‪مؤلف جماعي يُقلّب النظر في مجال وتراث وتاريخ القبيلة المغربية‬

صدر حديثاً عن “مركز رؤى للدراسات والأبحاث” بمكناس الجزء الثاني من كتاب “مغرب التنوع”، تحت عنوان “القبيلة المغربية: المجال والتاريخ والتراث”، وهو خلاصة أبحاث مجموعة من الأساتذة الجامعيين والشباب الباحثين حول تاريخ القبيلة المغربية من منظور تاريخي وجغرافي وسوسيولوجي، إضافة إلى وجهة النظر الكولونيالية.

وأشرف على مراجعة وتقديم الكتاب الدكتور محمد دحمان، بصفته أستاذا في علم الاجتماع والثقافة الحسانية في جامعة ابن طفيل بالقنيطرة، فيما نسق مضامينه كل من الباحثين جواد التباعي وعبد العالي المتليني ورضوان عساسي ومولاي الزهيد علوي.

وينطلق محمد دحمان من مقولة المفكر عبد الله العروي في كتاب “من ديوان السياسة” التي مفادها: “… كل بلد ينتمي كليا أو جزئيا، قديما أو حديثا، إلى عالم العروبة والإسلام لا تفهم أوضاعه السياسية إلا بالرجوع إلى الذهنية القبلية”، من أجل وضع القارئ في السياق العام للمؤلف الجماعي.

بذلك، يضيف الباحث، ضمن كلمته التقديمية، أن “القبيلة تعد ظاهرة اجتماعية ذائعة الصيت وشغلت بال المفكرين والعلماء على الأقل منذ ‘مقدمة’ عبد الرحمن بن خلدون إلى حدود الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية المعاصرة؛ ومن هنا نلاحظ أن العلماء والباحثين اختلفوا في تعريفها تبعا لخلفياتهم الفكرية والإيديولوجية، وكذا حسب الفترة التي عاشوا فيها”، ويزيد: “الأساسي هنا هو أن الأمر يتعلق بمجموعة من الناس تربط في ما بينهم علاقات قرابة أو تحالف في إطار مصالح أو منافع متبادلة؛ ومن هنا فهي تحدد انتماء الشخص أو العشيرة، ولذلك نرى أنه لفهم هذه الظاهرة لا بد من العودة إلى ماضيها، وهو ما دفع السوسيولوجي بول باسكون إلى القول إن ‘التاريخ وحده يعيننا في فهم القبيلة’ (بول باسكون، 1983: 148)”.

ويستطرد أستاذ علم الاجتماع بالقول: “لقد شكلت القبيلة الإطار السياسي والاجتماعي في تاريخ المغرب الذي احتضن جميع الفعاليات الاجتماعية، من انتماء وسياسة واقتصاد وتبادل وتعليم وزوايا…إلخ، بل إن البلاد المغربية تميزت بدينامية قبائلها، سواء على مستوى الحركية المجالية أو على مستوى الأنساب، أو على مستوى الحروب والتدافع الاجتماعي، إلى درجة أن القبيلة المغربية ليست محصورة داخل المجال الجغرافي المغربي فقط، بل نجدها ممتدة نحو المغرب الأوسط وبلاد الجريد وفزان والصحراء الإفريقية إلى حدود شمال نيجيريا”.

“هذه القبيلة ذات الطبيعة الدينامية تفند المقولة الاستعمارية التي اعتبرت القبيلة المغربية عبارة عن وحدات مغلقة منفصلة عن السلطة المركزية، بل ‘سائبة’ (dissidente)؛ والواقع أننا أمام قبيلة منفتحة على العالم الخارجي اضطلعت بأدوار كبيرة في التاريخ السياسي للمغرب، وفي المبادلات التجارية مع إفريقيا جنوب الصحراء، وشبكة الطرق الصوفية التي منبعها الزوايا، لكن ديناموها الحقيقي هو القبائل والزعامات القبلية؛ ناهيك عن الأدوار الطلائعية للقبيلة في مقاومة الاحتلال الأجنبي، أو في الحفاظ على اللحمة الاجتماعية وهوية الذات”، يردف الباحث عينه.

ويواصل دحمان بأنه “لا غرابة أن نجد غالبية الكتابات الأجنبية منذ القرن التاسع عشر إلى حدود استقلال المغرب اهتمت بشكل لافت بالقبيلة من حيث وزنها وإمكانياتها وبعلاقاتها بالمخزن أو بالزاوية، لكن الملاحظ بصدد الكتابات السابقة حول ظاهرة القبيلة، سواء كانت ذات طبيعة تاريخية أو سوسيو-أنثروبولوجية، أنها ركزت على السياسة وعلاقة القبيلة بالسلطة أو علاقتها بالاستعمار أو بالزوايا”.

وتؤكد الكلمة التقديمية أن “تراث القبيلة ظل على هامش اهتمامات العديد من الباحثين، بما في ذلك تدبير الموارد الرعوية، وإدارة المجالات الزراعية، وتدبير النزاعات، ومظاهر القرابة والتحالف، والقيم والعادات المتوارثة، وتثمين الثقافة غير المادية للقبيلة”.

والكتاب عبارة عن مجموعة أعمال تبين أن “القبيلة ليست مجرد موضوع ماضوي، بل هي كذلك ذهنية مازالت تحضر أو تبرز هنا أو هناك في شكل تعابير هوياتية جديدة؛ ذلك أننا مجتمعات مازالت لم تحسم مع الماضي، فكلما أردنا تثمين التراث، خاصة التراث غير المادي، كلما وجدنا رواسب القبيلة أمامنا لأنها كانت هي الحاضن لثقافتنا الجهوية والمحلية”، تبعا للأستاذ الجامعي.

وجاء هذا الكتاب في ثلاثة محاور تحاول تقليب النظر في “تراث القبيلة”، حيث غطى المحور الأول فترة العصر الوسيط من خلال قضايا الأضرحة والمزارات، والطب التقليدي، ونظم ملكية الأرض والضرائب بالمغرب؛ أما المحور الثاني فضمّ قضايا تهم القبيلة والمجال من خلال نظام الري عند القبيلة وتدبير الموارد المائية، وظاهرة المخازن الجماعية (إيكودار) ونظام استغلال أرض القبيلة؛ بينما ضم المحور الثالث ما يهم القبيلة كتنظيم وتراث.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى