الأشعري: لْفْتَح أديب ممتنع عن الترويض .. وتحقُّق الكتابة “ولادة أخيرة”

استعادةُ “شخصية أدبية عبرت سماءنا مثل نيزك سريع، وكانت دائما متمنعة عن الاحتواء والترويض، من خلال سفر مستمر بين الأمكنة والكلمات”، تحضر في تكريم أكاديمية المملكة للروائي محمد لفتح، وفق الروائي محمد الأشعري.

ورأى وزير الثقافة السابق في هذا الموعد استعادة لـ”نصوص منفلتة، وكتابة تحرّك الشهوات والأوجاع، وتنسج بلغة الكتابة الفرنسية، هنا، وبلغات الأعماق والذاكرة، نسيجا واحدا تلتقي فيه أسئلة الوجود والفناء، الجذور والحرية، الذات والآخر، المدينة والفرد، الأسماء والدلالات، مع أسئلة التحولات والهجرات السطحية والعميقة، وأسئلة الهوامش والساحات الخلفية، وأسئلة المراكز الفعلية أو الرمزية، وأسئلة الأصل، سواء امتد حتى ضفاف النيل أو اشتبك بحدائق الغواية بالأندلس”.

تم هذا في اليوم الثاني للندوة الدولية التي تنظمها أكاديمية المملكة المغربية، بالرباط أيام 16، 17، 18 فبراير الجاري، حول أدب محمد لْفْتَح، وموضوع “الكتابة والهامش”.

وسجل الأشعري أن من الصعب اعتبار كتابة لفتح “كتابة هامش”؛ لأنه “عندما تكون الكتابة في قلب الأشياء فإنها تصبح جوهرا مشتركا، لا جزءا من هامشٍ”. وهكذا، أمّن على تعريف الراحل لفتح لكتابته قائلا إنها “كتابةٌ بين الحدود، ليس بمعناها الجغرافي فقط، بل الحدود بين اللغات والعوالم، بين الذاكرة والتخييل”.

ولم ير الروائي في “استعادة محمد لفتح في رحاب أكاديمية المملكة (…) انتزاعا له من مناطق الظل التي اختار أن يقيم فيها”؛ بل قال إنها “دعوة لنا جميعا للقيام بخطوة نحو تلك المناطق المجهولة، المخيفة أحيانا والمغرية أحيانا أخرى، والمثيرة دائما. هي دعوة لأن نقوم بنفس الشيء الذي قام به الكاتب؛ الذهاب إلى أقصى حدود التيه والابتعاد، للعثور مجددا على النبع”.

هذه الرحلة تتجسد، بالنسبة للأشعري، في “رواية لفتح المدهشة “عنبر أو تحولات العشق”؛ حيث ينتهي المطاف بتلك الرحلة المحمومة خلف وجوه الماضي، وأساطير الطفولة وأغوالها، إلى اعتبار الكتابة نفسَها هبة من العنبر، كما العنبر نفسه هبة من الوحش البحري، وكما عنبرُ نفسُها هبة من وحش الطفولة”.

ومع إعادة قراءة منجز لفتح الأدبي، ذكر الأشعري أنه قد وجد بنفسه “مثل الشعور بتلك المغامرة التي اعتنقها الكاتب عندما حفر عميقا ليعثر على ماء الحكاية، أو ليقع، حسب تعبيره، في بئر الأساطير”، وتابع منبها على ضرورة “الذهاب مع الكاتب، لا صوبَه، واعتناق رحلته وتيهه”.

وواصل: “إن العثور فجأة، كما في الرواية، على عنبر عائدة من زقاق بعيد، عائدة من مدينة تكاد تكون بلا أساطير، لِتكون دليلا حاسما في اكتشاف المدينة البيضاء، التي يقول إنها بيضاء من ضباب وإضاءة، لكنها ليست نقية بالضرورة، خالصة ومَشوبة. هذا العثور الصاعق ليس تفصيلا عاديا في بناء حكائي، بل خيط منجمي، يقود عبر انسيابه إلى قلب المعدن الخالص، الذي لا يوجد في المدينة والذاكرة والهامش المعتم وبقعة الضوء المركزية، لا يوجد إلا في الكتابة”.

في أدب لفتح، وفق قراءة الأشعري، “كثيرا ما تأخذنا الحكاية إلى قصور آيلة للاندثار، في مدينة لا تشعرك لأول وهلة أنها مكان محتمل لإيواء أندلس الرغبة، أو غواية الصحراء، أو توحش النيل. السّْطات تحديدا. لكن لا يهم ما ستشعرك به هذه المدينة، أو ما ستحيلك عليه (…) المهم أن مجاهلها المغمورة، ستعرف هي الأخرى، عبر النص الذي نقرؤه، نساء مدهشات يولدن مع الاسم الذي يمنحه لهن عقد الشراء، عقد العبودية”.

وزاد: “بئر الأساطير في مدينة مثل هذه لا يقف عند حد، وسرعان ما يلتقي بمياه أخرى (…) سواء في المدينة الضخمة التي تبتلع كل شيء، المدينة البيضاء، أو بعيدا في الضفة الأخرى للمتوسط، أو معجزة الماء وحده، حتى منابع النيل”.

واسترسل الأشعري قارئا: “في كل تحولات الحكاية وتدرجها، تناميها أو تفككها، تستوقفنا الكتابة، بتأملاتها الفلسفية، وتذوقها الشعري، بسحنتها المعذبة، أحيانا، والساخرة أحيانا أخرى، والمترنحة باستمرار لأنها ثملة بالكلمات وبسحرها الذي يتحقق في اللحظة التي تموت فيها الحكاية، أي في انبلاج صبح شهرزاد المستحيل”.

وبعد استنطاق لبعض ما تحكيه قصص المكرَّم، قال محمد الأشعري إن “في كل عوالم محمد لفتح (…) هناك دائما دعوة شجية إلى هذه العودة، إلى ليل أول، إلى ليل الحكي بتعبير إدمون عمران المالح، ليس من أجل ولادة جديدة بل فقط من أجل الكتابة، التي متى ما تحققت فإنها تصبح ولادتنا الأخيرة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى