أكاديمية المملكة تهتم بـ “أدب الهامش” باستحضار ذكرى الروائي محمد لفتح

اعتراف بتجربة روائية مغربية لم تنل حظها من الانتشار شهدته أكاديمية المملكة المغربية، الأربعاء، التي تنظم ندوة دولية تكريمية للروائي الراحل محمد لفتح، وحول أدب الهامش، والعلاقة بين الكتابة والهامش.

وفضلا عن تجربة لفتح، استحضرت الجلسة الافتتاحية للندوة اسم القاصّ المغربي الراحل إدريس الخوري؛ كما تهتم المداخلات التي ستستقبلها الأكاديمية، بمبناها في الرباط، يومي 17 و18 فبراير الجاري، بأسماء أدبية منها الروائي والقاصّ محمد زفزاف.

ورأى الأكاديمي والكاتب مصطفى بن الشيخ في ندوة أكاديمية المملكة حول “لفتح، الكاتب الفرانكفوني الكبير” اعترافا بـ”أدب الهامش”، ومباركة للأدب عامة.

وبعد عرض فيلم قصير، من إخراج طارق بنبراهيم، عن أدب محمد لفتح، وعوالمه، ورحلاته، تحدث عصام الدين تبر عن مواضيع لْفْتح النابعة من حياته، وعن هروبه من الخطاطات المغرقة في الخَطية أو المغرقة في السرد، ورؤيته السياسية العميقة، وتحدث عن كتابته بـ”حساسية الشاعر المتبصر”، ومشروع الكاتب الأدبي المهتم بالسيدة الحرة الذي قطعه الموت.

عبد الجليل لحجمري، أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة، قال إن هذا التكريم تقدير من الأكاديمية لـ”كاتب مغربي لفت الأنظار إلى كتاباته، وعالمه الروائي والقصصي، في لمح البصر، ثم رحل بعيدا”.

وأضاف لحجمري في كلمته الافتتاحية لندوة التكريم والاعتراف: “لفتح أديب مغربي أسهم في إغناء أدبنا بأعمال شغلت بال القراء والنقاد والباحثين بعمقها الأدبي وتفردها الخلاق، في التقاط ما هو هامشي في الحياة والكينونة منذ مطلع التسعينيات”.

وتابع المتحدث ذاته: “منذ روايته الأولى كانت كتابته مبشرة بنوعية في الكتابة، وأسلوب في الحياة بواقعية وحساسية لا يملكها إلا الكتّاب الموهوبون”، وزاد: “كتابته يجاور فيها النثر الشعر، وتتحاور ضمنها الكوميديا والتراجيديا، والخيالي والسير ذاتي والتاريخي والأسطوري؛ وهو ما أماط اللثام عن سرد صدر عن تجربة عميقة في الحياة، وتأمل التجارب، والصداقات، وأحوال الناس البسطاء”.

كما تطرق لحجمري إلى عادة نظرية الأدب في “التفريق بين أدب مركزي وآخر هامشي لا يمتلك معايير الجمالية”، بل قد يعد لدى لبعض “لا أدبا”؛ “يفتقد للرقي والسمو وأدبا من الدرجة الثانية، لا يصلح إلا لإفساد الأخلاق والأذواق”، مسجلا أن “الثقافة العربية الكلاسيكية” عرفت صنفين من الأدب، هما “أدب الخاصة، وأدب العامة”، حيث كان الأول معبرا عن “ثقافة النخبة العالمة”، وكان الثاني “معبرا عن ثقافة العوام ويتم تداوله فقط بين فئات محددة ظلت وفية لما يزخر به من تعبيرات شملت مثلا السير الشعبية والنوادر والقصص العجيبة وقصص الشكار وأخبار الحمقى والمغفلين”، ونبه في هذا الإطار إلى أهمية “ما وفره لنا الدكتور محمد بنشريفة في تحقيقه النادر لكتاب أمثال العوام في الأندلس”.

ثم علق أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة على موضوع الهامش وثقافته، قائلا إن انتسابه، عموما، لـ”ثقافة الهامش بدل ثقافة المركز قد سمح بإبداع أنماط من التعبير بتلوينات وصور ومرجعيات وإيديولوجيات تعبر عن موقف من قضايا المجتمع، ملفوفة عموما بصيغ الرفض والتمرد والخروج عن المألوف، بأصوات ونصوص تأبى أن يلحقها النسيان”، وواصل معددا “القيم الخاصة لثقافة الهامش في زمننا”، التي “تستمد من اليومي والمعيش، ومن التقاليد والممارسات التي تسعى إلى ترسيخها، ومن العمران والجداريات المستمر في غزو واجهات العمارات، ومن السْلَام والهيب هوب وإيقاعات الراب”، ثم علق بقوله: “إنها في المحصلة ثقافة تحرير العقل والمخيلة، ورسم معالم هوية اجتماعية تبدو هجينة؛ بيد أنها تسعى لتكون كونية وعابرة للقارات”.

في هذا الإطار، لحجمري الذي ذكر أن “لكل هامش جراح، كما له ألم دفين”، أكد أن “كل هامش يبقى اكتشافا نادرا، ومعبرا، وصادقا، واستثنائيا، وعجيبا، في العلم والفلسفة والتصوف وحتى مناقب الأولياء … وعولمة إعلامية، أضحى معها المركزي والهامشي صنوين ونِدين في التأثير في الواقع وتفسيره والتأثير في الحياة أحيانا أخرى”.

وبوصف ما بعد الحداثة “نقدا وموقفا من العالم القديم والجديد، بحثا عن فكر بديل في السياسة والاقتصاد والثقافة وما يعتمل فيها من تجاذب وتناقض”، يبقى الهامشي في الفكر والأدب والثقافة، في ضوء هذا التصور “تعبيرا عن فرح مرجو لمستقبل ممكن بعيدا عن مظاهر الانزواء والإقصاء والعدمية”، وفق المتحدث ذاته.

الأدب الهامشي الذي يعبر عن “وعي قلق بالاختلاف، أو بفارق الاختلاف”، حسب أمين سر الأكاديمية، نبه إلى أن “سؤال الهامش سؤال راهن، وسيظل كذلك بسبل وغايات تفرضها حركية المجتمعات، وما تتيحه من ممكنات في الخلق والإبداع؛ لأنه جزء من الثقافة ومن مواضيع انشغالها، بما يراكمه من حاجات وبَلاغات لم يعد من الممكن نكرانها أو تجاهلها”.

بهذا التصور، تحدث لحجمري عن هامش محمد لفتح، ابن مدينة السطات الذي جاء إلى الكتابة الأدبية لما بلغ السادسة والأربعين، ونشر أولى رواياته سنة 1992، قبل أن يرحل سنة 2008، قائلا إنه لم يكن “هامش عزلة ولا انعزال، بل فضاء رحبا يتخطى كل الحدود”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى