كتـاب يرصد ثورة محمد بن عبد الكريم الخطابي بعيون صحافي أمريكي

توطئة

تعززت المكتبة الوطنية، خلال فبراير الجاري، بإصدار/ مؤلف جديد، تحت عنوان: “أمريكي بين الريفيين: رحلة مراسل “شيكاغو تريبيون” في شمال المغرب (1925)”، (الطبعة الأولى 2022، تيفراز ـ منشورات باب الحكمة بتطوان)؛ وهو عبارة عن ترجمة (تعريب) أنجزها الباحث الشاب والمجتهد محمد الداودي (أستاذ الإنجليزية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء) للكتاب الأصلي “An American Among the Riffi” لمؤلفه “فنسنت شيين Vincent Sheean”.

يحكي هذا الكتاب قصة رحلة مراسل صحفي أمريكي (فنسنت شيين) جريء ونبيه، قاده عمله وقدره إلى وطء أرض الريف زمن الحرب التحريرية التي تزعمها القائد البطل عبد الكريم الخطابي إبان العشرينيات من القرن الماضي؛ وقد استطاع هذا الصحفي، بفضل شجاعته وفضوله وإيمانه برسالته المهنية، أن يعكس لنا بمرآته الخاصة ذلك الريف الذي كان ساحة حرب ضروس بين قوات الاحتلال الإسباني من جهة، وقوات المقاومة الريفية من جهة ثانية، في مرحلة دقيقة وحرجة من تاريخ المغرب الحديث. مستعينا في ذلك بقدراته الجيدة في صنعة الكتابة وفق أسلوب ينم عن موهبة بيّنة في السرد الأدبي، لا سيما وهو يدفع القارئ دفعا لأن يأنس لحكيه بشوق وأفق انتظار واسع. هذا، فضلا عن كون القارئ ينتابه شعور بنوع من الاطمئنان وهو يقلب في ذهنه كلام “الراوي ـ شيين” الذي يبدو أنه في حل من تلك الأفكار الغربية الاستعلائية والاستشراقية العجائبية التي ميزت نظرة الغربيين إلى ما كانوا يطلقون عليه “البلاد والشعوب الشرقية”، خاصة خلال هاته الحقبة التاريخية وما قبلها.

عكس ذلك؛ يشعرك “شيين” بأنه لا ينطلق من أية أحكام مسبقة وأفكار جاهزة (مع استثناءات طبعا) تلجم تفكيره ورؤيته للأشياء كما تبدو له هو وليس كما يحكيها ويرددها الآخرون. ومن ثمة فإن همه وهدفه الأول والأخير يتمثل في كشف الغطاء عن حقيقة الحرب الدائرة رحاها بشمال المغرب، ومحاولة فهم دوافعها وملابساتها وتداعياتها، من أفواه رجالاتها وقادتها الميدانيين.

تبعا لذلك؛ شكلت هذه القصة/ الرحلة تحفة فكرية وتاريخية نادرة ونفيسة؛ وبالتالي فليس ثمة ما يدعو للدهشة والاستغراب حين نعلم بتحول قصة حياة هذا المراسل الصحفي المغامر إلى أرضية لسيناريو فيلم “مراسل أجنبي” (Foreign Correspondent) الذي كان قد أنجزه المخرج العالمي المعروف “ألفريد هتشكوك” سنة 1940، حسب ما ورد في تقديم المترجم.

إضاءات حول المؤلف والمترجم

“أمريكي بين الريفيين” هو أول إصدار في المسار التأليفي الشخصي ل “فنسنت شيين” مراسل جريدة “شيكاغو تريبيون” التي كانت تصدر بالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا ـ باريس عاصمة الصحافة الأمريكية بأوروبا وقتئذ. ازداد شيين سنة 1899 بمدينة بانا بولاية إيلنوي بأمريكا الشمالية؛ ورغم حداثة سنه (26 عاما فقط)، أخذ على عاتقه المجازفة بحياته لأجل الوقوف عن كثب على الحقائق الميدانية لحرب الريف وثورة المجاهد عبد الكريم الخطابي، التي كانت قد شغلت الرأي العام الدولي وحظيت بمزيد من الاهتمام من لدن المهتمين والمتتبعين الغربيين لمسرح الأحداث على مستوى الساحة السياسية الدولية في تلك الفترة.

ولعل ما حذا بـ “شيين” وشجعه على خوض غمار هذه التجربة الفريدة من نوعها (على الرغم من النصائح المختلفة التي تلقاها من زملائه ومعارفه بعدم الإقدام على تلك الخطوة المحفوفة بالمخاطر)، هي تجاربه السابقة كمراسل ميداني لجريدة “شيكاغو تريبيون”، من قبيل: تغطيته لأحداث مسيرات الجماعات الفاشية في روما وبروز الزعيم الفاشي بنيتو موسوليني سنة 1922؛ وكذا تغطيته لمفاوضات لوزان بين القوى العظمى وتركيا والمفاوضات التي سبقت معاهدات فرساي وجنيف؛ ناهيك عن تغطيته لأحداث إقليم الرور بألمانيا بعد الاجتياح الفرنسي سنة 1923. ولا شك أن الخبرة التي حاز من خلال هذه التجارب الميدانية الغنية، يؤكد المترجم، كانت حافزا لـ”شيين” كي يقدم على تجارب أخرى، ستصقل قواه ومداركه الفكرية وتثري مساره المهني الشخصي كصحافي؛ وربما هذا ما حصل بالفعل في ما بعد، حيث شكلت مقالاته (حول حرب الريف) التي بعث بها من طنجة لجريدته بباريس، نقطة ضوء فريدة وسبقا صحفيا متميزا، جعلت أسهمه تعرف صعودا سريعا بين زملائه في بورصة المشهد الصحفي الأمريكي بعاصمة الأنوار باريس.

من جهة أخرى، وفي ما يرتبط بالمترجم، لا يسع القارئ لهذا الكتاب في صيغته المعربة إلا أن يعبر عن تقديره وابتهاجه بالمجهود المضني الذي بذله الأستاذ محمد الداودي في هذا المنجز، من خلال إضاءاته الضافية وتصحيحاته الوافية وتمحيصه الدقيق لكل المعطيات والمعلومات الواردة في النص الأصلي (مع تسجيلنا لبعض الملاحظات التي سنأتي على ذكر بعضها في هذا المقال لاحقا)، فضلا عن اعتكافه على مقارنة كل ذلك بما ورد لدى كتاب آخرين في السياق ذاته، وفق صورة تنم عن إطلاع واسع وعميق بهذا الموضوع بالذات؛ حيث يسهل على القارئ أن يستشف بأن المترجم قد أشبع عمله بحثا وتقليبا ومنحه وقتا كافيا ليخرجه في هذه الحلة التي تجعل منه عملا أكاديميا رصينا (وليس ترميقياّ، بريكولاج، كما يمكن أن يلاحظ لدى البعض ممن ربما تسكنهم نفس الانشغالات) مستوفيا لكافة الشروط المطلوبة بهذا الخصوص، بدءً من طلب الترخيص بالترجمة من مالكة الحقوق الفكرية (حفيدة فنسنت شيين)، مرورا بإبراز تمكنه وإحاطته بتفاصيل الموضوع من خلال توضيحاته الشافية والقيمة لمضامين الكتاب، وانتهاءً بحرصه على توجيه الشكر والامتنان لكافة المؤسسات والأشخاص الذين أسدوا له خدمات ومدوا له يد المساعدة في إنجاز هذا المؤلف/الترجمة.

وفي الإطار ذاته، نرغب في الاعتراف (كقارئ) أنه بمجرد وقوع أعيننا، لأول وهلة، على غلاف هذا الكتاب الذي يحمل توقيع “ترجمة وتقديم وتعليق: محمد الداودي”، كان قد ساورنا لحظتئذ نوع من الشعور مفاده اتصاف المترجم بـ “ثقة زائدة” في النفس، خاصة وأن الأمر يتعلق هنا بأول إصدار لصاحبه، الشيء الذي كان يقتضي في نظرنا ضرورة إسناد مهمة التقديم لكاتب آخر ربما ذي باع أكبر في مجال التأليف والترجمة؛ غير أنه وبعد مصاحبتنا المشوقة لصفحات الكتاب والإفراغ من قراءتها، أمسينا أكثر تفهما للأمر، بل ارتأينا أنه لا ضير ولا حرج في إضافة كلمة “وتحقيق” من شدة اقتناعنا بإلمام المترجم بتلابيب موضوعه.

وجدير بالذكر، أن هذا الكنز المعرفي والتاريخي الذي يقدمه اليوم الأستاذ الداودي لفائدة القراء باللغة العربية، ليس وليد الصدفة وإنما هو ثمرة عمل دؤوب ومثابرة متواصلة لسنوات متتالية، وبالتالي تتويج لمشروع فكري (مفكر فيه) كان قد شرع في الكشف عن بعض ملامحه على صدر صفحات جريدة “تيفراز ن أريف” المتوقفة عن الصدور، مشروع كان قد وسمه بـ: “الريف بعيون أمريكية” (أنظر بهذا الصدد مقال للمترجم حول “الريف بعيون أمريكية: المقاومة في الريف سنة 1909 من خلال الصحف الأمريكية”، جريدة تيفراز ـ عدد 39، فبراير 2009).

الريف ورحلة البحث عن الخبر المفقود في الثورة الريفية

وطأت رجلا “شيين” أرض المغرب والريف في شهر يناير من سنة 1925، وقد استغرقت رحلته العملية الاستكشافية ما يربو عن شهر كامل (حتى أن بعض زملائه الصحافيين اعتبروه في عداد المفقودين)؛ مجيئه إلى هذه الرقعة الجغرافية “المظلمة” كان محكوما بهدف واضح يتمثل في الوقوف الميداني المباشر على حقيقة مجريات الوقائع بهذه المنطقة التي دخلت في حرب حامية الوطيس ضد إسبانيا الاستعمارية، وقد بلغت أصداء هذه الحرب مختلف أقطار المعمور وانتشرت أخبارها كالنار في الهشيم، خاصة بعد الخسائر البشرية الكارثية التي كانت قد ألحقتها المقاومة الريفية بجنود وقادة قوات الاحتلال الإسباني في معركة أنوال سنة 1921.

لم يكن فنسنت شيين (على خلاف أغلبية زملائه الذين كانت تغويهم أخبار الغرف المغلقة) مقتنعا بالروايات “الخيالية” التي كانت تنسج حول هذه الحرب، ولذلك أخذ على عاتقه أن يكتشف بنفسه ويرى بعينيه ويسمع بأذنيه من أفواه أهل وقادة هذه الثورة الريفية، ليخلص بنفسه إلى فهم أسباب ودواعي وملابسات هذه الحرب الطاحنة؛ مسلحا في ذلك بذاكرته القوية ويراعه الحاذق والجذاب وفراسته وحدسه القوي في قراءة واستيعاب ما يدور حوله من أحداث؛ ناهيك عن قدرته الفائقة على الفرز بين الغث والسمين (الزائف والحقيقي) من الكلام. والحال أن مَواطن قوة هذا الصحافي، يستمدها ـفي تقديرنا الشخصيـ من مهنيته وصدقيته ونزاهته بكل تأكيد (عندما وصل “شيين” عاصمة الريف ـ أجدير، كان عبد الكريم ومعه رجال المقاومة على علم تام بتفاصيل ما تعرض له هذا الأجنبي الرومي، في طريقه، من عملية نصب مثيرة كلفته كل ما يملك من مال ومتاع؛ ولذلك حين ناوله السكرتير الخاص لعبد الكريم مبلغا من المال كتعويض، قبل به من دون تردد لأنه كان مفلسا وبحاجة ماسة إليه؛ لكن في المرة الثانية لما حاول أحد مساعدي قائد ثورة الريف بجبالة محمد الخطابي أن يناوله هدية عبارة عن مبلغ مالي قدره 500 بسيطة إسبانية، اعتذر له شيين بلباقة وشهامة دالتين).

في رحلته صوب الريف، حط شيين رحاله أولا بطنجة، وبعد عملية استقصائية للأوضاع، اهتدى تفكيره إلى أن الدخول إلى الريف من الجهة الغربية (جبالة) هو أمر مستحيل، وعليه سيضطر للتوجه نحو بلدة بورساي الجزائرية المحاذية للسعيدية المغربية (بعد المرور من فاس وصولا لتازة ثم وجدة)، التي يقطن بها القائد حدو بن حمو (المعروف بحدو لكحل) الذي قيل له بأنه الشخص الوحيد الذي يملك مفاتيح إدخاله للتراب الريفي من دون مشاكل تذكر، بالنظر لما اشتهر به من علاقات دبلوماسية وتجارية ووساطة مع مختلف الأطراف في ذلك الوقت. وبالفعل فقد وصل شيين إلى بورساي؛ لكن أمله خاب حين لم يعثر على الشخص المنقذ والمبحوث عنه (حدو بن حمو)؛ غير أن إصراره على الذهاب إلى الريف كان أكبر من كل العراقيل والإكراهات والتنبيهات والتحذيرات التي ووجه بها من لدن كل من باح له بسر وجهته وهدفه.

لأجل الوصول لمبتغاه، مر شيين من لحظات عصيبة جدا، ففي طريق رحلته الشاقة وقف على جغرافيا تضاريس وعرة وأرض جرداء خالية من الاخضرار الذي تعودت عليه عيناه في أوروبا؛ حيث عبر غير ما مرة عن حيرته من قساوة العيش في مثل هذه الظروف؛ كما التقى في طريقه أيضا أناسا وكائنات لم يسبق له أن صادفها وهو يعيش حياته “المخملية” بباريس؛ ودلّنا بعين حاذقة للتعرف على طبائع وسلوكات بني جنسنا، صنفها إلى طبائع شريرة وأخرى طيبة كما هو مألوف لدى سائر البشر. إنه يقيم وزنا لكل شاذة و’فادة’ تقع عليهما عيناه، من قراءة سحنات وتقاسيم الوجوه، إلى طريقة اللباس وشكله ونوعيته وقيمته، ونوعية الطعام المتوفر ومكوناته وطريقة الأكل وكيفيات طهوه، وانتشار الحشرات وأنواعها وأشكالها وأحجامها وأسمائها، والصلوات والأمداح، والمنازل وهندستها ومواد بنائها… إلخ.

يبدو الريفّ، من خلال وصف شيين في هذه الفترة، ساكنا وهادئا لا يزعجه سوى أزيز الطائرات الحربية التي تلقي بقنابلها، في أوقات محددة، بشكل عشوائي غير مؤثر. إلى درجة أن القارئ لا يشعر بأي تذمر صادر عن الراوي وهو غارق في حكيه. أما دنوه من هدفه (بلوغ عاصمة الريف) فكان بارقة أمل غاية في الأهمية بالنسبة له، خاصة عندما وقع نظره على خليج النكور بالحسيمة، حيث بدت له الصورة أشبه ما تكون بلوحة فنية فاتنة ومعبرة جدا، “زرقة البحر الأبيض المتوسط هنا مختلفة.. هي زرقة فتية تحبس الأنفاس”، بل أكثر من ذلك، بدا له هذا البحر وقد “أصبح فجأة بحرا مفعما بالدلالات السياسية” (الصفحة 147)، تعبيرا عن ابتهاجه وبداية وصوله للمبتغى؛ لا سيما وأن المعطيات قد بدأت تتخذ منحى مفندا لما علق بذهنه من قبل. هكذا، وبمجرد بلوغه لأجدير أثار انتباهه رؤيته لطفل نظيف وأنيق في مظهره على غير ما اعتادت أن تراه عيناه في هذه البلاد الموحشة، لذلك يقول “بدأت أدرك أني أتواجد أخيرا بالريف، حيث يغتسل الناس وجوههم ويغيرون ملابسهم بين الفينة والأخرى” (ص 149)، خالصا إلى أنه من “الأكيد أن حالة هذا الصبي هي دليل على حياة أكثر نظافة وعلى ذكاء أكبر وعلى مناخ أفضل كذلك” (نفس الصفحة).

ثمة تفاصيل كثيرة وهامة للغاية في ما أفادنا وأتحفنا به شيين، ولئن كان ليس بمقدورنا التعريج، في هذا المقال، على كل الجواهر المتضمنة في هذا الكتاب؛ فإنه وكيفما كان الحال لا بد لنا من التوقف ولو قليلا عند قيمة البورتريهات التي رسمتها لنا براعة ريشته لعدد مهم من نساء ورجالات وشخصيات وقادة الثورة الريفية، وأمدنا بمعلومات غنية عنها، ومن ثم قرَّبنا كثيرا منها بفضل صدقيته وأمانته التي لا يخطئها حدس القارئ؛ والأهم من كل ذلك، أنه استطاع أو قل ساهم في تغيير النظرة السائدة لدى المجتمعات والدول الأوروبية القاضية بكون هؤلاء الريفيين مجرد رعاع وهمج وقراصنة نشالين وعدائيين لا تحركهم سوى الأحقاد الدفينة تجاه الأمم الغربية المتحضرة. وتجدر الإشارة هنا إلى أننا سنكتفي (في هذا المقال) بثلاثة وجوه بارزة، مع التنبيه إلى أن اقتصارنا على هذه الوجوه الثلاثة، لا يلغي أهمية البورتريهات العديدة التي رسمها شيين لشخصيات أخرى في هذا الكتاب، نذكر من بينها على وجه الخصوص: الريسوني وعبد الكريم اللوه والحاج ألمان.

عبد الكريم الخطابي.. رجل سلام وعبقريته تضاهي عبقرية ليوطي

لقاء شيين بعبد الكريم الخطابي، جعله يشعر كونه أمام “وجه غير عاد وشخصية بنظرة ثاقبة ومتأنية”، بمظهر أو “لباس في منتهى البساطة، جلابة بنية منسوجة من الصوف وقميص من كتان نظيف وناصع البياض” (ص 195). لا شك أنه زعيم حقيقي واستثنائي، فـ”لولاه لما استطاعت القوى العمياء للمجتمع الإسلامي تحقيق أي نوع من التنظيم في بلاد المغرب”. إن عبقريته مختلفة عن تلك التي يمتلكها ليوطي “لكنه يبقى رغم ذلك ندّا لشخصية الحاكم الفرنسي العظيم”؛ الأمر الذي جعل منه زعيما أسطوريا لا يشق له غبار في نظر أهله ومناصريه ومؤيديه من كافة الشعوب التواقة للحرية والانعتاق من أغلال الاستعمار، فقد أيقض فيهم روح وجذوة الحماس التي كادت تخبو وتنطفئ في نفوسهم، علما أن “الحماسة هي نقطة القوة في المجتمعات المسلمة كما هي نقطة ضعفها” (ص 59).

في رأي شيين دائما، فإن عبد الكريم كان على دراية تامة بأسرار وحقائق الحرب التي أعلنها في وجه الإسبان، ولذلك كان بإمكانه أن يوسع من هامش التفاوض ويقدم بعض التنازلات الضرورية، في حالة ما إذا كان ذلك سيسمح بتجنيب بلده سعير الحرب غير المتكافئة التي فرضت على أبناء جلدته وبلده، فهو في الأصل رجل سلام، غير أنه “وجد أن معظم أتباعه الجدد المتعصبين تحذوهم الرغبة في القتال” (ن.ص)؛ لا سيما بعد النجاح المؤقت الذي ساهم في صعود أسهم بطولته داخل المغرب وخارجه. كما أن اندفاع وحماسة مناصري عبد الكريم لم تكن لتعميه عن توازن القوى المختل بينه وبين قوى الاحتلال الإسباني والفرسي المتفوقة اقتصاديا وعسكريا؛ وهو الأمر الذي تفسره استراتيجيته الحربية القائمة أساسا على “عدم الانجرار وراء المواجهة المباشرة إلا عند الضرورة القصوى، والحرص دائما على المناوشة والحصار ونصب الكمائن والقنص إلى أن يصل العدو إلى حالة من الإنهاك فيستسلم أو يتراجع أمام القوات المتخفية للمحاربين المسلمين” (ص 183). الشيء الذي يفيد بأن عبد الكريم كان يعرف ما يريد.

وغير بعيد عن ذلك، وفي ما يرتبط بقضية “الجمهورية الريفية” التي سيل حولها حبر كثير وحظيت بنقاش وفير. فإن شيين عندما كان يحاور عبد الكريم بخصوص طبيعة ونظام الحكم بالريف، أتى على القول والتأكيد بأن “تسمية جمهورية الريف هي نموذج مؤسف للتسميات غير الموفقة. إن الصحف الإنجليزية هي التي أطلقت علينا هذه التسمية في البداية، وكذلك بعض عملائنا الإنجليز ذوي النوايا الحسنة. لكن لم تكن لدينا أبدا جمهورية بالمعنى الغربي للكلمة، ولم نعتزم قط إقامة شيء من هذا القبيل” (ص 198)؛ حيث يستنتج من هذا الكلام أنه جاء مطابقا جدا لأطروحة الأستاذ محمد أونيا في كتابه “عبد الكريم الخطابي وأسطورة الانفصال” (لمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع بالخصوص يمكن الاطلاع على مقالنا المنشور بجريدة LE7.ma، تحت عنوان “عبد الكريم الخطابي.. بين الجمهورية والإمارة والانفصال”، بتاريخ الخميس 13 شتنبر 2018).

يستمد عبد الكريم مقومات زعامته، من منظار الكاتب، من جيناته الفطرية؛ فتفرس شيين العميق في تقاسيم وجه الزعيم وتأمله في طريقة تعبيره وخطابه، أفضت به إلى الإقرار بما يلي: “ما رأيته هو فطنة هذا الرجل، فطنة كبيرة وذكاء حاد، ممزوجان بحذر صحي ومحمود” (ص 197). إنه عاشق للحرية ومدافع شرس عن استقلالية بلده، لكن في ذات الوقت شخص تسكنه روح السلام، فالحرب في نظره مسألة غير مستحبة إلا في حالة الدفاع عن النفس، كما في حالته، لأن “إسبانيا هي التي أرادت ذلك، ولسنا نحن من رغب في الحرب. إذ لا شيء نريده أكثر من السلام مع إسبانيا ومع العالم بأسره” (ص 195).

هذه هي الصورة الجديدة التي قدمها شيين عن زعيم الثورة الريفية، وهي صورة مختلفة تماما عما كان يختزنه المخيال الشعبي والسياسي الأوروبي خلال تلك الحقبة التاريخية؛ ولا مراء في أن مثل هذا التوضيح الجوهري كان يعد مكسبا سياسيا وإعلاميا مشرقا وذا أهمية قصوى بالنسبة للثورة الريفية في حينه.

امحمد الخطابي.. عالم معدني ومهندس عسكري من الطراز الأول

يصف المؤلف امحمد الخطابي (شقيق الزعيم عبد الكريم الخطابي) بالجنرال والرجل العظيم الذي كان ينقص الحركة الريفية في ما سبق أن التقاه وتعرف عليه من قادتها، إذ يقول: “منذ اللحظة الأولي التي كنت في حضرته، أحسست بتأثير شخصية غير عادية، وهو أثر نابع من مزيج من الذكاء في نظرة عينيه والنبالة في فمه” (ص 240). والحال أن شيين توقف طويلا وأسهب في الكلام (بغيرة لم يخفها) بخصوص التمكن القوي واللافت للنظر لهذا القائد من اللغة الإسبانية التي “يتحدث بها من دون لكنة على الإطلاق، وبدون أي خطأ في القواعد والنحو” (ص 240)؛ ولئن كان الريفيون عموما يتكلمون الإسبانية، ويفعلون ذلك بجهل ودون أي اهتمام يذكر بالقواعد النحوية، فإن “لغة امحمد بن عبد الكريم هي لغة لا يشوبها أي من هذه العيوب، والاستماع إليه وهو يتحدث متعة خالصة، إسبانيته أكثر أناقة من إسبانية الجنرال مغيل بريمو ذي ريفيرا” (ص 241).

بموازاة ذلك، يبدو امحمد الخطابي، في مرآة شيين، ملما بمجريات الأحداث سواء داخل محيطه أو خارجه، فهو على اطلاع بما يكتب في الصحف الإسبانية والفرنسية والتوجهات والخلفيات التي تحكم خط تحريرها، الشيء الذي جعله يكيل لها سيلا من النقد، بل ويتهمها بالجهل والعبث في ما تكتبه عما يجري بالريف، لدرجة تأكيده أنه “لو كان الجنرالات الإسبان بمثل جهل صحافتهم وقلة إحاطتها بمجريات الأمور، لكنا انتهينا منهم في أربعة شهور أو خمسة” (ص 240). ولعل ما يغضب القائد امحمد أكثر، على غرار باقي الزعماء الريفيين، هي العقلية الاستعمارية المتسمة بالمبالغة في استصغار واحتقار الريفيين وتعمد الدوس على ثقافتهم، مما جعله يعتبر “بأن الإسبان قد أخطؤوا أساسا في احتقارهم وتبخيسهم لتعلم عادات السكان وفهم عقليتهم داخل منطقة حمايتهم” (ص 245).

إذن، وفي ظرف زمني وجيز، استطاع “شيين” أن ينفذ لأعماق شخصية هذا الجنرال وينسج معه علاقة مودة وصداقة جد محترمة، لدرجة دفعت به إلى المجازفة بالقول إن رؤية امحمد لمستقبل بلده هي أقوى وأوضح من تلك التي يملكها شقيقه الأكبر/الأمير، خاصة بعد أن كشف له امحمد عن بعض اهتماماته المتعلقة بدراساته المدونة لطبيعة التربة والصخور والمعادن الموجودة بمختلف مناطق الريف، ليهتدي إلى التأكيد على أن “امحمد عالم معدني بتكوينه، كما أنه مهندس عسكري” (ص 245). فقد أعجب “شيين” بهذا الرجل حد الانبهار، بالنظر لما لمسه في شخصه من دراية وذكاء ونبل ومكارم الأخلاق عز نظيرها في ذلك الزمان والمكان؛ حيث ترك لديه انطباعا أكثر مما كان يتوقعه من تجربته بالريف قبل اللقاء به؛ الأمر الذي أفضى به لإطرائه بقوله “هو بالتأكيد شخصية مميزة جديرة بأية حضارة من الحضارات الإنسانية. عظمته وهيبته في المظهر كافيتان لوحدهما، ناهيك عن خفة وقوة ذهنه. كإنسان، يبدو امحمد بن عبد الكريم الخطابي رجلا نبيلا ورفيع الشخصية، وكوطني وجنرال، فإنه يبلغ العظمة” (ص 247).

محمادي بن الحاج حتمي.. قائد إداري بذكاء متقد في جُبَّة مناضل مدني محب للسلام

يصف شيين محمادي (بن الحاج حتمي) بالشخصية المدنية التي لم يسبق أن التقى نظيرها لحدود تلك اللحظة، بل ويؤكد أنه “ظل نموذجا متفردا بالنسبة لي حتى بعد أن تعرفت على معظم نماذج القيادة الريفية” (ص 163)؛ إنه شخص مقل في كلامه ومتحفظ وحذر جدا، ربما طغت عليه شخصيته الوظيفية كسكرتير خاص ومدير ديوان الأمير عبد الكريم، حيث كان ظلا لا يفارق هذا الأخير، لا سيما إذا علمنا أنه كان مفتاح أسراره وتجمعه به علاقة صداقة قديمة (منذ كان قاضيا بمليلية)، ثم علاقة مصاهرة معه في ما بعد (الزواج من الأخت الصغرى للزعيم).

ويبدو محمادي الحاتمي، من منظار شيين، شخصية حداثية تجيد التكلم بالفرنسية، وذات دراية بالشؤون السياسية المحلية والخارجية، مما سمح له بتولي شرف “قيادة المفاوضات مع جهات تمثل المصالح الإنجليزية والألمانية في شتاء 1922-1923” (ص163)؛ إضافة إلى دماثة أخلاقه وأدبه وتمتعه بحس الفهم العميق لكل “المشاكل المرتبطة باستغلال ثروات الريف المنجمية” (ن.ص)؛ ناهيك عن التفتح والتفهم الذي يستشف من خطابه وتحليله، فمن “وجهة نظر الرأسماليين الأجانب والمنطق الذي يفكرون به: هم يرون أن هذه البلاد ـمن زاوية مجردة وقانونية صرفةـ هي في حالة ثورة على السلطة السياسية المعترف بها. وبالتالي فهم ليسوا على استعداد للمغامرة بالاستثمار دون ضمان أمن أكثر” (ص163 و164). أما من وجهة نظره الشخصية (الحاتمي)، فإن بلاد الريف باتت آمنة، فنحن “ندير شؤون الريف بشكل لم يسبق له مثيل في هذه البلاد منذ بداية الخليقة. لقد قضينا على الإقطاعية القبلية وأنشأنا وطنا” (ص164).

لقد أثنى “شيين” كثيرا على سعة الاطلاع التي ميزت الحاتمي وقدرته على استيعاب وتحليل مختلف القضايا التي كانت تشكل عصب الإشكاليات والأزمات السياسية التي عانت ومرت منها القوى الدولية الأوربية، على هدي منطق سليم وعقلاني متماسك يضاهي به ذلك التفكير الذي يميز النخبة التنويرية التي ربما كان “شيين” قد ألف التعامل معها بباريس مقر عمله وسكناه. ولعل هذا ما يؤكده من خلال إقراره بأن “هذا المسؤول الريفي ملم بشكل دقيق بمعظم القضايا الأوروبية، ويناقشها بذكاء المناضل المدني المحب للسلام” (ص 164).

بقي أن نشير في هذا السياق، إلى أنه ولأجل مزيد من المعلومات حول هذه الشخصية المعروفة وسط الدارسين والمهتمين بالثورة الريفية بـ”الحاج الحاتمي”، يرجى الاطلاع على كتاب “شهادات عن المقاومة في عهد الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي، محمد الرايس، إعداد وتقديم عبد الحميد الرايس، منشورات تيفراز، الطبعة الأولى 2011″، والذي تضمن ما مجموعه ثمانية عشرة إفادة له ومعلومات نادرة وضافية عن شخصه وعائلته.

ملاحظات.. من باب النقد

حري بنا أن نوضح وننبه أولا إلى أن هذه الملاحظات الأولية التي سندلي بها هنا، لا تستهدف مطلقا التنقيص من المجهود الجبار الذي بذله الأستاذ محمد الداودي بسخاء وحرص شديدين وباديين للعيان؛ بقدر ما نطمح من ورائها (الملاحظات) إلى خلق مزيد من الإشعاع لما احتوته وانطوت عليه طيات الكتاب من درر نفيسة وغميسة؛ ومن ثم المساهمة المتواضعة في إثراء النقاش حول هذا الإصدار الجديد، بله التشبث بروح شغب السؤال وبحق ممارسة ما يعرف بعملية النقد البناء.

أولا: في تقديمه للكتاب، أفادنا المترجم بإيضاحات هامة حول سياقات تأثير الخطاب الاستشراقي في القاموس اللغوي الذي استخدمه شيين، من قبيل توظيفه لمصطلحات ومفردات بشكل تعميمي يفتقد للدقة والتمحيص المطلوبين؛ ليعود (في ذات السياق) ويوضح في الهامش بأن هذا النوع من التوظيف لا يزال سائدا إلى اليوم في بعض الخطابات السياسية والثقافية الأوروبية والأمريكية. وبناء عليه؛ فإنه لم يكن ثمة ـمن وجهة نظرناـ داع للتصرف في متن النص الأصلي، ربما اتقاء للترجمة الحرفية (كما هو الحال بالنسبة لمفردات مثل: المسلم، المسيحي، النصراني، المحمدي، العرق… إلخ) كما يفهم من توضيحات المترجم؛ لكن ألم يكن من الأرجح (ومن باب الأمانة العلمية) الإبقاء والاحتفاظ بتلك المصطلحات والمفردات كما رصّها المؤلف في نصه الأصلي حتى وإن اعترتها شوائب الفهم السيئ أو اتسمت بتأثيرات ثقافية ساذجة باتت متجاوزة اليوم في إطار المعرفة النقدية المعاصرة؟ ألم يكن من باب الأمانة الاقتصار على توضيح ذلك في الهوامش فحسب، عوض هذا الخلط الذي يصعب استيعابه وتفهمه، لدرجة يتعذر معها على القارئ وضع حدود واضحة بين ما صدر عن المؤلف وما هو تصحيح من المترجم؟ ثم لماذا تم هذا الأمر بشكل انتقائي، حيث أشار المترجم إلى أنه يتعذر عليه استبدال بعض المفردات والمفاهيم رغم تحفظه الشديد عليها وعدم اتفاقه معها (مثل: العرب، السلطان…)؟ إضافة للجوئه أحيانا (كما يقر هو نفسه بذلك) لإضافة جمل بكاملها في المتن وهي غير موجودة أصلا، بل عمد المترجم إلى انتزاعها من مقالات أخرى كتبها شيين في أوقات ومواضع أخرى مغايرة؛ هذا علما أن تصحيح التواريخ وتدقيقها اقتصر فيها المترجم على الهوامش ولم يستبدلها في المتن، وهو الأمر الذي لم يطرح أي مشكل يذكر. من جهة أخرى، يحق لنا أن نتساءل أيضا عن مآل هوامش النص الأصلي التي لم يظهر لها أثر في هذه الترجمة، فهل صدر الكتاب بدون هوامش؟ حتى وإن كنا ندرك بأن الكتاب في الأصل كان عبارة عن مقالات صحفية.

وتأسيسا على كل ذلك، نتساءل: أي طريقة هي أقوم وأقرب إلى المنهجية العلمية، هل هي الحفاظ على كل ما ورد في النص الأصلي من مفاهيم لها سياقاتها ودلالاتها الحافة والمحيطة، مع الاكتفاء بتوضيحها في الحواشي والهوامش، أم أن الطريقة التي سلكها المترجم تبقى هي الأصح والأصلح، ما دامت الترجمة هي خيانة للنص الأصلي كما يقال؟ وأخيرا، أليس من الحري، بل والمفيد، أن يكون الانشغال بمسألة الكشف عن الأخطاء المفاهيمية والمعرفية التي سقط فيها النص الأصلي هي موضوع بحث آخر يستحق الاهتمام، في موضع آخر غير الترجمة؟

ثانيا: إن القارئ يصاب بالحيرة حين تستوقفه بعض القضايا والمعلومات التي يشعر إزاءها بالعجز، فيتوق إلى التماس بعض التوضيحات من غير أن يروي المترجم عطشه لاسيما حين يمر عليها مرور الكرام؛ ويمكن أن نستحضر في هذا السياق (على سبيل المثال) قول الكاتب في الصفحة (105): “نزل القواد بعد الصلاة إلى مغاراتهم مجددا حيث كان اثنان من عبيدهم الصغار منشغلين بتحضير الطعام”؛ إذ الحديث هنا عن العبيد، وفي مواضع وسياقات أخرى من فصول الكتاب، كان أمرا باعثا على الاستفزاز (الفكري طبعا) بالنسبة لنا على الأقل، ودفعنا للتساؤل عما إذا لم يكن جديرا بالمترجم أن يقدم توضيحات بهذا الشأن، وما إذا كان الأمر يتعلق حقيقة بظاهرة العبيد المتعارف عليها تاريخيا (علما أن شيين أمريكي ولا شك أنه يدرك تماما هذا المعنى) أم فقط بنظرة ازدرائية لأطفال صغار اتخذهم الكبار خدما لهم؟ ونستحضر هنا أيضا ما صرح به أحد قواد الثورة الريفية لشيين حين كان يحدثه بفخر واعتزاز عن “تحرير العبيد” كأحد أهم منجزات هذه الثورة.

ثالثا: ونحن منهمكون في تتبع سرد الراوي (شيين) لبعض التفاصيل، شعرنا بل انتابتنا حيرة من صعوبة تفهم بعض الإشارات الواردة في الهوامش، والتي تدفعنا للإفصاح، من دون أدنى حرج، بأن المترجم لم يكن موفقا فيها، من قبيل ما ورد في الهامش المثبت في الصفحة (109)، حيث يقول فيه المترجم: “ليس واضحا أي شخص يقصده شيين هنا، لكن من المحتمل أنه سمع في حديثه مع الإسبان عن الشريف محمد أمزيان.. (ثم مستدركا) لكن تبقى هذه فرضية مستغربة لأن الشريف أمزيان استشهد سنة 1912”. وبكل صراحة، فقد بدا لنا هذا الإقحام في غير محله، لأن شيين كان يتحدث، حسب سياق النص، عن من نعته بـ”شيخ المطالسة الشهير أمزيان”، واصفا إياه بـ”قاطع طريق مطالسي يأسر الروميين الضالين لطريقهم”، وقد تم تحذيره من مغبة الوقوع في قبضته؛ مما يفيد بأن شيين كان يتحدث عن شخص لا يزال حيا يرزق؛ وبالتالي ما مناسبة إقحام قائد ثورة الريف الأولى الشريف أمزيان المتوفى قبل ذلك بسنوات، خاصة وهو المعروف والمشهود له بالورع والتقوى، ولا صلة له لا من قريب ولا بعيد بممارسة أعمال الصعلكة والنشل والاعتداء على الروميين، دع عنك أنه مزداد ببني بويفرور (قبيلة قلعية) ولا علاقة له بقبيلة المطالسة. ونعتقد أن التعليق المناسب الذي كان يوافق سياق النص، والذي كان بإمكان المترجم التنبيه إليه، هو: “كل تشابه في الأسماء بين هذا الشخص المعني وشخص المجاهد الشريف محمد أمزيان هو محض صدفة”.

وفي ذات الصدد، يمكن للقارئ أن يبدي نفس الملاحظة على ما ورد في الصفحة (168) أثناء حديث الكاتب عن “أم عبد الكريم” التي تناهى إلى سمعه أنها كانت “تمتطي حصانا وتسمح بأخذ صور لها دون أن تغطي رأسها… لكن يجب التعامل مع هذه المعلومة بكثير من الحذر. فمستوى ذكاء النساء الريفيات ليس عاليا على العموم بالرغم من كل الأنشطة التي يزاولنها”؛ حيث علق المترجم على كلام شيين باتهامه بـ”خلط الحقيقة بالأسطورة أو بالإشاعات المرتبطة بالدعاية الاستعمارية” (ن.ص)؛ والواقع أننا لم نتمكن من تبيّن ما يرمي إليه المترجم بخصوص تعليقه هذا على محتوى هذه الفقرة، بل نعترف كوننا لم نستطع الاهتداء إلى فرز الحقيقي عما هو أسطوري فيها، إذ لست متأكدا لهذه اللحظة بما إذا كانت واقعة “الأم” حقيقة أم أسطورة في نظر المترجم. أما حكم شيين عن مستوى ذكاء الريفيات، فنحن نتساءل عما إذا كان هناك ما يثبت العكس، في ظل معرفتنا المتواضعة للمجتمع الريفي، وقتئذ، والذي نحسب أنه كان مجتمعا ذكوريا، حيث لم ينط بالنساء مسؤوليات إدارية أو عسكرية داخل مربع القيادة الثورية أو على مستوى الإدارات التابعة لها على الأقل، عدا السماح لهن بالإسهام في عملية مداواة جرحى الحرب وتقديم بعض المساعدة لهم، وكذا القيام بأعمال الرعاية وأخرى هامشية وغير بعيد عن محيط منزلهن؟ أما في ما يتعلق بالذكاء الفطري والسليقة وسرعة البديهة لدى النساء الريفيات، فمن المؤكد أن شيين لم تسنح له فرصة الإصغاء وتذوق “إزرانهن”، أي شعرهن.

شذرات وتأملات.. على سبيل الختم

هذه مجرد تساؤلات وتأملات وشذرات.. علقت بذهننا قبل وبعد أن فرغنا من قراءة هذا الكتاب، وقد لا يجد القارئ المفترض سبيلا لفك طلاسمها في حالة عدم قراءته لهذا الكتاب الممتع الذي يشد الانتباه ويحبس الأنفاس أحيانا.. وبالتالي، فهذه دعوة صريحة وليست ضمنية لقراءته اليوم قبل الغد.

– يخبرنا المترجم في تقديمه لهذا الكتاب أن فكرة الذهاب للريف خلال فترة الحرب الريفية، كانت قد استهوت العديد من كبار صحافيي العالم، من ضمنهم كبير روائيي الحداثة الأمريكية ما بين الحربين “إرنست همنغواي” الذي كان يكتب مقالات لحساب جريدة “طورونتو ستار” الكندية، والذي كان قد بعث برسالة لوالده بتاريخ 28 سبتمبر 1925، جاء فيها: “لقد أنهيت روايتي للتو ـ 8500 كلمةـ وأنا جد مرهق نفسيا وجسديا، وأفكر بالقيام برحلة إلى مكان ما. لست متأكدا بعد. سأقرر غدا. قد نذهب أنا وجون دوس باسوس سويا إلى الريف” (ص 24). ويبدو أن حائلا ما منعه من القيام بتلك الرحلة… لذلك وجدتني أتأسف وألعن سوء الحظ هذا الذي يطالع الريف وأهله.. إذ لو كتب لهمنغواي الحضور للريف في تلك الفترة، فأكيد أنه كان سيكتب عن الريف رواية رائعة وقوية.. سيفوز بها من دون شك بإحدى الجوائز الأدبية العالمية الكبرى.. وسيكون بذلك قد أسدى خدمة وإشهارا عالميا عظيما لفائدة هذه المنطقة الغالية على قلوب الجميع… أخال أنها كانت ستكون بعنوان “رائحة الخزامى والبارود”.

– فات شيين أن يحدثنا عن الهندية، التين الشوكي، (خاصة نوع الدلاحية)، فقد قدم للريف في فصل الشتاء (يناير)، في حين أن موسم هذه الفاكهة هو فصل الصيف.. أكيد أنه لو كان محظوظا وذاق طعمها الرائع.. لكان قد خلدها من خلال كتابه هذا على الأقل؛ وربما كان بعض الأساتذة قد وجهوا طلابهم لإنجاز بحوث حول موضوع “الهندية الريفية من خلال كتابات فنسنت شيين”.. لا شك أنه كان سيخصص لها جملا طويلة بين فقرات طيات كتابه.. تماما مثلما فعل مع تلك “الجزرات” التي أعجب بلونها الجميل وطعمها اللذيذ والتي كان قد أكلها وهو على مشارف وصوله لعاصمة الريف.. وهو يتضور جوعا.

– معطف دوسلدوف الذي ابتاعه شيين من متجر ألماني أثناء تواجده بألمانيا لتغطية ما بات يعرف تاريخيا بأحداث إقليم الرور، احتل مساحة كبيرة في رقعة سرد الراوي، فكم مرة كان شيين يجعل منه معطفا يقيه من البرد القارس، وأحيانا أخرى وسادة يسندها كي ينام عميقا من شدة التعب والعياء.. وله فيه أيضا مآرب أخرى.. أنا جد متأكد أن شيين احتفظ به ولم يضيعه، فهو عزيز على قلبه.. وبناء عليه؛ ألتمس من الأستاذ الداودي أن يسال عنه السيدة “جين مورتن” حفيدة شيين ومالكة حقوقه الفكرية كيما تسمح لنا بوضعه في متحف الريف الذي ما زلنا ننتظر إقامته بالحسيمة.. علما أنه قد يأتي أو لا يأتي.

– وأنا أطوي صفحات هذا الكتاب بعناية وتركيز.. حاصرتني موجة عابرة من النكد والسخط على نفسي وما يدور حولي.. لمت نفسي كوني لم أتمكن من قراءة هذا الكتاب الثمين إلا بعد مرور كل هذه العقود من السنوات (صدر في الثلاثينيات من القرن الماضي) وبعد أن صدر معربا.. وبكل تأكيد سينسحب الأمر على الأغلبية الساحقة من القراء الذين سيجدون أنفسهم في وضعية مشابهة لي تماما.. فقلت في قرارتي: “لا شك أن ثمة خللا ما.. في جهة ما.. في ثقب ما”.. كل ما أرجوه وأتمناه هو أن لا تسقط الأجيال اللاحقة في نفس الأخطاء التي وقعت فيها الأجيال السابقة.. فقد كان مفهوم الزمن عندهم غائبا نتيجة سرعة السلحفاة التي كانت تميزهم.. أما السؤال: هل كان الأمر قسرا أم اختيارا؟.. فذلك موضوع فيه نقاش طويل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى