غايات مقاصد الإسلام .. صيانة أخلاق الإنسان ومواجهة خطاب التطرف

كلما حصدَ غدرُ “الانقِتَالِيِين” أرواحا بريئة، يتجدد التقاطب بين واسِمِي الإسلام بتوفير ظروف الغلو والتشدد الممهدة للعنف، وبين مُبرئِي تلقي الناس لهذا الدين جملة من ملقِيي اللوم على قراءات “أفراد متطرفين مستلَبين”.

وفي سياق عالمي كِيلَت فيه للإسلام اتهاماتٌ عديدة وصارت سِمَتَه الأساس في بعض المجالات، تزداد حاجة المؤمنين، وغير المؤمنين، إلى وقفات صادقة مع النفس تفك عن الكثير من المفاهيم والتصوُرات والاعتقادات ما شابها من قيود العادة، والانغلاق، والتسليم المقلِد دون إعمال واجب محاولة الفهم، ونعمة التفكير، وأمر “استفتاء القلب”.

في خضم هذه التطورات، أصدرت الرابطة المحمدية للعلماء دفاترها التي تروم “تفكيك خطاب التطرف”، وتخوض غمار وضع مفاهيم تُوطِئ على التسليم باستيعاب معانيها ونهاياتها المنطقية ما تيسر من الزمن على طاولة التشريح.

تستمر سلسلة قراءات جريدة LE7.ma الإلكترونية في “دفاتر تفكيك خطاب التطرف” قصد تقديمها إلى القارئ الذي تعنيه، وتمس تصوراته، ورؤيتَه للعالم، وعمله فيه، وفتح باب النقاش حول مضامينها التي تهم جميع الأطراف باختلاف تمَوقعاتها السياسية والثقافية والعقدية؛ لأن مسألة العيش المشترك تتجاوز الأفراد والجماعات، لتمس وحدة المصير، والمستقبل المأمول.

11/17

الكليات الدينية خيطٌ ناظم

الكُليات الدينية، وفق الباحث مولاي المصطفى الهند، هي “الخيط الناظم الجامع لما تفرق في غيرها من قواعد رفيعة، ومقاصد سنية غيت للمسلمين حفظ الدين والتدين من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين”، وهي “وحدة بنائية مستوعبة لجوهر الدين وروحه وحقيقته العليا”، و”وقاية وصيانة للفرد وللمجتمع من الزيغ والضلال”.

الدفتر الحادي عشر من “دفاتر تفكيك خطاب التطرف” المعنون بـ”المقاصد الكلية للدين الإسلامي وأهميتها في مواجهة ظاهرة التطرف”، يبرز أولا “كلية التزكية والسلوك” لأن “عصب قوام الأمة وقيامها التزكية والسلوك؛ فهي بهذا كلية دينية جامعة لما تفرق في غيرها، بل إنها تكاد تحصر مهمة ورسالة رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام في إتمام بنيان هذا الصرح القيمي العظيم”، الذي يظهر في الحديث النبوي: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.

وتزداد الحاجة إلى هذه الكلية، حسب الباحث، “كلما ابتليت الأمة بابتلاءات داخلية تكاد توهن من قوتها، وتفت في عضدها، شأن التطرف الديني: فكرا وسلوكا وخطابا”.

ويفسر الهند غلو البعض وغلظته قولا وسلوكا، مع غياب صفات الحسن والإشراق والنظارة عنه، بتضاؤل النظرة الكُلية، وضعف الفقه المقاصدي للسيرة النبوية في بعدها الأخلاقي.

ويقدم الكاتب أمثلة بسلوك النبي صلى الله عليه وسلم مع أهله؛ فكان إذا شربت زوجه عائشة من إناء وضع فمه موضع فمها وشرب، وسبق أن تدافعا في خروجهما من المنزل، وسابقها في السفر على الأقدام، كما كان “لا يرد موجودا، ولا يتكلف مفقودا، فما قرب إليه شيء من الطيبات إلا أكله إلا أن تعافه نفسه فيتركه من غير تحريم”.

“تطرف الفتاوى”

في ثاني مباحث هذا الدفتر الحادي عشر، يقف الباحث عند “كلية الإفتاء والاستفتاء” المرتبطة في الإسلام بـ”قيمة العلم ومركزيته التي تأبى الانحسار في التأسيس والتأصيل، بل توسع دائرتها بشكل متجدد”، قبل أن ينبه إلى أن هذه الكلية الدينية قد أضحى حسها في الواقع المعاصر “باهت الصورة، ومشوش الفكرة”.

هذا التشويش يجده الكاتب خاصة في “طرق التوسل الخاطئة التي تنهجها فئة من أهل الضلال حين محاولتها الإجابة عن بعض الأسئلة والأقضية والنوازل”؛ مما نتج عنه “فكر “يؤصل” و”يشرع” و”يشرعن” لاجتهادات وسلوكات مفتئتة مفتريات، وهو ما يعرف اليوم بـ”تطرف الفتاوى” أو “فتاوى التطرف”!

ويذكر الدفتر بأن الاجتهاد في أدبيات الفقه الإسلامي قد اقترن بـ”بذل الوسع، واستفراغ الجهد والطاقة في تحصيل الحكم الشرعي”، وهو اجتهاد “خاص ب (…) فقهاء الأمة”. ويعدد المؤلف شروط قبول اجتهاد المجتهد، كما يعدد نماذج عن رد الأنصار الذين أدركهم عبد الرحمن بن أبي ليلى المسائل التي يسألون عنها إلى بعضهم البعض، إكبارا للفتيا، ثم عرج على فقهاء كانوا يطلبون الرحلة في مسألة واحدة لم يدركوها، مستشهدا بباب “الرحلة في المسألة النازلة، وتعليم أهله”، في صحيح البخاري.

لكن، يتأسف الكاتب لكون “هذه السنة الحميدة في الاجتماع على الفتوى والاجتهاد” قد “أفلت مع أفول نجم الأمة الإسلامية من سماء العلم والمعرفة والشهادة على الناس”؛ وهكذا خلف من “ينفرد باجتهادات عجيبة وغريبة في غاية الفداحة والخطورة (…) تبنى عليها مواقف وسلوكات تصبح مع مرور الزمن جزءا من ثقافة المجتمع برمته”.

هنا، ينبه الباحث إلى أن “زمن المفتي الفرد قد ولى إلى غير رجعة” لأن “ما يعرفه عصرنا من تحولات سريعة وعميقة ومعقدة في شتى المجالات يستوجب النظر الجماعي في الجواب الشرعي عن كل ما يطرح من أسئلة وإشكالات”، مما صار معه “الاجتهاد الجماعي (…) ضرورة قصوى ومقصدا جليلا”، من شأنه “صيانة الأمة وحفظها من (تطرف الفتوى) و(فتوى التطرف)”.

كليات دينية تعالج التطرف

يقدم هذا الدفتر الصادر عن الرابطة المحمدية للعلماء مجموعة من المقاصد الكلية للدين الإسلامي مبينا أهميتها في مواجهة التطرف وخطابه، ومنها “كلية الاختلاف والائتلاف”؛ التي ينقذ استيعابها من “إشكال “الإجماعات” و”الترجيحات” و”القطوعات” و”المانعات” التي تنسب إلى علماء الأمة ظلما وزورا وبهتانا، وغالبا ما تتبناه عقلية أحادية ضيقة لا تؤمن بالاختلاف التنوعي المحمود والمطلوب في علومنا الإسلامية”.

ويتحدث المؤلف عن “كلية الوسطية والاقتصاد” التي تنبذ الإقصاء، وترفض وضع الأمم الأخرى على “طرفي الإفراط والتفريط والزيغ والهلاك”، مع ما يستتبع ذلك من “أحكام التكفير والتضليل والانحراف”، في حين إن “الأمة الإسلامية ليست أمة الوسط والتوسط بين الأمم على شكل نقطة هندسية تفصل بين قطبين، بل هي أمة متميزة بخصوصيات متعددة تنفرد بها لتجعل منها صاحبة الشهود الحضاري بامتياز، وهي بذلك لا تقصي أية أمة من الأمم الأخرى بأن تحذو حذوها أو تسير سيرها أو تتخذ لنفسها مسلكا تحقق به وجودها وماهيتها”.

وعن “كلية المقاصد والمراصد”، يقول مولاي المصطفى الهند إنها “حجر الزاوية في الكليات الدينية برمتها” لأنها “البوابة الأساسية المفضية إلى تحقيق مكارم الشريعة الإسلامية”، والاهتمام بها، في عمقه المنهجي، “مشروع إحياء للأمة وإنقاذ لمقدراتها العلمية والمعرفية في كل مرة تشرف شمس شهودها الحضاري على الأفول من جهة، وفيه جواب عن الأسئلة المقلقة التي تحير الألباب من جهة أخرى”.

ويرى الباحث أنه “بعد عصر الإمام الشاطبي أغفل المسلمون هذا التصور المعرفي النموذجي حتى فقدت العلوم الإسلامية روحها الشرعية (…) مما أدى بها إلى الجفاء والجمود وفقدان التأثير والفعالية، حتى نبتت في الأمة نابتة متطرفة”، ومن هنا تكون “أحوج ما تكون في تحليلها ودراستها إلى تفعيل كلية المقاصد لتحقيق مكارم الشريعة، وفهم مقاصدها؛ بما يتحقق به تحصيل مصالح البلاد والعباد وتكميلها، ودفع مفاسد المتنطعين والمتطرفين وتعطيلها”.

ويحذر هذا الدفتر من سلوكيات تعيق التعايش وتزيد الحنق الاجتماعي لمسلمين في “بلاد المهجر” مع جيرانهم، من غير المسلمين، واستحضر في هذا الإطار كلية التجاور والتعايش” ومعنى “الجار الجنب” المذكور في الآية القرآنية الموصية خيرا بالجيران، وهو “الغريب البعيد، مسلما كان أو مشركا” عند الطبري، وغيره.

أما “كلية الوطنية والمواطنة” فتترجم، وفق الدفتر نفسه، “طبيعة وقوة الارتباط بين الإنسان وموطنه الأصلي”، واستشهد في هذا الإطار بآيات قرآنية وأحاديث نبوية عن مدى تعلق الرسول بمسقط رأسه، من بينها قوله صلى الله عليه وسلم، وهو مهاجر مكةَ إلى المدينة، فيما تورده سنن الترمذي: “ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غيرك”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى