الفيلم السينمائي “وقح” .. وجبة بوليسية سريعة تستعمل توابل مستهلكة

يجري المجرم والمحقق يطارده، (“وقح” Brazen، نيتفليكس 2022، إخراج مونيكا ميتشيل وبطولة أليسا ميلانو وسام بيج وكولين ويلر) الإيقاع سريع، لا وقت للتأمل والتفلسف. بداية واعدة…

والنتيجة أن الفيلم ضمن الأعلى مشاهدة في المغرب على منصة ليست مجانية. كاتبة روايات بوليسية تصير محققة في جريمة. تتنافس مع ضابط شرطة ناجح. تنتقل الكاتبة من التنظير إلى الممارسة. يتنافس الضابط المحقق والروائية، هو يفحص الوقائع هنا والآن بينما هي تتخيل مسارات الجريمة، تقرر أنه لا بد من باب سري في الحكاية… يصعب صنع التشويق إن كانت كل الأبواب مكشوفة ومفتوحة.

يتم التفكير في الجريمة من زاويتي التنظير والممارسة، الروائية تتخيل والضابط يطبق الوصفات الجاهزة، هو لا يتخيل ولا يتوقع ولا يفسر الحوافز. كانت هي تقارب الواقع كروائية، تقارب الجريمة الواقعية عبر الخيال.

الشرطي والكاتبة

كاتبة روايات بوليسية ناجحة على مشارف الخمسين، تحقق في جريمة قتل أحد أقاربها. حقن السيناريست الذي يعرف الانشطار المرآوي MISE EN ABYME حكايته بنواة سردية كثيفة شهيرة: كانت القتيلة تدرّس مسرحية “هاملت”، الذي كان يحقق في مقتل والده بإعادة تمثيل الجريمة. هذه حالة صراع بين القصة الأساسية الإطار مع قصة أخرى مُؤطَّرة… يوجد هذا الازدواج على مستوى التحقيق أيضا.

هناك تحقيق مؤطِّر وتحقيق مؤطَّر… هذا تحقيق مزدوج: تنظيرا أدبي وممارسة بوليسية. تحقق الروائية في الجريمة، ثم تقرر أن تتحول إلى طعم لصيد المجرم… السرديات بخير على نيتفليكس… هذه الحيل السردية هي الدافع للكتابة عن هذا الفيلم ذي الخلفية الأدبية العميقة والسطحي سينمائيا. يبدو أن الرداءة جزء من وصفة نيتفليكس لتحقيق الأرباح.

كان يفترض أن تزاوج مخيال الأدب البوليسي وتقنيات التحقيق الميدانية سيجعل الفيلم مشوقا، لكن هناك استسهالا مريعا. تحضر خصائص النوع الأدبي البوليسي كبهارات دون ابتكار.

حسب قوانين النوع البوليسي polar تاريخيا، تجري الجريمة في الكواليس المظلمة ويعمل المحقق على إضاءة المشهد كما يقول المؤرخ الثقافي إريك هوبزباوم. وقد تطور هذا التحقيق مع ظهور فن القصة البوليسية الغامضة التي صارت تستغرق كتابا كاملا. هذا الفيلم موضوع المقال مقتبس من رواية Brazen Virtue للكاتبة نورا روبرتس. فيلم مقتبس من رواية بوليسية يندرج ضمن تقليد أدبي عريق.

يضيف هوبزباوم أنه بعد 1914 انتشرت الرواية البوليسية ولقيت رواجا عالميا وتتناول الجريمة كلعبة كلمات متقاطعة وفق وصفة تنطبق على الفيلم موضوع التحليل:

تجري الجريمة في بيئة مألوفة، وسط تعليمي ذكوري راق يدرس به ابن ملياردير وابن سيناتور، لكن هناك كواليس الغريزة. جريمة القتل هي الوحيدة القادرة على تحريك مفتش الشرطة.

جرت الجريمة في بيئة يسودها النظام على نحو مميز، ويجري اقتفاء أثر الجريمة غالبا من طرف رجل إلى أن يصل إلى إحدى التفاحات الفاسدة التي تؤكد سلامة باقي التفاح في السلة، فتعود الأمور إلى نصابها. إريك هوبزباوم (عصر التطرفات، ترجمة فايز الصُياغ، المنظمة العربية للترجمة، 2011، ص: 354- 355).

جديد الأسلوب

لا جديد. شخصيات نمطية وحوارات مفرطة في الشروح… تم زرع مسارات بسيطة للتشويق في سرد مستهلك يجرب المجرب ليصل إلى نهاية سعيدة تحققت بسهولة. كل شيء متوقع واضح ويحصل فعلا كما هو مقرر في سرد ميكانيكي لا يتقصى نقط احتكاك وتصادم الواقع والخيال، لذلك تتفوق الروائية كل مرة على البوليس.

لخلق التشويق تم افتراض حوافز للجريمة، تم تصميم طرق مضللة بسيطة… المحققة تتحول إلى طعم لصيد المجرم… تنجح بسرعة. كل ما تتمناه يحصل دون جهد… كان التحقيق أشبه برحلة في طريق سيار… يصعب خلق الغموض في واقع اجتماعي تحت كاميرات المراقبة التي صعّبت عمل المجرمين وسهلت عمل الشرطة.

لقد فقد الفيلم في نصفه الثاني وهج النصف الأول. فيلم تجري أحداثه هنا والآن، وبالتالي ليست هناك مسافة زمانية مع الروتين اليومي للمتفرج ولا مسافة مكانية مع فضاء عيش المتفرج، رغم أن الضحية كانت تسكن بيتا فيه ديكور عريق ذو طراز يذكر بفراش بداية القرن العشرين ويوحي بصالونات الجاسوسية الإنجليزية… فيلم فيه إيقاع سريع وحوارات توضيحية لإرضاء متفرج ليس لديه وقت للهم، للتفكير. متفرج يريد الجاهز، والدليل صعود الفيلم ضمن العشر الأكثر مشاهدة بالمغرب.

صارت أفلام الجريمة مطلوبة بشدة في مجتمع طبع مع العنف، لكن في الفيلم سرعة سرد رقمية لا تتلاءم مع طبيعة البشر المترددين والحذرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى