أحرشاو يناقش حقيقة “التربية الوالدية” ومستقبل الطفولة في المغرب

قال الكاتب والسيكولوجي الغالي أحرشاو إن “مهنة الوالدية، التي أضحت مادة للتلقين في المؤسسات التعليمية لكثير من الدول الغربية المتقدمة، لا تزال تمثل عندنا الحرفة التقليدية التي يتحملها الوالدان بعيدا عن أي تكوين أو تعليم أو توجيه”، مضيفا أن “الأدهى من ذلك هو أنه حتى بالنسبة للبرامج الإعلامية والتحسيسية المحدودة، التي تتحدث عن حياة الأسرة وتربية الأطفال، كثيرا ما تبعث عندنا على ردود فعل التجاهل واللامبالاة”.

وأشار الغالي أحرشاو إلى أنه “إذا كانت ممارسة الوالدين التربوية تمثل بهذا الخصوص الاستجابة الطبيعية لحاجة الطفل، فإن الممارسة المقصودة هي تلك التي تحكمها- من منظور تخصصنا- مرجعية سيكولوجية تتحدد في النظرية التي يحملها كل من الأم والأب عن سيكولوجية الطفل”.

ومن منظور نفسي- تربوي، وضمن مقال بعنوان “التربية الوالدية ومستقبل الطفولة بالمغرب”، قارب أحرشاو إشكالية التربية الوالدية في علاقتها بسيكولوجية الطفل من خلال التفصيل في أربع قضايا أساسية، قبل أن يقترح بعض الحلول الفعلية لتجاوز كثير من مشاكل ومعوقات تلك التربية.

وهذا نص المقال:

الحقيقة أن “مهنة الوالدية”، التي أضحت مادة للتلقين في المؤسسات التعليمية لكثير من الدول الغربية المتقدمة، لا تزال تمثل عندنا الحرفة التقليدية التي يتحملها الوالدان بعيدا أي تكوين أو تعليم أو توجيه. والأدهى من ذلك هو أنه حتى بالنسبة للبرامج الإعلامية والتحسيسية المحدودة، التي تتحدث عن حياة الأسرة وتربية الأطفال، كثيرا ما تبعث عندنا على ردود فعل التجاهل واللامبالاة. فعلى الرغم مما تمثله تجارب “الأهلية الوالدية” من أهمية بالغة في مجال تجويد خدمات الأسرة والرقي بمستوى ممارساتها التربوية، فالأكيد أن المغرب لا يزال يفتقر إلى مثل هذه التجارب التي تدخل في إطار مشروع مجتمعي، قوامه توعية آباء المستقبل بمسؤولياتهم الأسرية وأدوارهم التربوية. فنحن لا نشك في أن نسبة الآباء المغاربة الواعين بأهمية هذه المسؤوليات والأدوار لا تزال ضئيلة وضئيلة جدا. وهذا ما يؤكد أن تأهيل هؤلاء عن طريق التحسيس والتوعية والتكوين أيضا أضحى من الأمور الضرورية والملحة.

تتلخص الفكرة التي نستهدف بسطها في هذا المقال في أن الطفل بطبيعته وتكوينه يكون عادة في حاجة إلى الرعاية المدعومة بالتوجيه والإرشاد؛ وذلك نتيجة صغر سنه وبساطة معارفه ومحدودية تجاربه. وإذا كانت ممارسة الوالدين التربوية تمثل بهذا الخصوص الاستجابة الطبيعية لتلك الحاجة، فإن الممارسة المقصودة هي تلك التي تحكمها من منظور تخصصنا مرجعية سيكولوجية تتحدد في النظرية التي يحملها كل من الأم والأب عن سيكولوجية الطفل؛ وهي النظرية التي تتجلى من جهة في مجمل تمثلاتهما عن نمو هذا الأخير وقدراته وحاجاته، ومن جهة أخرى في مختلف الأساليب التي يوظفانها في التعامل معه. ففي إطار هذا المنظور النفسي – التربوي، سنقارب، إذن، إشكالية التربية الوالدية في علاقتها بسيكولوجية الطفل من خلال التفصيل في أربع قضايا أساسية:

الأولى تهم الحاجة إلى الرعاية والإرشاد، بحيث إنه إذا كانت التربية الوالدية تختصر في العادة في تعامل الوالدين المباشر مع الطفل عبر ممارسات تربوية، غايتها تزويده بالمعارف والقيم اللازمة لمواجهة الحياة؛ فالأكيد أن هذا الأخير يتفاعل عادة إيجابيا مع تلك الممارسات من خلال إدراكه واستيعابه لممنوعات التنشئة الاجتماعية. فقد ثبت أن الحرمان، رغم سلبيته ومرارته، يشكل تجربة ضرورية لنمو الطفل واندماجه في المجتمع، إذ عَبْرَ مُكَابَدَتِه لهذا الحرمان يتعلم كيف يتخلى عن إشباع كثير من رغباته، وكيف يحافظ على سلامته بالابتعاد عن تلك المحظورات، وبالتالي الدخول في علاقة تفاعل إيجابي مع أبويه وممارساتهما التربوية المتشبعة بمنطق الإقناع المدعوم بهامش حرية الفعل والتصرف والمران، وبالتالي الاستفادة من أي خطأ يرتكبه أو يقع فيه.

الثانية تتعلق بمقومات التربية الوالدية التي تتمثل أولا في مبادئ قوامها الثقة في الطفل وتخليق سلوكياته وفق أساليب تربوية واجتماعية مَرِنة، تحكمها قيم العدل والصدق، وآداب التواصل والحوار، ثم آليات تمثل الذات وبناء الهوية. وتتجلى ثانيا في أهداف غايتها تحقيق التفتّق الشخصي للطفل واستقلاله الذاتي ثم تكيفه الاجتماعي، وكل ما يتولد عن ذلك من تماسك صحي – نمائي وَأَمْنٍ نفسي – ذاتي وتلاؤم اجتماعي – علائقي، فضلا عن تعلم أساليب التفاعل والتواصل، وتقنيات الحوار والنقاش، ثم مهارات التعامل والحياة. وتتلخص ثالثا في محددات تتراوح بين ما هو نفسي يشمل خبرات الوالدين وتجاربهما واتجاهاتهما وعلاقاتهما العاطفية وتمثلاتهما حول مستقبل الطفل ومراحل نموه ووسائل إشباع رغباته، وبين ما هو اجتماعي يتضمن مكونات المحيط الأسري للطفل وبالخصوص القيم السائدة وعدد الإخوة وطبيعة العلاقات ثم توزيع الأدوار والمسؤوليات، وبين ما هو اقتصادي يتعلق بطبيعة المستويات المادية للوالدين ودرجات تأثيرها في أساليب تعاملهما مع الطفل، وبين ما هو ثقافي يرتبط بمستوى الوالدين التعليمي الذي يؤثر في ممارستهما التربوية، بحيث كلما كان هذا المستوى مرتفعا كلما كان الوالدان أكثر ميلا للمرونة والتسامح مع الطفل.

أما القضية الثالثة التي يمكن من خلالها التعامل مع إشكالية التربية الوالدية في علاقتها بسيكولوجية الطفل، فتتحد في الممارسات التربوية للوالدين التي لا تزال للأسف تفتقر عندنا إلى عديد من المقومات السيكولوجية والضوابط التربوية، بحيث نجدها تتراوح في أغلب أوساط المجتمع المغربي وفئاته المختلفة بين نماذج ثلاثة: أولها صارم يحكمه أسلوب تربوي قوامه القمع والقسوة والحرمان أحيانا، ثم الرعاية المفرطة والدلال المبالغ فيه أحيانا أخرى، إلى حد أن الطفل الذي يخضع لمثل هذا الأسلوب في التربية يكون في الغالب ضعيف الشخصية وفاشلا في التحصيل والتكيف ومواجهة مشاكل الحياة. وثاني النماذج ضعيف يغدِّيه أسلوب تربوي يتميز إما بنوع من التذبذب والتناقض في المواقف، وإما بنوع من المزاجية المتقلبة المفعمة بالإهمال واللامبالاة وغياب الدعم؛ بحيث إن الطفل الذي ينشأ في ظل ممارسة تربوية تهمله ولا تعيره أي اهتمام على مستوى الإشباع البيولوجي والدفء العاطفي والتأطير التربوي، لا بد أن يفتقر إلى مقومات الشخصية السوية القادرة على التكيف السليم وعلى مواجهة مشاكل الحياة. أما النموذج الثالث فيتحدد في الممارسة المرنة التي يؤطرها أسلوب تربوي من أهم مواصفاته الحوار والإقناع والتفاهم، ثم التقبل والحرية والتسامح والإشباع العاطفي، إذ إن الطفل الذي يترعرع في كنف هذه الممارسة التربوية المرنة يتميز عادة بسمات الشخصية السوية المتمثلة أساسا في الاستقلال الذاتي والثقة في النفس وتحمل المسؤولية والشعور بالأمن والكفاءة في التحصيل والتواصل ثم المهارة في مواجهة مشاكل الحياة.

وتتحدد القضية الرابعة في المشاكل والمعوقات التي تَحُدُّ عندنا من فعالية الممارسات التربية الوالدية، إذ فضلا عن عوامل الفقر والأمية وتراجع دور الأسرة أو غياب هذا الدور بالمرة، التي لا تزال هي المهيمنة في كثير من أوساط المجتمع المغربي، توجد جملة من النواقص التي تؤثر سلبا في تلك الممارسات؛ وفي مقدمتها:

– الافتقار إلى المرجعية السيكولوجية التي تشكل الدعامة القوية لكل تربية والدية، إذ على أساس أن النظرية التي يحملها الوالدان عن سيكولوجية الطفل تشكل الإطار المحدد لأساليبهما التربوية، فإن طبيعة هذه الأساليب قد تتوزع بين الصحيح والخاطئ، بين الإيجابي والسلبي، بين الفعال وغير الفعال، تبعا لنوعية هذه النظرية. فكلما كانت مبنية على معطيات ومعارف سيكولوجية وتربوية صحيحة، كلما أدت بصاحبها إلى أن يتعامل مع أطفاله وفق أساليب تربوية تتميز بالمرونة والعقلانية والدفء العاطفي والتأطير الجيد، وكلما كانت على عكس ذلك إلا وأفضت إلى نتائج سلبية ومحدودة الفائدة.

– الافتقار إلى الخطط التربوية مضبوطة الأهداف ودقيقة الإجراءات، وبالتالي سيادة الممارسات التربوية المتذبذبة إما بين التسلط والتساهل، وإما بين الإهمال والحماية، وإما بين الرفض والقبول. بمعنى الاعتماد على ممارسات تربوية تفتقر أولا إلى الإشراف والتوجيه اللازمين، بفعل غياب الوالدين عن البيت نتيجة العمل أو بفعل إهمالهما للطفل رغم حضورهما الصوري، وثانيا إلى محدودية كفاءة الوالدين واختزالها عند كثير منهم في التربية العاطفية أو الأخلاقية أو السلوكية، مع الإهمال التام للتربية المعرفية والثقافية وكل ما يصاحبها من ممارسات إيجابية مثل الجاهزية والحضور والصبر والمسؤولية والإنصات والاستجابة والتكوين والتأطير والتوجيه والإرشاد. ويعني هذا أن الأبوة أو الأمومة الفعلية لا تقاس بعدد ساعات الوجود داخل البيت بل بما يمنح للطفل من حب ورعاية وتحفيز وتخليق ومراقبة وتوجيه.

كانت تلك، إذن، أهم القضايا التي حاولنا من خلال استنطاق بعض مضامينها مقاربة إشكالية التربية الوالدية في علاقتها بسيكولوجية الطفل بالمغرب؛ وهي الإشكالية التي نقترح أن تنصب عليها جهود الباحثين والمهتمين بهذا الموضوع، لأن في دراسة وتشخيص مكونات نظرية الوالدين السيكولوجية حول الطفل تكمن الحلول الفعلية لتجاوز كثير من مشاكل ومعوقات تلك التربية والتي يمكن إجمالها مرحليا في العناصر الثلاثة التالية:

– توفير التكافؤ في فرص وإمكانيات توعية الآباء والأمهات بوظيفتهم الوالدية، وبالتالي اعتماد برامج لتكوينهم في مجال الكفاءة الوالدية ودورها التربوي.

– تحسيس الآباء والأمهات الشباب بمسؤوليتهم الأسرية والتربوية الجديدة، وبالخصوص على صعيد الأهلية الوالدية التي تسعفهم في التعامل التربوي الإيجابي والفعال مع الطفل.

– اعتماد برامج وخطط تربوية وثقافية وإعلامية هادفة، قوامها تكوين وتأهيل شباب اليوم (غير المتزوجين) ليستوعبوا أدوارهم التربوية كآباء في المستقبل القريب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى