من مهرجان برلين السينمائي .. جماليات الرحيل في فيلم “وداعا ليونورا”

فاز باولو تافياني مع شقيقه فيتوريو بالدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي “البرليناله” قبل عشر سنوات عن فيلم بالأبيض والأسود: “قيصر يجب أن يموت”. أما هذا العام، فقد أنجز باولو بمفرده عملا سينمائيا جديدا (وداعا ليونورا)، شارك به في المسابقة الرسمية للمهرجان سالف الذكر في دورته الـ72.

“وداعا ليونورا” هو إهداء من المخرج تافياني، البالغ من العمر 90 عاما، إلى شقيقه فيتوريو الذي توفي عام 2018. الأخوان تافياني قدما كل أفلامهما بصورة مشتركة منذ أول فيلم قصير أخرجاه عام 1962.

تافياني.. المهووس بالكاتب لويجي برانديلوس

باولو تافياني لا يزال وفيا لحسه الجمالي وفلسفته البصرية في بناء النص السينمائي والتي طبعت فيلمه عن “القيصر الذي يجب أن يموت”. في عمله الجديد “وداعا ليونورا”، يقدم تافياني وللمرة الأولى فيلمه بمفرده في برلين، وفيه يحاول هذه المرة أن يطرق باب سيرة الكاتب والمسرحي الإيطالي لويجي برانديلوس (1867-1936) المليئة بالأحداث والوقائع. برانديلوس كاتب مثير للجدل وسيرته دفعت تافياني إلى إنتاج تحفة سينمائية.

سيرة كاتب على الشاشة

حقق الكاتب برانديلوس، عام 1904، أول نجاح كبير له بعد نشره لروايته في ألمانيا والتي حملت عنوان “ماتياس باسكال الذي كان”. تحول برانديلوس إلى الدراما، وهي المجال الذي جلب له الشهرة الأدبية في جميع أنحاء العالم. وفي عام 1921، حقق نجاحا مدهشا بمسرحياته. ونذكر منها، على الخصوص، مسرحيتين: “ست شخصيات تبحث عن مؤلف” و”هنري الرابع”. أسس برانديلوس مسرحه في روما؛ لكن بعد موافقة الزعيم الفاشي موسوليني على إصلاح وتجديد المسارح، لم يحترم برانديلوس هذا القرار، فقرر الذهاب مع فرقته المسرحية في جولة قادته إلى أوروبا وأمريكا الجنوبية، ثم اضطر إلى حل الفرقة عام 1928 قبل أن يختار المنفى في برلين، ثم إلى باريس عام 1930. في عام 1934، حصل على جائزة نوبل للآداب ثم عاد إلى روما، حيث توفي في العاشر من دجنبر عام 1936.

عودة كاتب في رماده

في مهرجان برلين السينمائي الدولي لهذا العام، يحكي تافياني في فيلمه الجديد عن عودة رماد جثة الكاتب لويجي برانديلوس. الشريط يبدأ بإيقاع هادئ ولغة بصرية جذابة ومثيرة تترك الفرصة للمتلقي بالتقاط الرموز والدلالات وأنفاس المتعة؛ لكن بعدها يأخذ البناء الدرامي لهذه التحفة السينمائية منعطفا مدهشا. يتم نقل رماد جثة الكاتب والمسرحي لويجي برانديلوس من روما، حيث دفن على عجل خلال الحكم الفاشي، إلى مسقط رأسه صقلية. هي حديث رماد الجثة الذي عبر أرجاء إيطاليا في زمن ما بعد الحرب.

“وداعا ليونورا” هو استحضار سينمائي إبداعي لكاتب مسرحي ألهم الأخوين تافياني مرات عديدة.

الموت والسياسة

يبدأ الفيلم بلقطات وثائقية لحفل تسلم برانديلوس لجائزة نوبل للآداب عام 1934. بعد ذلك، يغير الفيلم إيقاعه السينمائي. مشهد في غرفة كبيرة جدا، تبدو بيضاء ونظيفة، وهي بمثابة غرفة الموت. يدخل أطفال الكاتب الثلاثة إلى هذه الغرفة في لحظة وداع حزينة. مشهد ناطق وعميق بل وسوريالي في تعبيراته الفنية عن الحزن.

زمن الفاشية ليس مناسبا للحظة الموت. حفظ رماد الجثة في روما لمدة عشر سنوات قبل أن ينقل إلى صقلية، تنفيذا لرغبة برانديلوس. هذا الانتقال تصاحبه مشاهد كوميدية ساخرة حين يتم نقل الرماد في الصندوق الخشبي من سيارة إلى طائرة ومن هناك إلى القطار حيث يرفض الركاب السفر إلى جانب رائحة الموت. الرماد والتابوت الصغير المخصص للأطفال يجمع فيهما المخرج لغتين/ أسلوبين: الكوميديا والتراجيديا.

الفيلم يبدو وكأنه مجموعة من المنمنمات تشكل مساحات جمالية داخل فضاء اللقطات. موكب صغير يحمل رماد جثة الكاتب برانديلوس وسط شوارع مسقط رأسه “أغريكينتو” الصقلية. وبمجرد وصول الرماد إلى وجهته النهائية بعد العديد من التوقفات، يتغير الفيلم من الأسود والأبيض إلى الألوان، وهنا يبدأ السرد في الانتقال من رماد الموت إلى رواية صغيرة بعنوان “المسمار”، والذي كتبها برانديلوس في عام وفاته، عن صبي مهاجر إيطالي في بروكلين يقتل فتاة بمسمار حديدي، في مشهد تظهر فيه فتاتان وهما تتعاركان.

تحية الوداع

“وداعا ليونورا ” هو عنوان رواية لبرانديلوس، والتي لا يتناولها تافياني في الفيلم بشكل مقصود ومباشر. يجمع الشريط على الأقل معنيين: وداع الكاتب لويجي برانديلوس، ووداع باولو تافياني السينمائي لشقيقه فيتوريو.

“وداعا ليونورا” ليس فيلما فقط عن الأدب والكتابة وحرقة السياسة والإيديولوجيا، بل هو شريط سينمائي يدمج فيه المخرج تافياني مقتطفات من أفلام عديدة أخرى، وهو الأسلوب نفسه الذي وظفه في إخراج فيلمه “قيصر يجب أن يموت”.

باولو تافياني أهدى الفيلم إلى أخيه فيتوريو، وهو نوع من تحية الوداع، تحية للأخ ولتاريخهما السينمائي المطبوع بلمسة من تاريخ سينما الواقعية الجديدة.

“وداعا ليونورا” هو نهج سينمائي مفعم بسحر فريد يعبر عن لحظة مهمة من التاريخ الأدبي لإيطاليا ما بعد الحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى