مأساة الطفل “ريان” .. الإنسانية تستعيد وهج العطاء رغم زمن الوباء

راحت كثير من المعاني والقيم تشغل الأذهان والوجدان، بينما يحبس الناس في مشارق الأرض ومغاربها أنفاسهم وهم يتابعون محاولات مضنية لإنقاذ الطفل المغربي “ريان” الذي سقط في بئر عميقة ضيقة، وظل في ظلامها نحو خمسة أيام على أمل أن يكون حياً، لكنه لاقى ربه، ونعاه العاهل المغربي الملك محمد السادس، وودعه كثيرون بدموع غزيرة.

ومنذ واقعة الطفل الفلسطيني محمد الدرة، الذي صنعت صورة، ظهر فيها أبوه وهو يتلقى عنه رصاص القوات الإسرائيلية أثناء انتفاضة الأقصى في عام 2000 بما جلب له تعاطف الناس من كل مكان على سطح الأرض؛ لم ينفعل العالم مع طفل عربي مثلما حدث مع “ريان”، الذي صار هو الآخر، أمثولة دالة، تتعدى حضورها السياسي والاجتماعي والنفسي، حدود هذه الواقعة، وحدود بلاده، بل حدود بلاد العرب أجمعين.

بالطبع فإن الزخم الكثيف الذي واكب الحدث، لن يلبث أن يتراجع، وتستقر تفاصيله في دهاليز النسيان، وهذه عادة كل شيء تقريباً، لكن العبرة الساكنة فيه، ستُستعاد كثيراً، وتُعالج من زوايا متعددة، ومنها السياسة والاجتماع وعلم النفس والفلسفة والإعلام.

دروس عديدة:

ابتداءً، فعلى قدر الألم الطافح من الحدث المفجع لوفاة الطفل المغربي “ريان”، فقد ولد في ركابه أمل، لا يوجد عربي، من المحيط إلى الخليج، إلا ويتمنى أن يستمر هذا الأمل ناصعاً، ولا يكون مجرد “صرعة إعلامية”، لا تلبث أن تذوب في الهواء، فلا يبقى منها شيء، بمجرد أن تنحسر عنها الأضواء. فها هي حكومة، وها هو شعب يُسخِّران كل قواهما الممكنة في سبيل إنقاذ طفل، فتخلق، ولو لأيام، واقعة، بل أمثولة، على أن مواطناً عربياً يمكن أن تستنهض دولة، كل همتها، في سبيل، تفريج همه، أو إنهاء كربه، أو إقالة عثرته، بل إنقاذه من موت محقق كان ينتظره.

وجاء هذا الحدث في زمن استقطاب سياسي شديد، وبغضاء طافحة، رأينا علاماتها في الشماتة لموت البعض، وأمنيات مُفرطة بالضرر لآخرين، والتعبير عن هذا جهاراً نهاراً، بالكتابة والتلفظ المشين، والتضرع إلى السماء، من دون وازع من دين أو أخلاق أو امتثال لرابطة وطنية أو قومية أو ميل إلى مصلحة عامة، تتطلب بالطبع إرساء السكينة وإفشاء السلام بين الناس. فأُزيح كل هذا لصالح حالة من التوحد حول “ريان”، ربما لأنه طفل لم يؤذ أحداً، ولبراءة الطفولة مقامها في كل الأحوال، وربما أيضاً لغرابة الحادثة وحرجها، فلو أن الطفل هذا سقط من فوق جبل، أو دهسته سيارة مسرعة، أو أصابته رصاصة أو شظية طائشة في حادث إرهابي، أو خلال الحروب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط، أو مات جوعاً أو من الصقيع في مخيم للاجئين؛ فإنه كان لن يحظى بهذا الاهتمام، ليس لاستهانة الناس بهذه الحوادث من الموت، لكن لأنها صارت مكررة في العقد الأخير بشكل تصعب متابعته وحصره، حتى تم اعتيادها، وكأنها شيء آخر، أو فعل آخر، من تلك الأشياء والأفعال التي تجري بها الحياة دونما انقطاع، من قبيل الطعام والشراب، بل وتنفس الهواء.

إن حادث “ريان”، الذي جاء بينما يواصل وباء كورونا وتحوراته حصد أرواح كبار وصغار، حمل اختلافاً عن كل ذلك؛ ففيه من الجديد ما يجذب إليه، وفيه من اللهفة ما يجلب التعاطف معه، والشفقة عليه وذويه، الذين بدوا للناس ليسوا أسرته الصغيرة، بل امتد الأمر أبعد من العائلة والعشيرة الأقربين، وأبعد من أهالي مدينة شفشاون وكل ما يتبعها، إنما هم مواطنو المملكة المغربية جميعاً، الذين تفطرت قلوبهم لهذه المحنة، بينما ارتاح كل منهم، ولو في عقله الباطن، لاهتمام الدولة والمجتمع، بحياة مواطن منهم، على هذا النحو، الذي حمل الكثير من الجدة والجدية معاً.

أما العرب، خارج المغرب، فلم يختلف موقفهم في هذه الناحية، لكن ربما كان هناك دافع آخر خفي يحركهم، ألا وهو الإعلان الصامت عن قدسية الحياة، في زمن أهال الوباء والحروب التراب على كثير منها، وأنها تستحق الكفاح في تفان وإخلاص في سبيل أن تستمر، ولو لفرد واحد من الناس.

قد يُشار مستقبلاً إلى هذه القضية باعتبارها كانت محكاً طارئاً لاختبار مدى تماسك المجتمعات العربية، التي باعدت المواقف السياسية والدعايات الإعلامية المسمومة بينها على مدار السنوات الأخيرة. فالتعاطف مع الطفل “ريان” وأسرته كان القاسم المشترك بين الجميع، حتى لو اختلفت الروايات أو وجهات النظر، وهو تماسك جاء دون تمهيد أو توجيه من ساسة أو إعلاميين أو دُعاة دينيين أو كُتّاب.

كان الكل مشغولاً بـ “كيف” وليس بـ “لماذا” طالما كان الحفر يتتابع، ويسابق الزمن في سبيل إنقاذ الطفل، فالكل كان لا تشغله الأسباب التي أدت إلى سقوط “ريان” في البئر، لكن بالطريقة التي يجب أن يسلكها الجميع في سبيل خروجه حياً. وعلى الرغم من أن مرور الساعات كان يعني تزايد درجة الخطر التي تحدق بحياته، فإن الكل كان يفكر بالتمني، مستجيباً لكل التطمينات التي كانت تتحدث عن أنه لا يزال يتنفس، وإن كان قد دخل إغماءة طويلة. وكان في هذا يُستبعد كل صوت يشكك في إمكانية أن يكون الطفل على قيد الحياة، أو يتحدث عن العبء النفسي الشديد الذي سيلازمه على مدار السنين، إن بقي حياً، ولم تنفض ذاكرته الأهوال التي مر بها.

ويزيد على هذا أن حالة “ريان” لا تدين أحداً من العالمين، فآبار الجبال تكون غالباً على هذا النحو، ويمكن لأي أحد أن يسقط فيها غفلة، ولو وجدت إدانة لحكومة أو لأهل الطفل، فهي سرعان ما اختفت وسط جلال الحادث، وحل مكانها الغفران المبين، لاسيما في ظل الاهتمام الشديد بحياته، على النحو الذي رأيناه، سواء من السلطة السياسية، وعلى رأسها الملك محمد السادس، أو من المجتمع، بشرائحه وطوائفه واتجاهاته كافة، أو بكل الناس خارج المملكة.

وفي المقابل، لا تشيع لدى الناس صور أطفال يأكلهم الجوع والصقيع في مخيمات المشردين، أو تتساقط على رؤوسهم القنابل في قصف عشوائي، أو يختنقون في غاز القنابل المُسيلة للدموع، أو يقتلهم رصاص طائش، خلال مظاهرات؛ لأن مثل هذا الموت فيه إدانة لطرف يعتدي، أو يشارك، أو يتواطأ، أو يصمت، وهو في خاتمة المطاف يقع في مدار الشد والجذب، أو الصراع السياسي، الذي تتراجع فيه الكثير من المعاني والقيم الإنسانية.

حالة مختلفة:

سأضرب هنا مثلاً بصورة طفل سوري تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي قبل حادث “ريان” بأيام قليلة، وهو يقف بملابس متسخة ممزقة أمام خيام يغطيها الثلج، ويبدو على وجهه الأسى والجوع. وهذه الصورة كسبت تعاطف الناس بالطبع، لكنها سرعان ما دخلت في مدار الصراع السياسي، فألقى فوقها ركاماً كثيفاً، وصار الحديث ليس عما يلاقيه هذا الطفل من عيش بغيض مرير، إنما من السبب فيما آل إليه حاله، وفي يد أي طرف سياسي يكون مآله، بل وزادت الإدانة لتلطم وجه المجتمع الدولي بأسره، الذي يتشدق بحقوق الإنسان، وينسى هؤلاء الأولى بالرعاية.

وكل هذه الحسابات الضيقة والمتزمتة لم تحضر في مأساة الطفل “ريان”، فسقوطه في البئر لم يكن بسبب صراع سياسي حول السلطة، أو تطاحن عرقي أو مذهبي، أو حتى إحن طبقية؛ إنما رآه الناس “مسألة قدرية”، فانجذبوا إليه، ليظل مشهد الواقفين عند البئر، ثابتاً على أغلب الشاشات العربية، وخبراً يتوالى على شاشات عالمية، وجميعها يتسابق إليه، بينما ينتظر الناس ما يقوله مراسلون واقفون على رأس الحفارات التي تنهب الأرض الصلدة بحثاً عنه.

دور الإعلام:

لا يمكن في هذه الحالة أيضاً أن نغفل دور الإعلام التقليدي والجديد، فربما لو وقع هذا الحادث قبل ربع قرن أو يزيد، ما لاقى هذا الاهتمام الشديد الذي رأيناه، وبذلك أضاف “ريان”، وهو في وحشة البئر، ثم وهو في رحاب الله ذي الجلال، إلينا دليلاً جديداً على أن الإعلام صار قوة جبارة، يمكنها التحكم في الرأي العام، بشكل أكثر إفراطاً مما كان سابقاً؛ نظراً لسهولة الذيوع والانتشار، وامتلاك عناصر أكثر للجذب، وتعدد المنابر، وإشراك الناس في الحدث، وكثرة التفاعلات ودورانها بلا نهاية.

لقد أتعب “ريان”، دون قصد منه، كل من سيأتي بعده، فكل حادثة تلحق بطفل عربي، من الآن فصاعداً، ستحيل على الفور إلى الطفل المغربي، وسيتسع مدى المقارنة، ليس بخصوص اهتمام الحكومات فحسب، لكن بانشغال وسائل الإعلام أيضاً.

* مركز المستقبل للدراسات والأبحاث المستقبلية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى