تفكيك خطاب التطرّف .. غفلة عن المقاصد واختطاف لمفاهيم الإسلام

كلما حصدَ غدرُ “الانقِتَالِيِين” أرواحا بريئة، يتجدد التقاطب بين واسِمِي الإسلام بتوفير ظروف الغلو والتشدد الممهدة للعنف، وبين مُبرّئِي تلقي الناس لهذا الدين جملة من مُلقِي اللوم على قراءات “أفراد متطرفين مستلَبين”.

وفي سياق عالمي كِيلَت فيه للإسلام اتهاماتٌ عديدة وصارت سِمَتَه الأساس في بعض المجالات، تزداد حاجة المؤمنين، وغير المؤمنين، إلى وقفات صادقة مع النفس تفك عن الكثير من المفاهيم والتصوُّرات والاعتقادات ما شابها من قيود العادة، والانغلاق، والتسليم المقلِّد دون إعمال واجب محاولة الفهم، ونعمة التفكير، وأمر “استفتاء القلب”.

في قلب هذه التطورات، أصدرت الرابطة المحمدية للعلماء دفاترها التي تروم “تفكيك خطاب التطرف”، وتخوض غمار وضع مفاهيم تُوُوطِئ على التسليم باستيعاب معانيها ونهاياتها المنطقية ما تيسر من الزمن، على طاولة التشريح.

تستمر سلسلة قراءات جريدة LE7.ma الإلكترونية في “دفاتر تفكيك خطاب التطرف” قصد تقديمها إلى القارئ الذي تعنيه، وتمس تصوراته، ورؤيتَه للعالم، وعمله فيه، وفتح باب النقاش حول مضامينها التي تهم جميع الأطراف باختلاف تمَوقعاتها السياسية والثقافية والعقدية؛ لأن مسألة العيش المشترك تتجاوز الأفراد والجماعات، لتمس وحدة المصير، والمستقبل المأمول.

12/17 التطرف عطبٌ في الفهم

التطرف الديني “عطب يصيب الجهاز المفاهيمي للمتديِّن فيتسبب في تدمير مركزية أصل الوسطية، مما ينتج عنه تعطيل منافذ الاستقبال الصافية”، ويؤدي إلى “انغلاق على مستوى المنهج والفكر، وشلل على مستوى النّهوض بالفرد والمجتمع”، وفق الباحث عبد الله معصر، رئيس مركز دراس بن إسماعيل لتقريب المذهب والعقيدة والسلوك بالرابطة المحمدية للعلماء.

جاء هذا في الدفتر الثاني عشر من السلسلة، المعنون بـ”تقريب القول في تفكيك خطاب التطرف الديني”، وهو عمل ينطلق من حاجة “تفكيك خطاب التطرف” إلى “الوعي بنسقه الداخلي، والإحاطة بأصوله العقدية (…) وتحليل بنياته الفكرية (…) واستقراء مفرداته التي يتشكل منها معجمه جملة وتفصيلا، والوقوف على امتداداته (…) في حياة المجتمعات الإنسانية المعاصرة”.

ويسجل الدفتر، منذ بدايته، أن “الشّارع قد حدد منهج الرشد والسواء الذي ينبغي أن يتّخذ وحدة قياسية يرجع إليها عند الاختلاف”، وهو منهج “يمثل النبي ﷺ فيه النموذج الكامل السوي، والمثال الأسمى الصافي النقي”.

كما ينبه إلى أن “الغفلة عن قراءة مؤشرات هذا النموذج، واستقراء دلالاته، واستحضار سياقاته المختلفة والمتعددة، وإدراك الفروق بين متلازماته العلمية والعملية، والروحية والأخلاقية (…) يؤدي إلى عدم التمثل الراشد للدين، ويزجّ بالفرد والجماعة في متاهات القراءات المشوهة والمبتورة للخطاب الديني، التي تتأسس عليها أفعال وتصرفات مقطوعة الصلة بالدين وإن زعمت أنها لصيقة به”.

مفتاح فهم التطرف الديني

ينطلق دفتر تفكيك خطاب التطرف من الحديث النبوي الذي صور فيه النبي ﷺ علل الخطاب المنحرف عن الفطرة السليمة، حيث قال رسول الله: “يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين”.

أما التحريف، فيذكر المصدر أنه “إخراج الوحي والشريعة عمّا جاءت به، إما بتبديل، وإما بكتمان بعض وتناسيه، وإما بالتأويل البعيد”. وأما الغلو فهو “تجاوز الحد المألوف” و”الزيادة في عمل على المتعارف منه بحسب العقل أو العادة أو الشرع” ليكون الغلو في الدين بهذا المعنى “أن يُظهر المتديّن ما يفوت الحدّ الذي حد له الدين”.

ويذكر الدفتر أن الانتحال مرتبط بـ”قول المُبْطِل (من يقول شيئا لا حقيقة له) الذي يلحن بحجّته”، علما أن المبطل “ينتحل من الحجج ما يبرر به ادّعاءه”.

والتأويل الذي يعني “صرف اللفظ عن ظاهر معناه إلى معنى آخر محتمل لدليلٍ”، عندما ارتبط بفعل الجهل في الحديث، دلّ على التأويل الذي أخطأ فيه صاحبه، إما لخلو نفسه من العلم، أو اعتقاده الشيء بخلاف ما هو عليه، أو فعله بخلاف ما حقّه أن يفعل، سواء اعتقد فيه اعتقادا صحيحا أو فاسدا.

وينبه الدفتر إلى أن هذه الأوصاف قد تجتمع كاملة في خطاب التطرف، و”قد تتداخل فيما بينها، فالتحريف مدرجة الغالين، والانتحال سلّم المبطلين، والتأويل الفاسد البعيد وسيلة الجاهلين”.

اغتصاب لمفاهيم الإسلام

يعدد الدفتر مناحي اغتصب فيها “خطاب التطرف” المفاهيم الدينية، وينطلق من “مفهوم القدوة والأسوة”، الذي يصير، بدل رسول الله المجسِّدِ الإسلامَ في كمالِه، المتطرّفَ الذي “ينظر لنفسه عين الرضا” ويتصور أنه “الوحدة القياسية للإنسان المسلم الكامل”، قولا وفعلا وسلوكا، “الأصل في غيره أنه على الباطل، ودائم الخطأ، وأنه ليس على شيء”، انطلاقا من “صورة مختزلة لنموذج من الناس يعاني من خلل وضيق في جهازه المفاهيمي والروحي والقيمي، لم يستوعب سعة المنظومة الأخلاقية للإسلام التي تسع جميع الخلائق”.

ويبرز المصدر ذاته أن خطورة هذا الداء متجلّية في جعل صاحبه “غافلا عن سنن الله في خلقه، فيتحوّل من ملاحظ صامت، إلى محتسب متكلم، مدعيا سلامة القصد في الظاهر، ومخفيا استبداده برأيه، وعجبه واستكباره، في الباطن”.

وينبه الدفتر إلى عدد من الآليات التي يتم بها اغتصاب مفهوم القدوة، منها “آلية الحذف” التي “تقوم على التصرف في انتقاء واختيار النصوص الشرعية”، و”إسقاط النماذج التي تصادم تصوره (…) فينتزع نماذج وأحداث ووقائع من سياقها، ويوهم الغير موافقَتها لهذا الخطاب، ويضعف اليقين بغيرها، سالكا في ذلك مسالك التهويل العقَدي، والتمويه التأصيلي”، مع توظيف “كل المصطلحات الدينية التي تنتمي لدائرة الإيمان كالحقّ والهدى… فيجعلها شعارا وعنوانا على مدى التزامه الكامل بالدين. في حين تستعمل مصطلحات الباطل والضلال كنعت مقابل لإخراج الآخر من دائرة الدين”.

ومن بين أوجه اختطاف المفاهيم الدينية التي ينبه إليها الدفتر مفهوم “الرجوع إلى الأصول أو الإحياء الديني” باعتماده دعوى أنه المتمثل فيه “مفهوم العودة إلى الأصول؛ أي الإسلام الصحيح، ويسلب هذا المعنى عن غيره”، وهو ما تنتج عنه آفة “تضييق المفهوم”، الذي يخاطب به عموم المسلمين ليكونوا على “حالة محمودة تقترب من النموذج الكامل، كل على قدرة استقامته”، وآفة “التسييس”، الذي يطمس مقتضى التنوير، بإخراج الإنسان المسلم من ظلمة الجهل إلى نور المعرفة، والتحرير، الذي يقتضي إخراج الإنسان المسلم من قيود الأكوان إلى سعة أفضال المكوّن، كما قد تسقط في شرك القيم المادية، بتوسل أساليب تنظيمات تناقض الأصل التنويري الروحي.

جهل بالمنهج التكاملي للدين

يقف الدفتر عند تأويلات الخطاب المتطرف الخاطئة، التي نتجت عن “تغليب النظر التجزيئي في الخطاب الديني على النظر الكلي التكاملي”، وقدم مثالا بمصطلح “الحاكمية”، الذي صار في ظل هذا التصور “مفهوما مضطربا، ارتبطت به كل قضايا العقيدة، عبر تاريخ المسلمين، وتم في ضوئه تفسير وتحليل كل المراحل التاريخية التي مرت بها المجتمعات الإسلامية، وانقلب معها هذا المفهوم إلى كلمة حق أريد بها باطل، وتحولت الكلمة من حاكمية الله إلى حاكمية الطوائف التي جعلت نفسها وكيلا عن الشارع في محاكمة الأفكار والآراء”.

ووضّح الدفتر أن من الآفات المترتبة عن عدم مراعاة السياق في تفسير النصوص، عقلية كانت أو نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية أو محلية أو كونية، “فصل المفاهيم الشرعية عن سياقاتها، ونزع معانيها ودلالاتها”، وهو ما ذكر أنه ينتج عن إغفال حقائق التاريخ، من فارق بين المتلقي وبين النصوص، وإغفال ما تراكم من طبقات التجارب والمعارف في الفهم، وإعمال النصية الحَرْفيّة مع إهمال المقاصد الشرعية؛ وهو ما ينتج عنه “فهم حرفي وسطحي للنصوص”.

وينبه الدفتر، أيضا، إلى تضييق خطاب التطرف معاني المفاهيم القرآنية والحديثية، وقدم مثالا بأمر “تغيير المنكر”، الذي يأخذ عند الفهم غير السليم “منحى المنازعة، وطلب الزعامة والسلطة، وتغيب عنه نية الإصلاح والتغيير المبني على المقتضيات الأخلاقية”.

ويذكر في هذا الإطار أن تغيير المنكر بالمقاتلة والسلاح “هو إلى السلطان (خاص به)، لأن شهر السلاح بين الناس قد يكون مخرجا إلى الفتنة، وآيلا إلى فسادٍ أكثر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، علما أن “تدبير الشأن الأخلاقي داخل المجتمع جزء من مسؤولية العلماء، إلا أن هذا التدبير يحتاج إلى أن يكون العالم متحليا بأخلاق العلم والرحمة والرأفة والرفق واللين، وهي أخلاق إذا صاحبها التوجيه والإرشاد كان لها تأثير، بخلاف أخلاق الفظاظة والعنف والقسوة، التي قد تكون نتائجها عكسية على المجتمع ووحدته”.

ويحذر الدفتر الثاني عشر من سلسلة تفكيك خطاب التطرف، من تجريد هذا الأخير المفاهيم الدينية من أبعادها ومدلولاتها الروحية، وانتقاله بها “من حدود التخلّق والتقرّب إلى الحق، إلى حدود التسلّط على الخلق”.

وأعطى الباحث عبد الله معصر مثالا بمفهوم الجهاد، الذي صار يحمل “معنى القتال”، أي “بسط النفوذ السياسي عن طريق التسلط العسكري”، بعدما “أفرغ من مدلوله الروحي الجامع، المتعلق بمجاهدة النفس وحملها على ما تكره”، وصار دالّا على “معنى القتال من أجل القهر والإكراه الديني وبسط النفوذ العقدي (…) وطلب الرّئاسة الدنيوية”، علما أن الجهاد بمعنى القتال أو الحرب من “مجالات مؤسسة الإمامة العظمى ووظائفها (…) لا تكون إلا بإذن وإشراف منها”، ولها في ذلك “الصلاحية الحصرية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى