كتاب جديد يشجع “التواصل الحضاري” بالنبش في “البرتغال الأندلسية”

اهتمام بجانب مغمور من ذاكرة الأندلس ينهض به كتاب جديد من توقيع الأكاديميين محمد العمارتي ومحمد القاضي، بعنوان “البرتغال الأندلسية الإسلامية من الفتح الإسلامي إلى السقوط”.

وفي أزيد من 500 صفحة من الحجم المتوسط، يبحث هذا الكتاب، الذي طبعه الأرشيف الوطني بأبوظبي، في الجهة البرتغالية من الأندلس التي ظلت “مهمشة، وبعيدة إلى حد كبير عن عناية العلماء والمؤرخين المهتمين بفترتها العربية الإسلامية، ولم تحظ عندهم بما حظيت به أختها الإسبانية، رغم غناها التاريخي والثقافي والحضاري”، وهو ما رافقه عدم إيلاء الاهتمام بـ”الروائع الإسلامية الأخرى القابعة في أراضيها، وعلى ترابها”.

ويبرز هذا المؤلّف الجديد “الدور الحضاري والتاريخي والفكري والثقافي والأدبي الفني للبرتغال الإسلامية، عبر مسارها الطويل، منذ فتح الأندلس وفترة الولاة ثم عهد الدولة الأموية، مرورا بمرحلة ملوك الطوائف والمرابطين والموحدين، وفترة السقوط ومحاكم التفتيش والتهجير القسري للمسلمين الأندلسيين.”

ويؤكّد الكتاب أن عناصر عربية الأندلس البرتغالية وإسلامها وثقافتها وخصائصها الحضارية، “لا تقل أهمية” عن الجانب الإسباني في الأندلس خلال عصور الحكم الإسلامي.

ويقول: “كانت بلاد الأندلس في عهد السيادة الإسلامية على شبه الجزيرة الإيبيرية تضم ما يعرف اليوم بإسبانيا والبرتغال، وقد حظيت الجهة الإسبانية باهتمام كبير بحكم جغرافيتها وتاريخها (…) وبعناية المؤرخين الباحثين والدارسين شرقا وغربا، وبلغات متعددة، وبمختلف التخصصات العلمية، وبرؤى متنوعة وتصورات علمية ومنهجية غنية، منها المادي (العمران والمباني والمآثر)، ومنها الرمزي غير المادي المتمثل في شتى معالم الإبداع الفكري والعلمي والثقافي والفني والجمالي، بل وشاع ذكرها كفردوس مفقود عاش ثمانية قرون في حضن الحضارة العربية الإسلامية، فأضحت هذه الجهة بفضل ذلك جلية واضحة وبارزة للعيان، ولم تعد مجهولة أو بعيدة عن التداول العلمي الراهن”.

ويضيف أنه “من هنا أتت فكرة الخروج عن المألوف في تناول تاريخ الأندلس من خلال تلمس مواطن جديدة أكثر أهمية وشمولا تأخذ بعين الاعتبار الحضارة الإسلامية في هذه الربوع (…) وأطلقنا عليها اسم (البرتغال الأندلسية الإسلامية).”

ويقصد الأكاديميان القاضي والعمارتي عبر هذا الكتاب “الاشتغال على المشترك الحضاري والعلمي والثقافي بين الأمتين: العربية الإسلامية والأمة البرتغالية، من خلال استنطاق التاريخ القديم للمنطقة، وذاكرته الجماعية المشتركة التي تجمع بينهما عبر معطيات تمتد إلى جذور ماضيهما الإيبيري، والسعي إلى إبرازه وتثمينه بإعادة إحيائه ومنحه قوة التداول من جديد عبر التحليل والمناقشة والكتابة، قصد خدمة الماضي واستشراف الحاضر والمستقبل للأمتين.”

وتسلط هذه الدراسة الضوء على “مظاهر إسهام الحضارة العربية الإسلامية في بلاد البرتغال وثقافتها”، وتقف على “أهم مراحل التاريخ البرتغالي في حِقَبه الإسلامية في العصر الوسيط منذ الفتح الإسلامي بأحداثه الكبيرة والصغيرة، مرورا بالهجمات النورماندية المتكررة، ثم الثورات والتمردات التي قادها بعض الذين شقوا عصا الطاعة على حكام الإسلام بالأندلس الكبير.”

ويركز المؤلّف على “الفترة التاريخية الإسلامية التي عرفت فيها البلاد ازدهارا وتطورا كبيرين في الحضارة والفكر والعمران والفن والأدب”، محددا المراكز والحواضر التي شهدت ذلك، والأعلام الذين نهضوا بهذه المهمة لفترة زمنية وتاريخية لا تقل عن خمسة قرون من الحضارة العربية الإسلامية في هذا الجزء الغربي من شبه الجزيرة الإيبيرية.

ويقارب المؤلّفان هذا الموضوع من منظورين؛ أولهما تاريخي، بالانطلاق من القواسم المشتركة ومن التقاطعات الاجتماعية والثقافية والإنسانية التي تجمع بين الأمتين عبر تاريخهما الطويل المشترك في العصر الوسيط، وما وسمه من “روح التعايش والانجذاب تارة، ومن عناصر التباعد والتنافر والتصادم تارة أخرى، وما يحمله كل ذلك من معان ودلالات قوية لدى الأمتين معا”.

أما ثاني المنظورين فيقدّم عبر “ذاكرة ثقافية وعلمية متجددة وحيوية”، حيث “كانت مساهمات علماء غرب الأندلس في بناء المعرفة والثقافة الأندلسيتين ذات قيمة كبرى، همت الأدب والعلوم والفكر وعلم الأديان والموسيقى والذهنيات”.

وعبر هذه الدراسة، يرمي الباحثان إلى “صياغة عمل توثيقي لحقبة تاريخية هامة من الوجود الإسلامي العربي بالبرتغال في العصر الوسيط، لتأسيس صرح جديد في بناء جسور التواصل والتفاهم، عبر مقاربةِ وفهم المشترك الذي يوحد بين الأمتين أكثر مما يفرق بينهما، مع المحافظة على ركائز التفاهم وتحقيق حوار أفضل وأعمق برصيده وحمولاته التاريخية والثقافية والفكرية والحضارية”.

ويسجل الكتاب بـ”كثير من الاهتمام والارتياح” ما أسماه “الانفتاح السياسي الذي شهدته دولة البرتغال الحديثة، وعناية عدد من الباحثين البرتغاليين الراغبين في دراسة تاريخ وحضارة الأندلس، ومنها البرتغال (…) التي كانت بالأمس إسلامية”.

ويخلص الكتاب إلى أن موضوع البرتغال الأندلسية “ما يزال في حاجة إلى اهتمام الباحثين وعنايتهم، قصد إبراز أدوارها في خضم مشاركتها في بناء الحضارة الإسلامية المتكاملة، التي ساهمت في بلورتها كل الشعوب الإسلامية والعربية قاطبة في العصر الوسيط، من الغرب الإسلامي إلى شرقه، إلى بلاد الهند والسند والصين وغيرها، في إطار المثاقفة العلمية والفكرية وحوار الحضارات بين الشعوب والأمم والجغرافيات.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى