دراسة تدقق في استيعاب الغضب وتوجيه الاحتجاج عبر مجالس الشباب

تؤكد تقارير صادرة عن مؤسسات رسمية، منها المندوبية السامية للتخطيط، الضعف الشديد لاهتمام الشباب المغربي بالعمل السياسي وبالمشاركة في الشأن العام؛ لكن هل يحافظ الشباب على القناعات نفسها التي كانت لديهم قبل انخراطهم في المؤسسات المعنية بتدبير الشأن العام؟ وهل يعملون على تجسيد التغيير الذي كانوا يطالبون به من داخل المؤسسات؟

تفيد دراسة أنجزها الباحث مصطفى المناصفي، أستاذ باحث في جامعة مولاي إسماعيل بمكناس، تتبّع فيها العلاقة التي تربط بين فئة الشباب، من جهة، والسياسات العمومية، من جهة أخرى، بأن إدماج هذه الفئة من المجتمع في مجالس الشباب تُثمر نتائج عسكية، إذ سرعان ما يتبنّون خطابا مثل خطاب ممثلي السلطات العمومية على المستوى المحلي.

وحسب المعطيات الواردة في الدراسة التي أنجزها المناصفي على عينات من الشباب في إقليم وارزازات، فإن انخراط هذه الفئة من المجتمع في مجالس الشباب يعطي نتائج عكسية للدوافع التي من أجل أسس هؤلاء الشباب مجلسهم، إذ يقع نوع من تذويب تلك الدوافع.

وتفيد الدراسة بأن انخراط الشباب في المجالس المحدثة لهم يساهم في خلق نوع من التقارب بينهم وبين ممثلي السلطات العمومية على المستوى المحلي؛ ما يسّهل دمجهم في السياسات العمومية المحلية، ومن ثمّ يحدث تغييرُ وتوجيه فئة الشباب بعد إشراكهم في السياسات واللجان المحلية، ودفعهم إلى تبني خطاب مماثل لخطاب ممثلي السلطة العمومية المحلية.

وتوسع نطاق إشراك الشباب المغرب في الشأن العمومي بعد دستور 2011، الذي نص في الفصل 33 منه على “توسيع وتعميم مشاركة الشباب في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للبلاد”، و”مساعدة الشباب على الاندماج في الحياة النشيطة والجمعوية”. كما نص على إحداث مجلس استشاري للشباب والعمل الجمعوي، من أجل تحقيق الأهداف المذكورة.

وأشار المناصفي إلى أن فتح الدستور باب الديمقراطية التشاركية أمام الشباب المغربي كان عاملا مشجعا للشباب، لا سيما المنخرطين منهم في جمعيات الأحياء، على التعبئة لإنشاء مجالس الشباب، معتبرا أن هذا الإجراء كان شكلا جديدا من أشكال المشاركة التي تهدف إلى إشراك الشباب في تطوير السياسات العمومية المحلية.

وبالرغم من تأثر الشباب المنخرطين في مجالس الشباب بخطاب ممثلي السلطة العمومية المحلية، فإن علاقتهم مع الفاعلين السياسيين تتسم بالتضارب، حيث تشير الدراسة، بناء على واقع مجلس الشباب بوارزازات، إلى أن الأحزاب السياسية لا تهتم بمشاركة الشباب في صنع القرار، ويرى فيهم الفاعلون السياسيون المحليون منافسين محتملين لهم.

توجّس الفاعلين السياسيين المحليين من المنافسة المحتملة لهم من طرف الشباب يؤكده ما صرح به رئيس مجلس الشباب بوارزازات لمُعد الدراسة، حيث قال: “إنهم يعتقدون (الفاعلون السياسيون المحليون) أننا منافسون لهم. ذات مرة ظهرتُ في التلفزيون، ولم يتقبلوا ذلك”.

هذه العلاقة المضطربة، تضيف الدراسة، يترتب عنها انعدام الثقة بين الشباب وبين المسؤولين المحليين المنتخبين. كما أن الأحزاب السياسية، وإن كانت تتوفر على تنظيمات موازية خاصة بالشباب، فإنها لا تضع هذه الفئة كرهان في تجديد نُخبها؛ بينما ينظر المنتخبون المحليون إلى مجالس الشباب على أنها “فضاءات يجتمع فيها الخصوم”.

انعدام الثقة بين الشباب والأحزاب السياسية يعكسه مُعطى آخر توصل إليه المناصفي في دراسته، حيث لم يُخفِ بعض أعضاء مجلس الشباب بوارزازات رغبتهم في أن يصبحوا أعضاء في المجلس البلدي؛ لكن بشكل مستقل، أي دون المرور إلى هذا المنصب عبر حزب سياسي، وهو ما يعني، حسب ما جاء في الدراسة، أن مجالس الشباب “لا يبدو أنها تمكنت من الإسهام في خلق علاقة جيدة بين الشباب والمسؤولين المنتخبين”.

ومن بين النتائج التي خلُصت إليها الدراسة الميدانية أن هناك رؤى متقاطعة ومختلفة إزاء مجالس الشباب بين المنخرطين في هذه المجالس وممثلي السلطة المركزية والمسؤولين المحليين المنتخبين؛ ذلك أن مشاركة الشباب في الشأن العام قد تُستخدم كآلية “تهدف إلى السيطرة على غضبهم”، إضافة إلى “توجيه احتجاجات الشباب المنخرطين في الجمعيات”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى