بنيس يسبر أغوار “تَمْغْربيت” لإعادة التأمل في ملامح الهوية المغربية

إسهامٌ أكاديمي جديد يوسع دائرة الاهتمام بمفهوم “تَمْغربيت” بصم عليه سعيد بنيس، أستاذ علم الاجتماع بجامعة محمد الخامس الرباط، من خلال كتاب موسوم بعنوان: “تَمَغْرِبِيتْ.. محاولة لفهم اليقينيات المحلية”، سيتوفر في المكتبات ابتداء من الأسبوع المقبل.

ويروم بنيس من خلال مؤلفه الجديد “فهم سردية تَمَغْرِبِيتْ والغوص في جدوى استيعاب اليقينيات المحلية”، إعادة التأمل في بعض ملامح الشخصية والهوية المغربية “كاعتراف مستحق بفضائل أمة قامت على التعدد والتنوع، مفتونة بالحضارة ومجبولة على الكرم الإنساني”.

ويوضح في مقتطف على ظهر الكتاب، أن تَمْغربيت “تعبُر وتتقاطع وتلتصق وتلازم وترتبط بطريقة عمودية وأفقية بجميع مناحي حياة المغاربة، سواء داخل التراب الوطني أو خارجه (حالة مغاربة العالم)”.

خيار استراتيجي وثقافي

ويتجلى ارتباط تَمْغربيت بجميع مناحي حياة المغاربة، كما جاء في كتاب بنيس، من خلال جملة من التمظرهات، لا سيما تصوّراتهم وتموقعاتهم وتمثلاتهم ومواقفهم وأفكارهم حول بوادر الشخصية المغربية ومقولة “الأمة المغربية”، والتنوع والتعدد، والقوى الناعمة، والبيئة الثقافية، وثنائية الرسمي والترابي… وصولا إلى التمظهرات الهوياتية والطقوس الغذائية.

ويرى بنيس أن سؤال تثبيت تَمَغْرِبِيت كسردية مغربية تتقاطع ضمنها اليقينيات المحلية، “صار رهين خيار استراتيجي وثقافي ومؤسساتي وسياسي ودستوري وإنساني وحضاري”.

ويوضح أن هذا التثبيت يمكّن من ضبط آليات التساكن وممكنات العيش المشترك، وتعزيز عناصر الرابط الاجتماعي، وبناء عقد مجتمعي أساسه تحقيق تنمية نوعية تزاوج بين القوى الناعمة والقوى الصلبة، وتُبوِّئ المملكة المغربية مكانة متميزة على الصعيد الإقليمي والعالمي.

وتزايد الاهتمام، خلال الآونة الأخيرة، بـ”تَمغربيت”، وتوسَّع النقاش حول هذا المفهوم القديم/الجديد، خاصة في ظل الحاجة إلى بناء “تكتل هوياتي” صلب قادر على حفظ الخصوصية المحلية التي أصبحت مهددة بالاندثار وسط إعصار العولمة.

ويرى سعيد بنيس أنَّ تراجع قيم العولمة واسترجاع مرجعيات الخصوصية، ومن بينها سردية تَمَغْرِبِيت، يمكن اعتباره مؤشرا يُنبئ بظهور “مناطق غير مُعولمة ترتكز على إعادة اكتشاف قيمة الاكتفاء الذاتي، وتعميق التمثلات حول اليقينيات المحلية، وإعادة الثقة في النماذج المحلية المتضامنة وتوهج ملامح الهوية الترابية والوطنية وترسيخ المواطنة الإيجابية”.

وانطلاقا من هذا التوقع، يضيف المؤلف، “تبدو المشاركة في الشأن العمومي والرفع من القيمة المواطنة للإنسان المغربي لصيقة بأجرأة حقوق المرأة وحقوق الطفل وحقوق ذوي الاحتياجات الخاصة وحقوق الشباب في الشغل والصحة والتمدرس، واعتماد نسق تنموي يقر بصيغة المفرد وصيغة الجمع، عبر استراتيجية نموذج مزيج يحتضن نماذج وطنية أفقية وأخرى ترابية جهوية عمودية”.

تَمغربيت وسياق ما بعد كورونا

وإذا كان الدستور المغربي لسنة 2011 قد أنعش الاهتمام بسردية تمغربيت، من خلال الإقرار بعدد من روافد الهوية المغربية التي ظلت “مهمّشة”، فإن الاهتمام بهذه السردية شهد منعطفا آخر مع ظهور جائحة فيروس كورونا.

في هذا الإطار، يقول بنيس إن كتابه يكشف أنه في سياق زمن ما بعد كورونا، يمكن استشراف تغير مجتمعي في صيغة سردية تَمَغْرِبِيتْ رقمية (نْيُوتَمَغْرِبِيتْ)، يتمخض عنه تحول من رابط اجتماعي واقعي إلى رباط مجتمعي افتراضي، من أهم مميزاته التواجد المستمر واليقظة الرقمية والرقابة المواطنة والتفاعل الجماعي والفردي من خلال قنطرة ما يمكن توصيفه بـ “الفردانية الجمعية”، و”النخب السائلة”.

في هذه البيئة الجديدة، يضيف المؤلف، “يعدو التعاقد القيمي شرطا أساسيا لتثمين رابط اجتماعي بموازاة رباط افتراضي، في انسجام تام مع منطق الجهوية المتقدمة والانتقال من جهات ملحقة بالمركز إلى جهات ذات استقلالية، تشكل أقطابا اقتصادية تستطيع أن تحتوي البطالة المحلية، والانتقال إلى مجتمع الثقة والمواطنة من خلال تَمَغْرِبِيتْ جديدة في صيغة “نْيُوتَمَغْرِيِيت”.

تَمغربيت والنموذج التنموي الجديد

ويروم الكتاب، كذلك، تقديم سردية تَمَغْرِبِيتْ كبيئة قيمية تجيب عن بعض الإشكالات من قبيل الإحباط المجالي والبطالة عند الشباب، والفوارق المجالية، والحرمان الاقتصادي، والمواطنة الافتراضية، وإعادة الاعتبار للمدرسة العمومية.

ويشير المؤلِّف إلى أن الإجابة عن الإشكالات المذكورة، يُمليها “ارتهان نجاعة النموذج التنموي باستبطان الشعور بتَمَغْرِبِيتْ حقا وواجبا ووجودا من داخل منطق ترابي لمجتمع المعرفة ومجتمع الثقة ومجتمع العدالة الاجتماعية، وقوة انخراط المثقف الترابي وحضوره إلى جانب الفاعل الترابي”.

ويوضح أن سؤال سردية تَمَغْربِيت في علاقته بالنموذج التنموي، “هو سؤال حول علاقة تحسين مستوى عيش المواطن والقيم الناظمة للعلاقات الاجتماعية، وكذلك سؤال التعامل مع نوايا المواطنين وفهم تمثلاتهم حول المواطنة والصيغ الممكنة لتقوية الشعور بالثقة بينهم وبين الدولة”.

ويضيف أن راهنية سردية تَمَغْرِبِيتْ ترتبط أساسا بمسألة الإدراك والاعتراف الفردي والجمعي بالاختلاف، وفي الآن نفسه، بترسيخ مسار تاريخي وحضاري وإنساني وثقافي ولغوي يمتد لأكثر من 33 قرنا، ومحضنا لجميع عناصر الهوية المغربية.

ومن هذا المنطلق، يرى بنيس أن سردية تَمغربيت “هي مجال لمواطنة منصفة، يمكن اعتبارها جسرا لبناء مغرب ما بعد جائحة كورونا، تلتئم فيه التنمية الصلبة بالتنمية الناعمة”.

ويُنبّه إلى أنه لا ينبغي فهم سردية تَمْغربيت “كشوفينية صاعدة أو قومية جديدة”، بل هي قوة ناعمة في شكل “جواز هوياتي” لشخصية المملكة المغربية وعلامة مغربي (ة)، للعبور للعولمة وبناء أرضية ملائمة للانسجام والتعاون مع بلدان الجوار، وركيزة لدعم جاذبية المغرب الكبير وإشعاع جغرافية شمال إفريقيا.

ويتضمن كتاب “تَمَغْرِبِيتْ.. محاولة لفهم اليقينيات المحلية” تسعة فصول تناولت عدة علائق تربط سردية تَمَغْرِبِيتْ باليقينيات المحلية، منها العناصر المؤسسة لسردية تَمَغْرِبِيتْ، سردية تَمَغْرِبِيتْ والبيئة الثقافية، تَمَغْرِبِيتْ والدينامية المجتمعية، تَمَغْرِبِيتْ والتمظهرات الهوياتية، تَمَغْرِبِيتْ وجائحة كورونا، تَمَغْرِبِيتْ والعالم الافتراضي، تَمَغْرِبِيتْ ومنظومة القيم، تَمَغْرِبِيتْ والبعد الترابي، تَمَغْرِبِيتْ وسؤال المخرجات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى