدينت بستة أشهر حبسا، لكن حينما صدر الحكم كانت قد قضت 6 أشهر و13 يوما.

وتؤكد فاطمة الزهراء أنها كانت ضحية فخ نصبه لها زوجها السابق من أجل الانتقام منها بسبب خلافات عائلية، لكنها استغربت متابعتها في حالة اعتقال رغم توفرها على جميع ضمانات الحضور.

من يعوض الضحايا؟

خلال السنوات الأخيرة، أصبح موضوع الاعتقال الاحتياطي يفرض نفسه بقوة على أجندة الفاعلين السياسيين والمؤسساتيين في المغرب، وتعالت أصوات كثيرة تطالب بترشيد هذا النوع من الاعتقال، بما يحمي قرينة البراءة، ويخفف من الاكتظاظ داخل السجون.

كما يطالب العديد من السياسيين والمهتمين بإصدار قانون يهم التعويض عن الاعتقال الاحتياطي غير المبرر.

وفي هذا الصدد، قدم فريق التجمع الوطني للأحرار بمجلس المستشارين مقترح قانون ينص على أنه “يحق لكل من قضى مدة تفوق 48 ساعة على الأقل في الاعتقال الاحتياطي، وحكم عليه بالبراءة أو تم الإفراج عنه دون متابعة، أن يطلب داخل أجل سنة من تاريخ الإفراج المذكور الاستفادة من تعويض كلي عن الضرر المادي والمعنوي المترتب له بسبب هذا الاعتقال الاحتياطي”.

ويرى العربي ثابت، الكاتب العام للعصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، أن “ما يحتاجه المغرب هو تبسيط مساطر التقاضي أمام المحاكم الإدارية، بما يضمن لضحايا الاعتقال الاحتياطي المطالبة بالتعويض”، ويضيف استنادا إلى الفصل 122 من الدستور، الذي ينص على أنه “يحق لكل من تضرر من خطأ قضائي الحصول على تعويض تتحمله الدولة”، أنه “يمكن لكل متضرر أن يلجأ إلى القضاء الإداري، إلا أن رفع دعوى أمام القضاء الإداري يتطلب التوفر على محام، وهو ما لا يكون في مقدور العديد من الأشخاص”.

ويتابع المتحدث ذاته: “يجب أن توسيع نطاق المساعدة القضائية لتشمل المحاكم الإدارية، بما يتيح للمتضررين الانتصاب أمامها من أجل طلب التعويض”.

أما المحامية لبنى الصغيري فتعتبر أنه “حان الوقت لكي يحصل ضحايا الاعتقال الاحتياطي على تعويض مادي تتحمله الدولة”، مضيفة أن “التبعات النفسية والاجتماعية للاعتقال لا يمكن تخيلها”.

وأردفت المتحدثة: “لو كانت الدولة المغربية تدرك أن الأظناء يمكنهم الحصول على تعويض بعد الحكم عليهم بالبراءة لقلت نسبة الاعتقال الاحتياطي، لكن هناك تخوفا آخر من أن يعمد القضاء إلى عدم منح البراءة للمتابعين خشية حصولهم على التعويض في ما بعد”، معتبرة أن “هذا الملف يقتضي مقاربة شمولية وجرأة من جميع المتدخلين في منظومة العدالة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى