أحرشاو يستعرض خصائص اضطراب “عسر القراءة” لدى أطفال مغاربة

قال الكاتب والسيكولوجي الغالي أحرشاو إن “عسر القراءة، الذي يندرج في خانة الاضطرابات العصبية النمائية أو المكتسبة، عادة ما يشمل بنسب متفاوتة كل اللغات بما فيها العربية، ويغطي ما بين 5 في المائة إلى 10 في المائة من الأطفال المتمدرسين في المغرب وفي غيره من بلدان العالم”، مضيفا أنه “على الرغم من تعدد التعاريف المنوطة بعسر القراءة، فإن هناك شبه إجماع على أن هذا الاضطراب يتمظهر من خلال الفشل الواضح لعدد من الأطفال في تعلم القراءة”.

وأضاف الغالي أحرشاو، في مقال له بعنوان “خصائص اضطراب عسر القراءة لدى بعض الأطفال المغاربة”، أنه “على الرغم من تنوع أساليب التشخيص والإرشاد والتكفل، تبقى البرامج القائمة على نظرية العجز الصوتي وكل ما تنبني عليه من ممارسات وتدريبات لتقوية وتجويد آليات الوعي الصوتي للمصاب أهم نماذج التدخل التي نوصي باعتمادها في التعامل مع الأطفال المغاربة من ذوي عسر القراءة”.

ودعا أحرشاو، في مقاله، إلى “تيسير إدماج هؤلاء في الوسط المدرسي عبر تمكينهم من التعلمات الأساسية، وتجويد كفاياتهم القرائية بناء على برامج للدعم والتدريب والإرشاد قد تستهدف حتى أسرة الطفل عسير القراءة”، و”إعادة تربية وتأهيل هؤلاء على المستوى السلوكي من خلال أَلْيَلَةِ نشاطهم القرائي والرفع من سرعته ومنسوبه وسلاسته، باعتماد تدريبات قوامها القراءة المتكررة لنفس الكلمات والجمل والنصوص”، و”تجويد الاشتغال المعرفي لهؤلاء من خلال تطوير قدراتهم القرائية الكامنة التي أصبحت معطلة بسبب اضطراب العسر والتعثر والعجز”.

هذا نص المقال:

لا جدال في أن القراءة التي تشكل الأداة المرجعية لتعلم الكفايات المدرسية المختلفة غالبا ما يفشل عدد من الأطفال المغاربة من ذوي عسر القراءة في اكتسابها بشكل طبيعي ومُيَسَّر. ولا جدال أيضا في أن أي اضطراب في تعلم هذه الأداة القاعدية لا بد أن تصاحبه انعكاسات سلبية ومؤثرة في المسار الدراسي العام لهؤلاء. ومن هنا، نعتقد أن عسر القراءة، الذي يندرج في خانة الاضطرابات العصبية النمائية أو المكتسبة، عادة ما يشمل بنسب متفاوتة كل اللغات بما فيها العربية، ويغطي ما بين 5 في المائة إلى 10 في المائة من الأطفال المتمدرسين في المغرب وفي غيره من بلدان العالم.

فبالرغم من عدم توفرنا حتى الآن على الأرقام المضبوطة للأطفال المغاربة عسيري القراءة، فنحن لا نستبعد بأن بداية الكشف في السنوات الأخيرة عن أعداد هؤلاء، وعن الطلب الاجتماعي المتنامي على خطط تجويد أنشطتهم القرائية، تم الاهتمام المتزايد من لدن بعض الأسر والمدارس والجمعيات والأخصائيين بأساليب رعايتهم، كلها عوامل ومؤشرات تؤكد الحضور الوازن لاضطراب عسر القراءة في كثير من مؤسساتنا الأسرية والتعليمية.

والأكيد أنه على الرغم من تعدد التعاريف المنوطة بعسر القراءة، فإن هناك شبه إجماع على أن هذا الاضطراب يتمظهر من خلال الفشل الواضح لعدد من الأطفال في تعلم القراءة، وبغض النظر عن أي قصور في ذكائهم، أو أي عجز في حِدَّتِهم البصرية، أو أي خصاص في ظروف وشروط تعليمهم. فتحصيلهم الدراسي غالبا ما يتميز بالتدنِّي في مختلف المهام التي تستدعيها سيرورة القراءة وآلياتها المختلفة للتعرف على الكلمات وفهمها، هذا فضلا عما يشوب هذا التحصيل من صعوبات في الكتابة الصحيحة، واضطرابات في السلوك والانفعال، يمكنها أن تستمر مع هؤلاء حتى سن المراهقة.

وإذا كانت مقاربة عسر القراءة لا تخرج عن سياق إحدى المرجعيتين: النمائية أو المكتسبة، فقد أصبح التمييز داخل هذا الاضطراب بين ثلاثة أنواع رئيسية بمثابة الخيار المفضل. فأول هذه الأنواع صوتي يتميز صاحبه بعجز في تعلم قواعد التطابقات الخطية – الصوتية، وبخلل في الجانب الأيسر للدماغ كموطن للغة، ثم بصعوبات في كتابة الكلمات واللاكلمات وتقطيعها وقراءتها. وثانيها سطحي يشكو صاحبه من خلل صوتي – دلالي، ومن عجز واضح في التعرف على الكلمات وتخزين أشكالها الكتابية بسبب قصور في الذاكرة البصرية. أما ثالثها فهو مختلط يعاني صاحبه في الآن نفسه من صعوبات النوعين الصوتي والسطحي، ومن مشاكل قرائية بسبب الخلط بين الحروف والقراءة المرآتية، ثم المحدودية الدائمة في معجم الكتابة الصحيحة للكلمات وتقطيعها والتعرف عليها وفهمها.

إذن، فعلى الرغم من تنوع مقومات عسر القراءة وتعدد أنواعه وصعوباته، يمكن الإقرار بأن تشخيص هذا الاضطراب عادة ما يفضي إلى ثلاث خلاصات أساسية: قوام أولاها كونه يشكل اضطرابا عصبيا يتوزع بين ما هو نمائي وما هو مكتسب، ويمنع عددا من الأطفال المتمدرسين من التحصيل العادي للكفايات الأساسية. ومفاد ثانيتها كونه عبارة عن اضطراب يتولَّد على التوالي عما هو بنيوي – عصبي، وعما هو مرضي – مكتسب، وإلى حد ما عما هو تكويني – وراثي. ومؤدى ثالثة الخلاصات هو أن تشخيصه عادة ما يتم بواسطة اختبارات للقراءة والذكاء، بحيث إن أداء كل تلميذ في اختبار للقراءة يقل عن سنتين (السن الزمني) مقارنة بأداء نظرائه في السن والمستوى الدراسي، يعتبر عسير القراءة بغض النظر عن ذكائه المتوسط أو المرتفع، وسلامة قدراته الحسية والحركية والذهنية، ثم خصوبة ظروفه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وملاءمتها للتعلم والتحصيل.

والحقيقة أن تشخيصا من هذا القبيل لا يمكن الوثوق في مصداقيته العلمية وفعاليته الإكلينيكية إلا بالاحتكام بمضامينه إلى النماذج التفسيرية لمسببات هذا الاضطراب، سواء عندنا في المغرب أو في غيره من البلدان. وهي نماذج تتراوح في مقوماتها التفسيرية بين القول أولا بالعجز في المعالجة السمعية السريعة، والإقرار ثانيا بالعجز الإدراكي البصري، والتنصيص ثالثا على العجز في النظام التمثلي (الذهني) والمعالجة المعرفية لوحدات الكلام الصوتية، مما يؤثر في عملية اكتساب التطابقات الخطية – الصوتية. بمعنى أن النموذج التفسيري المرجح غالبا ما يحكمه هذا العجز الصوتي الذي يتمظهر في فشل التلميذ عسير القراءة في كشف التطابقات بين الوحدات الخطية المكتوبة والوحدات الصوتية المنطوقة، وفي الوعي المطلوب بالبنية الصوتية لتلك الوحدات. وهو النموذج الذي يجب أن يحظى من منظورنا الشخصي بالاهتمام والأولوية في التعامل مع الأطفال المغاربة عسيري القراءة، نظرا لما ينفرد به من خصوبة ومردودية كبيرتين مقارنة بالنموذجين الأول والثاني.

وحتى تكتمل الفكرة التي نروم بسطها وتوضيحها في هذا المقال المقتضب، نود الإشارة على سبيل الختم إلى أنه على الرغم من تنوع أساليب التشخيص والإرشاد والتكفل تبقى البرامج القائمة على نظرية العجز الصوتي وكل ما تنبني عليه من ممارسات وتدريبات لتقوية وتجويد آليات الوعي الصوتي للمصاب أهم نماذج التدخل التي نوصي باعتمادها في التعامل مع الأطفال المغاربة من دوي عسر القراءة؛ فقد تبث أن مثل هذه الممارسات والتدريبات التي تندرج في إطار التكفل العلاجي الصوتي هي الأكثر فعالية نظرا لخلفيتها النظرية الصلبة وإجراءاتها التطبيقية الناجعة، وبالخصوص على صعيد تحديدها المباشر للوظيفة المعطلة في عسر القراءة عبر كشف الوحدات الصوتية الصغرى ودمجها في مقاطع وكلمات، ثم التحكم في نهاياتها وقوافيها. وعلى أساس أن عسر القراءة يجب ألا يَشُدَّ عندنا في المغرب عما هو عليه في بقية بلدان العالم، بحيث يتمظهر وفق ثلاثة مستويات: أولها بيولوجي – عصبي، وثانيها ذهني – معرفي، وثالثها سلوكي – تعويضي، فمن الضروري أو على الأحرى من الطبيعي أن تستهدف خطط التدخل والعلاج والتكفل المفروض اعتمادها وتوظيفها كل هذه المستويات، من خلال التركيز على مجموعة من الإجراءات والأساليب أهمها:

ـ تيسير إدماج هؤلاء في الوسط المدرسي عبر تمكينهم من التعلمات الأساسية وتجويد كفاياتهم القرائية بناء على برامج للدعم والتدريب والإرشاد قد تستهدف حتى أسرة الطفل عسير القراءة؛

ـ إعادة تربية وتأهيل هؤلاء على المستوى السلوكي من خلال أَلْيَلَةِ نشاطهم القرائي والرفع من سرعته ومنسوبه وسلاسته باعتماد تدريبات قوامها القراءة المتكررة لنفس الكلمات والجمل والنصوص؛

ـ تجويد الاشتغال المعرفي لهؤلاء من خلال تطوير قدراتهم القرائية الكامنة التي أصبحت معطلة بسبب اضطراب العسر والتعثر والعجز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى