باحث يقارب التواصل الاستراتيجي في التقارير السنوية للأجهزة العمومية

قال الباحث المغربي عزيز م. إدريس، إن “نشر التقارير السنوية للأجهزة العمومية يشكل آلية أساسية لتواصلها المؤسساتي مع الأطراف ذات العلاقة بمهامها، وفرصة لإثارة النقاش العمومي حول مدى فاعليتها في ممارسة المهام المنوطة بها”، مستدركا أن “ثمة فجوة بين محتوى التقارير السنوية وشكل إخراجها وانتظارات وتطلعات متلقيها ومستعمليها الذين لا يجدون فيها ما يكفي من المادة الوجيهة واللازمة لمساءلة المدبرين العموميين والمتدخلين المعنيين بمهام الأجهزة العمومية”.

وأشار إدريس، في مقال توصلت به LE7.ma، إلى أن “ما يهم المواطن والفاعل السياسي والمدني والمختص الأكاديمي في مناسبة رسمية، كنشر تقرير سنوي لجهاز عمومي ما، هو ما سيفصح عنه بخصوص نهوضه بمهامه وخلقه لقيمة مضافة وأثر فعله في الحياة العامة”، موضحا أن “الاستجابة لذلك تمر عبر الإفصاح عن الجوانب المفصلية في حكامته وتبرير وجاهة استراتيجياته وفعالية تنزيلها، فضلا عن سياقات محيطه الخارجي المؤثرة في اشتغاله”.

وتناول الباحث في السياسات العمومية في مقاله المعنون بـ”التواصل الاستراتيجي في التقارير السنوية للأجهزة والهيئات العمومية”، مجموعة من المحاور من بينها “الحوكمة ومسارات اتخاذ القرار”، و”الاستراتيجية ومدى ترجمتها الفعلية لرؤية النهوض بالمهام”، و”قياس الأداء والأثر”، و”المخاطر والعوامل الخارجية المؤثرة”.

وهذا نص المقال:

يشكل نشر التقارير السنوية للأجهزة العمومية آلية أساسية لتواصلها المؤسساتي مع الأطراف ذات العلاقة بمهامها، من صناع قرار وفاعلين سياسيين ومدنيين وعموم الجمهور، وفرصة لإثارة النقاش العمومي حول مدى فاعليتها في ممارسة المهام المنوطة بها.

وإذا كان نشر هذه التقارير يحقق الامتثال لمتطلب قانوني أو ممارسة فضلى، فإنه يطرح سؤال تحقق غايات المشرع منه، وذلك بالنظر لما يكشف عنه النقاش العمومي بشأنها بخصوص تمثل المتلقي لأدوار الأجهزة المصدرة لتلك التقارير وقناعته بشأن إحداثها فارقا في معيشه اليومي ومن ضعف تفاعل أصحاب المصلحة المؤسسيين معها.

ويبدو أن ثمة فجوة بين محتوى التقارير السنوية وشكل إخراجها وانتظارات وتطلعات متلقيها ومستعمليها الذين لا يجدون فيها ما يكفي من المادة الوجيهة واللازمة لمساءلة المدبرين العموميين والمتدخلين المعنيين بمهام الأجهزة العمومية، ولا ما يعزز مقومات تحليل الفعل العمومي ومراقبته وتقييم مخرجاته وآثاره بشكل عام.

فبحكم طبيعتها، تمنح التقارير السنوية مساحة محدودة للتواصل يستحب استعمالها بمنهجية ووجاهة دون تكرار المعلوم بالضرورة ولا تركيز على النتائج المالية والتشغيلية، التي يمكن التواصل بشأنها عبر قنوات أخرى من قبيل المواقع الإلكترونية الرسمية وتقارير تقديم الميزانية أمام البرلمان والندوات الصحافية الاعتيادية. إذ ما يهم المواطن والفاعل السياسي والمدني والمختص الأكاديمي في مناسبة رسمية ( (solennelleكنشر تقرير سنوي لجهاز عمومي ما، هو ما سيفصح عنه بخصوص نهوضه بمهامه وخلقه لقيمة مضافة وأثر فعله في الحياة العامة. والاستجابة لذلك تمر عبر الإفصاح عن الجوانب المفصلية في حكامته وتبرير وجاهة استراتيجياته وفعالية تنزيلها، فضلا عن سياقات محيطه الخارجي المؤثرة في اشتغاله.

الحوكمة ومسارات اتخاذ القرار

تشكل حوكمة الأجهزة العمومية أول مستوى يثير اهتمام المواطن لكونها مفتاح ثقته في مخرجات عملها ولما تشكله من منظومة تتم من خلالها إدارتها فعليا وتوجيه استراتيجيتها. وإذا كانت النصوص القانونية التي تحدد أجهزة الحكامة وتنظيمها وهيكلتها وأسس ومبادئ توزيع المسؤوليات بين مختلف الفاعلين فيها متاحة للجميع، فإن التواصل المؤسساتي الجيد حول حكامة الأجهزة العمومية يقتضي تسليط الضوء على السياقات الخاصة لاتخاذ القرارات داخل هياكلها. وفي هذا الصدد، يحتاج متلقي تقاريرها السنوية أن يكون على بينة من بعض المعطيات الأساسية التي تكمل لديه صورة اتخاذ القرار من قبيل:

– رؤية الإدارة العليا وتمثلها للمهام والخطاب المعتمد لديها؛

– كيفيات اشتغال المجالس والهيئات المسيرة والقيادية؛

– ميكانيزمات الربط بين أجهزة الحوكمة وقيادة وتتبع العمليات؛

– عرض الأمور التي تتم مناقشتها في مجالس الإدارة ولجان القيادة وتلك المفوضة لباقي الهياكل؛

– القواعد والإجراءات الخاصة المتعلقة باتخاذ القرارات غير الاعتيادية؛

– مبررات اتخاذ القرارات ومدى تحقيقها للنجاعة والتجانس مع الاختيارات الكبرى.

الاستراتيجية ومدى ترجمتها الفعلية لرؤية النهوض بالمهام

لقد صار من اليسير على كل من يمتلك حدا أدنى من الثقافة القانونية أن يستخلص من الوثيقة الدستورية والنصوص القانونية المنشئة للأجهزة العمومية مهامها ووظائفها ومخرجات عملها والقيمة المضافة المنتظرة منها (المخرجات). وفي ظل هذا المعطى، يتواتر في النقاش العمومي التساؤل المشروع الذي يطرحه المواطن حول مدى تطابق تمظهرات الفعل العمومي على أرض الواقع مع النصوص القانونية والإطار المؤسساتي لاشتغال الأجهزة العمومية. ومرد ذلك لقصور في تواصل بعض المؤسسات حول استراتيجياتها ومدى ترجمتها الفعلية لرؤيتها للنهوض بمهامها.

وهنا، لا يتحقق المراد من التواصل فقط بالإفصاح عن البرامج والمشاريع والأرقام المتعلقة بها، إذ يحتاج المتلقي تبريرا منطقيا وموضوعيا للترابط بين النص القانوني من جهة، والأهداف الاستراتيجية المعتمدة من قبل الأجهزة العمومية من جهة ثانية. كما يحتاج أن يطلع على مبررات القرارات والاختيارات المهمة المتخذة وأن يقتنع بها وأن يكون على دراية بالمخططات المستقبلية لتحقيق أولويات المؤسسة أو الهيئة العمومية.

وعلى مستوى ثان، يسجل على تواصل الأجهزة العمومية بخصوص استراتيجيتها غياب خيوط التلاقي أو التقاطع بين الاستراتيجيات الراهنة والسالفة. مما يطرح لدى المتلقي إشكالات في فهم ما تصبو إليه، وذلك في غياب مبررات للقطيعة مع اختيارات استراتيجية سابقة أو للاستمرار فيها عند الاقتضاء.

كما أن بعض التقارير السنوية لا تأخذ الحيز اللازم لطمأنة المتلقي والرأي العام بخصوص حظوظ نجاح الاستراتيجية المعتمدة وذلك بعرض مقومات النجاح والعوامل المحفزة (enablers)، من قبيل مالية الجهاز والتخطيط المقاولاتي (corporate planning) وانخراط الأطراف الخارجية وأثر السياسات العمومية ذات العلاقة والتحولات المحدثة والقيم المهنية والأخلاقيات والخبرة… إلخ.

قياس الأداء والأثر

يستحضر نشر التقارير السنوية في مواعيد دورية بالضرورة ذاكرة المتلقي ويجعله يستشعر مدى تحسن أداء الهيئات والأجهزة العمومية التي تصدرها. ففي هذا الشأن، يكتسي عرض مقاربات قياس فعالية ونجاعة عمل المؤسسات ومؤشرات أدائها الرئيسية Key performance indicators ودينامية تطورها الزمني أهمية حيوية لفهم ومناقشة منجزاتها وتقييمها.

ومع الإقرار بصعوبة ذلك أحيانا، بالنظر لطبيعة بعض المهام المنوطة بها، ينتظر من الأجهزة والهيئات العمومية الإفصاح في تقاريرها السنوية عن المؤشرات المالية وغير المالية التي تعتمدها، والتي يجب أن تغطي الأبعاد الاستراتيجية في أدائها وأن تقدم تقييما متوازنا للتقدم في تحقيق ما تم تسطيره، وخصوصا ما تم الالتزام به أمام الأجهزة التداولية/التقريرية.

المخاطر والعوامل الخارجية المؤثرة

تشتغل الهيئات والمؤسسات العمومية في محيط تتأثر به وتؤثر فيه وتتعرض لعوامل خارجية في تطور ديناميكي من سنة لأخرى. وغير خاف أن بعض المخاطر الخارجية قد تحول دون تحقيق أهدافها. فيقتضي التواصل الموثوق أن تبلغ للرأي العام في التقرير السنوي المخاطر التي تواجهها وأن تشرح تمفصل الأهداف الاستراتيجية والأولويات المسطرة مع التقييم الكمي للمخاطر والتخطيط الواقعي والعقلاني للتقليل من آثارها.

كما ينتظر من التقرير السنوي لجهاز العمومي ما أن يوفر عناصر تحليل أخرى تهم ما يقع في محيطه الخارجي والتي من شأنها وضع حسن أو ضعف أدائه في سياقاته. فعلاوة على الإطار القانوني للاشتغال والإكراهات المؤسسية التي قد يطرحها، يجب أن تأخذ التقارير السنوية في الاعتبار كل ما من شأنه التأثير في تحديد الأهداف أو بلوغها، ومثال ذلك في السياق الوطني:

– الشراكات الاستراتيجية مع الأطراف ذات المصلحة (للاستجابة لتطلعاتها والحصول على انخراطها والتزامها)؛

– سبل مواكبة تنزيل النموذج التنموي الجديد؛

– التعامل مع السياسات الأفقية أو القطاعية للدولة؛

– تأثير جائحة كوفيد 19 على وتيرة ونطاق اشتغال الجهاز من حيث المخاطر والإنفاق والتدبير.

وجدير بالذكر هنا أن الممارسات الفضلى على المستوى الدولي تشجع الهيئات الحكومية على تضمين متن تقاريرها السنوية حتى مناحي الاستدامة والتعامل مع تغير المناخ وتأثير الأحداث الدولية المهمة… إلخ.

ويوصى من الناحية الشكلية أن تصاغ تقارير الأجهزة العمومية وتقدم في احترام تام للمتطلبات القانونية، وأن يكون خطابها (وتحليلاتها) مفهوما لدى عموم الناس على اختلاف مشاربهم ومستوياتهم التعليمية بما يسهل إدراك مضمونها ورسائلها الأساسية. ويتعين لهذا الغرض القيام بالمجهود التواصلي والإخراج الفني اللازم لتكون بنية التقارير متسقة سهلة التصفح، مبسطة للمفاهيم والإشكاليات التقنية، مع ترك مساحة للبيانات غير النصية لإيصال الرسائل الأساسية.

إن نشر التقارير السنوية لبعض الأجهزة العمومية ليس ترفا مؤسسيا ولا تضخما تواصليا، بل إن وراءه غايات ومقاصد عميقة تبدأ بتقديم الحساب لمن يهمه الأمر بخصوص الأمور الجوهرية لتدبيرها وتنتهي بالتمكين الحقيقي للمواطن بما يضمن تملكه مفاتيح المساهمة الفاعلة في تدبير الشأن العمومي وتقييمه وممارسة رقابة الرأي العام عليه. وهذا المبتغى لن يتحقق دون معرفته (المتلقي) الكافية بإدارة الأجهزة واستراتيجياتها وكيفية قياس أدائها وكيف تتأثر بمحيطها الخارجي وتؤثر فيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى