“في المنزل” .. شريط عائلي يعتني بالأمومة والهجرة وفقدان الذاكرة

طالما ساعدَتْ كريمة السعيدي الآخرين على إنتاج أفلامهم، بسبب عملها في مجال المونتاج والسّكريبت… فهي خريجة معهد INSAS العالي للسينما ببروكسل وتعمل مونتيرة منذ 1997 في التلفزيون الفرنكفوني البلجيكي. كما راكمَتْ بالموازاة تجربة مهمّة من خلال مَنْتَجة العديد من الأشرطة الوثائقية والاضطلاع بمسؤولية السّكريبت في عدد من الأفلام الروائية.

كانت كريمة مكتفية بحياتها المهنية الاعتيادية، بالإضافة إلى مشاركتها كأستاذة زائرة في معهد INSAS ببروكسل والمدرسة العليا للفنون البصرية بمراكش وكأستاذة محاضرة بجامعة لييج، قبل أن تقرّر والدتُها، من حيث لا تحتسب، منحها شهادة ميلاد جديدة… شهادة ميلاد فنية لكريمة السعيدي المُخرِجة. كان ذلك عندما أنجزَتْ شريطها الوثائقي الطويل الأول كتلويحةِ وداعٍ لأمّها الراحلة.

بدأت قصة الفيلم على إثر مرض الأمّ عائشة، أو “عشوشة” بلهجة أهالي طنجة، بداء الزهايمر وهي في آخر حياتها. المرض أعاد كريمة إلى حضن أمّها بعد سنوات من التباعد والفتور. وكان لهذا اللقاء عنوان: “في المنزل”.

جاءت كريمة برغبة استعادة أمٍّ بدأ الخرف يدبّ إلى عقلها وجسدها. جاءت إلى دار المسنّين حيث أوْدَعَتْها، مدجّجةً بالأسئلة لكي تملأ الفراغات والثقوب… ثقوب الذاكرة. جاءت تقترحُ سفرًا باتجاه الماضي لتروي قصّتها الشخصية والعائلية. قصةٌ بثراءٍ إنسانيٍّ دافقٍ تُكثّف العديدَ من مآسي الهجرة المغربية.

سأروي قصتكِ ماما..

لا بأس..

هل أنتِ موافقة؟

نعم، أنا موافقة.

ولأنّ في البدء كانت الكلمة، وكان الصوتُ الذي ينطق الكلمة بلهجةٍ “طنجويةٍ” مُحبّبةٍ زادَتْها الهُجْنة المَهْجرية ظُرْفًا، بدأت كريمة في تسجيل والدتها، قبل أن تلتقط لها صورًا تنفذ إلى عمق حميميتها وهي في مختلف حالاتها الإنسانية وأشدِّها تقلّبًا. كانت تفعل وهي لا تعرف كيف تجرؤ على تصوير أمّها المريضة المُسِنّة؟

ولأنّ الصورةَ مهنةُ كريمة السعيدي، المونتيرة، فقد كسبت رهانا فنيا كبيرا يتمثّل في تحريك هذه الصور الثابتة، خاصة وقد أضافت إليها صورا أخرى من الأرشيف العائلي، وحتى بعض الفيديوهات. ولم تكن صور الأرشيف بالأبيض والأسود لِتَقِلّ نبضًا عن لقطات الفيديو. حيث برعت كريمة في خلق الحركة من خلال مَنْتَجةٍ سريعةٍ للصور الثابتة التي أحْيَتْ بها شخصية الأمّ داخل الفيلم. فبمجرّد ما انضاف الصوتُ إلى الصورِ حتى اندلعت القصة. فيما أمعنت كريمة في تحريض ذاكرة والدتها عبر حواراتٍ بالغة الحميمية والتلقائية، كأنّما تلاحق طفولة هاربة أو تستعيد أمومة غاربة:

ألَمْ تنسيني ماما؟

هل تفرحين لرؤيتي؟

احكي لي. افتحي لي قلبك. أنا ابنتُكِ..

فيما تتراوح نبرة الأجوبة ما بين التوهج والخفوت، ما بين الرّضا والسخط:

أعرف أنني أنسى.

أنتِ أمينة (تخطئ)… سامحيني (تعتذر).

باب الدماغ مقفلة… أنا فارغة… لا رغبة لي في الكلام.

اغربي عنّي… دعيني أرتاح.

كانت كريمة تحمل آلتَيْ تسجيل وتصوير، مُلاحِقةً ذاكرة “عشوشة” بالأسئلة التي تناسلت عبر شريط من الذكريات الحميمية… ما بين طنجة وبروكسل، وعلى امتداد سنوات الهجرة… ذكرياتُ مطلّقةٍ متحرّرة، وأمّ رعت وحيدةً أطفالها الأربعة في الأوساط المحافظة للهجرة. هكذا نسجت كريمة من نُتَفِ الذكريات السعيدة والأليمة، وبنَفَسٍ روائيٍّ، شريطَها الوثائقي الطويل الأول “في المنزل” (Dans la maison). شريطٌ شخصيٌّ يعتمد على أرشيف عائلي من الصور والوقائع والمشاعر المتضاربة.

سفرٌ في التاريخ المعاصر لأسرة مغربية مهاجرة. أسرةٌ لديها ما يكفي من التفاصيل المؤلمة لإذكاء عناصر التوتر الدرامي: انفصال الأب عن الأم وعودته إلى أرض الوطن، هرب الأخت على إثر زواجٍ بالإكراه، وفاة الشقيقين الواحد تلو الآخر في ظروف مأساوية، إلخ. توترٌ تُلاحِقُه كريمة بالسؤال في استنفار ذاكرة بعيدة لوالدتها المريضة. السؤال من أجل تنشيط القدرة على الكلام والذكرى… السؤال في مواجهة الخرف. كتابةٌ ذاتيةٌ مُنْطلَقُها السؤال…

والسؤال الأكثر أوّليّةً وبداهةً:

مَنْ أنا؟

مِنَ السؤال التلقائي المباشر عبر التسجيل، تتّخذ كريمة نبرةً أكثر صرامةً تتجاوز السؤال إلى المساءلة. مساءلةٌ لم تكن بقصد تصفية الحساب، بقدر ما جاءت من أجل الفهم. ولأنّها وردَتْ تاليةً، فهي تأخذ بعض المسافة والحياد. يتمّ ذلك عبر التعليق الصوتي اللّاحق على لحظة التسجيل الأولى. لينتقل الحوار التلقائي إلى ما يشبه السيناريو.

لماذا زوّجْتِ أمينة رغمًا عنها؟ أخذْتِها إلى المغرب وزوَّجْتِها هناك رغم أنفها. أمينة هربَتْ. ذابَتْ. تبخّرَتْ. فرّتْ إلى إنجلترا. غيّرَتْ اسمها إلى Betty.

سؤالٌ يتضمّن إحساسًا بالعار في وسطٍ مهاجرٍ تقليدي ومحافظ لم تَسْلم فيه العائلة من نظرات الناس، ولا من ألسنتهم…

“عشوشة” المطلّقة… “عشوشة” البلجيكية… تعيش مع عشيقها “يدري” بلا زواج…

وحتى عندما عادت كريمة لكي تتكفّل بأمّها المريضة والوحيدة، كانت تُفكّر في هؤلاء، وهي تنبش – كما لو نكايةً بهم – في منطقةٍ مَلْأى بالمحاذير الثقافية:

هل حاسَبَكِ الله لأنّكِ أعطَيْتِ الحريّة لنفسك؟

كانت تُناوش المسكوت عنه بشجاعة صادقة وحميمية حارقة:

الناس يقولون بأنّني تخلّيتُ عنكِ؟

كانت تُطيح بالصورة المثالية لـ”قداسة الماما”، ودونما ادّعاءِ بِرٍّ منافقٍ، لصالح صورة واقعية وإنسانية بالغة الحميمية عبر شريطٍ من الصور والذّكريات.

صور طنجة التي غادرها الوالد إلى بلجيكا متخليًّا عن زوجته عائشة رفقة أطفالها جمال، أمينة، ومحمد. صور بلجيكا التي التحقت بها العائلة عام 1967… حيث جاءت كريمة ثمرةً للهجرة والتجمُّع العائلي، ولمصالحةٍ عابرة بين والدَيْن لا شيء يجمع بينهما، إذ سرعان ما فكرّت الأم في إجهاضها بعدما ركن الأب إلى الغياب:

هل هذا صحيح؟

تسأل كريمة. لكنّ الجواب يأتي غامضًا ومدوّيًا على شكل نشيج.

تسعون دقيقة من الحوار المتوتّر بين امرأتين تملآن فراغات الذّاكرة وهما تتبادلان الأدوار. أمومةٌ متّقدةٌ حينًا ومنطفئةٌ أحيانًا، وطفولةٌ متحوّرةٌ تُغيّر الزّاوية من موقفٍ لآخر. الأنوثة والأمومة تتجاوران داخل الشريط ليمتدّ الحوار متوترًا وحميمًا وهو يُؤثّث الفراغ بالذكرى. حوارٌ يُقارع النسيان في سباق مع المرض الذي يتهدّد الخلايا.

“في المنزل”، شريطٌ صاعقٌ ومؤثّرٌ في آن… شريطٌ ضدّ النسيان.

شريطٌ يُسائل الحالة الإنسانية بجرأة لا تُفسِد للرّقّة قضية. حتى أعتى التابوهات يتمّ كسرُها داخل الفيلم بتلقائية صادقة لنسج خيوط قصة مشتركة بالغة التعقيد. في ارتقاءٍ سلسٍ من الذاتي والحميمي نحو الإنساني والكوني.

الشريط الذي شارك في عدة مهرجانات دولية بأوروبا وإفريقيا والعالم العربي، كما تمّ بثّه على القناة البلجيكية الفرنكوفونية الثالثة وعلى قناة أرتي ARTE، سيُبَثّ ضمن “قصص إنسانية” مساء يوم الأحد 20 فبراير الجاري على قناة دوزيم… هو الذي يقترح فعلًا قصة إنسانية جديرة بالمشاهدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى