الناجون من “جحيم تازمامارت” يطالبون بالحصول على معاشات

وضع صعب يطبعه انتظار تقاعد لم يأت يعيشه الناجون من معتقلي تازمامارت، السجن السري الذي دفن فيه لما يقرب عقدين العسكريون المشاركون في محاولتي الانقلاب على الملك الراحل الحسن الثاني.

هذا التقاعد الذي كان وعددا تكرر في سنوات الألفية الثالثة، أدى خلال شهور الجائحة الأولى إلى قطيعة ممثلي معتقلي تازمامارت السابقين مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وتعبيرهم عن استعدادهم للتحرك الاحتجاجي في سنة 2022، مع رحيل عاشر الناجين من تازمامارت عن دنيا الناس، وفي ظل عيش غالبيتهم ظروفا صعبة.

عبد الله أعكاو، رئيس جمعية قدماء تازمامارت، قال إن المعتقلين السابقين كانوا ينتظرون تقاعدهم، لكن “عندنا مشكل مع المجلس الوطني لحقوق الإنسان حاليا”. ثم أضاف: “نحن استثناء، فملفنا مستثنى من المعالجة من حيث الوضعية المالية والإدارية. جميع المعتقلين السياسيين في الوظيفة العمومية أخذوا تقاعدهم في عهد الوزير الأول عبد الرحمان اليوسفي، لكننا استثنينا، ويقال لنا أنتم عسكريون ولا تريد المؤسسة العسكرية صرف تقاعدكم”.

وتابع أعكاو في تصريح لLE7.ma: “لكننا اتفقنا في زمن إدريس بنزكري على أنه إذا لم ترد المؤسسة العسكرية صرفه، سيُتفاوض معنا سياسيا على تقاعدنا، وعندما ترأست أمينة بوعياش المجلس الوطني لحقوق الإنسان، قالت لنا سنجد حلا للقضية في الأسابيع المقبلة”.

وواصل المتحدث شارحا أن انتظار التقاعد يأتي رغم أن “هيئة التحكيم المستقلة التي كانت متخصصة في التعويض عن الأضرار الناجمة عن المعتقلات، أوصت بعدم إسقاط ما كنا نتقاضاه منذ سنة 1994، أي 5000 درهم، من المصالح الاجتماعية للجيش، لكن في سنة 2000 أخذنا تعويضا عن الأضرار الناجمة عن الاعتقال التعسفي، ومن المعتقلين من أطلق مشروعا، ومن بالكاد أعد منزلا وتزوج، وخلف أولادا ثم وجد نفسه حاْصلْ (في ورطة)”.

وذكر أعكاو أن “الخطاب الملكي قال بعدم اقتصار التعويض على الأضرار الناجمة عن الاعتقال، بل بتعديه إلى الإدماج الاجتماعي، بإعطاء ذوي الحقوق مبلغا وتشغيل أبنائهم إذا كانوا في وضع عطالة، وهو أمر سارٍ، لكن موظفي الوظيفة العمومية عندهم تقاعد، وسويت الوضعية الإدارية والمالية للمعتقلين المدنيين جميعهم، وهذا ما نطالب به”.

واستحضر المعتقل السياسي السابق ذكرى جاره الراحل في تازمامارت أحمد بوحيدة، الذي عاش بُعيد الإفراج عنه “وضعا صعبا، فمرض بالسكري، وأصابه الضر، وفتح متجرا لإصلاح الأواني، لأنه كان ماهرا في هذه الأشياء، ففي تازمامارت كان يخيط لنا الجلاليب والقفازات والقبعات من الفراش الذي كنا نلتحفه، في الظلام، فقد كانت أصابعه من ذهب”.

واسترسل أعكاو قائلا: “كان بوحيدة يصلح طناجر الضغط (الكوكوط) لدرجة أنه قال لي: عندما أحصل على عشرين أو ثلاثين درهما ما تقولْها لْحَدّ (ذاك يوم استثنائي)”. ثم استدرك: “مع ذلك كان عنده حس النكتة (…) لكنه كان يأخذ هذه المسألة بجدية، ويتصل بي حول مستجدات ملف التقاعد باستمرار، فقد كان يعيش وضعية مزرية”.

وفي ختام تصريحه لLE7.ma، أوضح رئيس “جمعية ضحايا تازمامارت” أن أعضاء الجمعية من المرتقب أن يجتمعوا من أجل اختيار شكل احتجاجي؛ لأن “الانتظار طال، والناس تموت، والأغلبية تعيش عيشة مزرية، ولهم أبناء ومشاكل عائلية جمّة مرتبطة بالحرمان من التقاعد الذي ما نزال نطالب به.”

بدوره، وصف المعتقل السابق بتازمامارت أحمد المرزوقي غياب التقاعد بـ”الغصة التي ما تزال عندنا”، مضيفا: “لا نتباهى بما عشناه، حاشى لله، لكن البشاعة التي مررنا بها يعجز الخيال البشري تخيلها، وما يؤثر فينا، كثيرا أن كثيرين ذهبوا بغصة القلب هذه وبهذه المرارة”.

وزاد كاتب “الزنزانة رقم 10”: “كيف يعقل أن معتقلين مدنيين (سياسيين) كانوا في سجون عادية (…) كان لهم الحق في الزيارة، والدراسة، والتلفزيون، والكتب، والأكل… فيما كنا في قبور، بعيدين عن النظام الذي يعيشونه بعد السماء عن الأرض”، دون تسوية وضعية الفئة العسكرية بعد.

وأردف المرزوقي قائلا: “طبعا، سينادي المخزن على بعض هؤلاء المعتقلين السابقين الذين أسميهم (اليساريين التائبين)، وذهبوا معه، وسووا ملفات أصدقائهم، على أحسن ما يرام، فيما نحن بقينا بدون تقاعد. هذا ظلم يهتز له عرش الرحمان”.

وتابع: “أعتقد جازما أن ما نعيشه ليس إرادة من المخزن، بل مِن عمل من تقلدوا مناصب كبيرة، من مجلس استشاري ومجلس وطني لحقوق الإنسان، ولم يقوموا بشيء لصالحنا، بل بالعكس همشونا”.

واستحضر المتحدث اسم أمينة بوعياش، رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، مسجلا أنه “عندما كانت مناضلة في المنظمة المغربية لحقوق الإنسان كانت تعرفنا جيدا، وكانت تستنكر ما نعيشه، وبعدها صارت رئيسة للمنظمة، وسفيرة، ورئيسة للمجلس، والتقتنا، طبعا في وظيفة أخرى بلهجة مغايرة، لكنها قالت كلمة طيبة هي أنها تعطينا كلمة شرف بأن ملفنا سيحل، بإحدى طريقتين، وطلبت منا عدم القيام بشيء في انتظار ذلك، قائلة إننا نشكل أولوية، فشكرناها، والتزمنا الصمت، لكنها بدأت في التملص شيئا فشيئا”.

وواصل المرزوقي: “ثم لما التقتنا، التقتنا بوجه آخر، وفي إمعان في الإهانة…”، قبل أن يسترسل شارحا: “التقانا مبارك بودرقة وعبد الحق المصدق، أنا وعبد الله عكاو، ممثلين عن جمعيتنا، وقال لنا إن الرئيسة ستلتحق بنا لأنها في اجتماع. بقينا نتحدث، فقال لنا إن في الاجتماع نقطتين: الذاكرة والتقاعد، وبدأ بالذاكرة وما سيتم في علاقة بتازمامارت لصيانتها، وتحفظت على نقطة فيما يتعلق بمشروع لوحة توضع فيها أسماء ضحايا المعتقل، فقلت لم لا يتم تدقيق هوية كل قبر، بالحمض النووي والأرشيف، وقال إن هذا لن يتم. أما فيما يتعلق بالنقطة الثانية، قال لنا إنه لا مجال بالمرة للحديث عن التقاعد، وسألناه لماذا، قال لنا لا يوجد تقاعد”.

هنا، يضيف المصرح: “جاءت الرئيسة، في بداية كورونا بكمامتها، ويظهر عليها أننا كنا ضيوفا ثقالا، ولم تكن على حالتها الأولى، وتركَت بودرقة يتحدث، ليقول إن المجلس يريد القيام بالتفاتة إنسانية، سماها هكذا، حيث نظرا لظروف الجائحة، قال سنبحث عن خمسة أو ستة، الأكثر هشاشة بينَكم، وسنصرف لهم مؤقتا 800 درهم شهريا”.

هنا، يقول المرزوقي: “قمت من مكاني، وقلت لصديقي هيا لنذهب إلى حال سبيلنا، وقالت لي السيدة أمينة بوعياش: (لا السي المرزوقي ما تقلّقشاي، ما زال نلتقي)، فقلت لها: لالة، نتلاقاو عند الحق سبحانه وتعالى”، ومنذ ذلك الوقت انقطع حبل التواصل.”

وتساءل المرزوقي في حديثه مع LE7.ma: “لا أفهم كيف أنه بعد قساوة العيش التي عشناها، ولم يعشها أحد، ونحن محسوبون على الجيش، ووضعنا في قبور لما يقرب عشرين سنة، ثم لا يعطونا بم نعيش؟ كيف يعقل أن الراحل بوحيدة يصلح الكوكوطات للناس حتى يعيش!؟”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى