أكاديمية المملكة تنصت لتفاصيل سقوط سبتة عند البرتغاليين والعرب

انتصار لقراءةِ تاريخ احتلال سبتة دون الاقتصار على روايات الإسطوغرافيا البرتغالية والأوروبية، تم في محاضرة، لأستاذ محاضر بجامعة السوربون الجديدة الفرنسية، استقبلتها أكاديمية المملكة المغربية.

محاضرة الجامعي ياسر بنهيمة استقبلها مبنى الأكاديمية بالرباط، الاثنين، وركزت على ما تقوله المصادر التاريخية العربية، بالمغرب والأندلس والمشرق، حول احتلال البرتغال لسبتة المغربية في القرن الخامس عشر الميلادي.

الهجوم الذي شهدته المدينة، السليبة إلى اليوم، جاء بعد أربع سنوات من تفكير البرتغال في التوسع، عن طريق غزو كبير لمجالٍ إسلامي، وحُددت سبتة كهدف أول بعد جمع المعلومات عن واقعها ومسارها.

وقبل يوم الهجوم، 21 غشت 1415، تحدث الباحث عن نقاش الملك ومستشاريه، وهم في البحر يومين قبل الغزو، عن تحويل الهدف إلى مكان آخر مثل جبل طارق، قبل أن يستقر القول على الاستمرار في خطة الهجوم على سبتة.

وهكذا، وفق مؤرخِ تحركات البرتغال زورارا، دامت الصراعات طيلة اليوم، وكَثُرَ الضحايا، وجرت هجرة جماعية لساكنة سبتة تفاديا للأسر، قبل أن يحول بعد يومين من الغزو مسجد المدينة إلى كاتدرائية “إيذانا بنهاية عهد وبداية آخر”.

هذا التوسع، حسب استشهاد المحاضرة بما دونه زورارا، كانت محاولة من الملك البرتغالي جون الأول لشرعنة حكمه، وتأمين انتقال السلطة إلى سلالة جديدة. فيما كانت كتابة المؤرخ، ذاته، تحمل “تبريرا إيديولوجيا للغزو”.

وباستحضار المحاضر عدم توازن الكتابات، وتأثيرها في البحث التاريخي، حول غزو سبتة، ذكر غياب تدوين رسمي مغربي لسقوط المدينة في العهد المريني.

واستشهد بنهيمة بنصوص مغربية حول الغزو البرتغالي لسبتة؛ منها “بلغة الأمنية لغة الأمنية ومقصد اللبيب فيمن كان بسبتة في الدولة المرينية من مدرس وأستاذ وطبيب” لمحمد بن أبي بكر الحضرمي، و”اختصار الأخبار عما كان بثغر سبتة من سني الآثار” لمحمد بن القاسم الأنصاري، ابن سبتة المسلمة قبل الغزو.

واستفاض المحاضر في حديثه عن المصدر الأخير، وما حمله من “صدمة الغزو”، إلى درجة جعلته “مطبوعا بصدمة سقوط المدينة”.

ولاحظ المتحدث في هذا المصدر استمرارا لأسلوب الإسطوغرافيا المغربية، من بين أوجهه اللغة القرآنية، مع التشبث بالمنّ الرباني على المستَضعفين، ضحايا الغزو؛ والعفو الإلهي في ظل وضع سقوط المدينة في يد البرتغاليين.

كما تطرق المحاضر لأشعار ابن فركون، التي حققها عميد الأدب الأندلسي محمد بنشريفة ونشرتها أكاديمية المملكة، قائلا إنها أول ما كتب تاريخيا عن احتلال سبتة.

وذكر الباحث أن هذه الأشعار قد تحدثت عن عدد من الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة، وشجعت على رد الفعل، مبشّرة بنصر السلطان المريني واسترداده سبتة.

ولاحظ الأستاذ المحاضر بجامعة السوربون الجديدة أن بني نصر (بني الأحمر) لم ينتجوا سجلات عن هذا الحادث، ثم أضاف: “ليس بسبب وضعية الصيانة في القرن الـ15، بل لتوجه اختياري للنسيان، في ظل الأوضاع الكارثية”.

وقدم بنهيمة نموذجا آخر للحديث عن غزو سبتة مثَّله المقريزي، في المشرق، حيث كتب عن الأمر دون إغراق في الخطابة، وبشكل عام، لكن بتركيز على الكيفية التي سقطت بها.

وكان الحديث عن أسباب من بينها ترك سبتة هشة بعد التحاق المدافعين عنها بالجبال المجاورة، وكونها مدينة غير مسلّحة بعد السيطرة المرينية مما جعلها غير قادرة على الدفاع عن نفسها، فضلا عن سياق الحرب الأهلية المحلي بين سلطنتين، مرينية ونصرية، بين عامي 1410 و1413؛ وهو ما يضاف إليه سياق الوباء والمجاعة.

ومن هنا، يتبين أن سبتة “مدينة قد أُضعِفَت (…) واستغل البرتغالُ الفرصة، بمعلومات جيدة، من جواسيس أقاموا بالمدينة”.

ومع تأكيد طابع الحرب الإسلامية المسيحية في غزو سبتة، نبه الباحث إلى ما يحضر فيها أيضا من حرب بين المسلمين أنفسهم، مرينيين ونصريين، ثم أبرز نتائج سقوطها على جيرانها الذين أضعفوا.

وهكذا، في ختام محاضرة الأكاديمي ياسر بنهيمة سجل، في حديث عن البحث التاريخي العالمي، أن سقوط سبتة ليس تاريخا برتغاليا فقط؛ بل هو تاريخ مغربي أيضا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى