القضاء يطوق عنق المحامي زيان .. تسجيلات وصور عارية وخبرات تقنية

من يطلع على حزمة المحاضر والوثائق التي أحالتها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية على النيابة العامة بالرباط في قضية النقيب السابق محمد زيان، والتي تجاوزت 500 صفحة، يخرج بقناعة راسخة مؤداها “أن القاضي حكم بما توفر لديه من قرائن، وبما راج أمامه من وثائق وإثباتات، وليس بما كان يهمس به الأطراف خارج ردهات المحاكم”.

فبعدما صدر الحكم الابتدائي في هذه القضية، ورفعت السرية على مشتملات ووثائق الملف، استطاعت الجريدة أن تحصل على نسخة من المساطر التي أنجزتها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، ومن محاضر استنطاق النيابة العامة، ومن مذكرات هيئة الدفاع؛ وذلك بغرض لملمة المقاطع المتناثرة وترميم الشظايا المتفرقة لهذه القضية، حتى لا يبقى الرأي العام ضحية الشائعات وحبيس الاتهامات المتبادلة بين مختلف أطراف القضية.

نجلاء.. ضحية معلومة

كثيرا ما أنكر النقيب السابق محمد زيان معرفته بالسيدة نجلاء الفيصلي، في عدد من تصريحاته الإعلامية؛ بل إن مصادر صحافية نقلت عنه نفيه الجازم والقطعي “لأية علاقة بالمشتكية سواء كانت مهنية أو شخصية”، والتي غالبا ما كان يتفادى نعتها باسمها الشخصي ويستعيض عن ذلك بصفات مبنية للمجهول من قبيل “الشطاحة” و”زوجة الأمير الخليجي”.. إلخ.

لكن بالرجوع إلى تصريحات النقيب السابق في محاضر الضابطة القضائية، سرعان ما ستتحول نجلاء الفيصلي من “شطاحة” نكرة إلى ضحية معلومة، ومن امرأة مجهولة إلى “موكلة” و”مشروع حبيبة” يهيم بها وينفطر لها فؤاد المتهم! فقد كشفت الخبرة التقنية التي عرضت على أنظار المحكمة أن زيان اتصل بنجلاء الفيصلي انطلاقا من هاتفه الشخصي خمس عشرة مرة في الفترة التي سبقت أول لقاء بينهما في الرباط، وتحديدا في شتنبر من سنة 2019.

أكثر من ذلك، ستؤكد هذه الخبرات التقنية والرقمية أن النقيب السابق تبادل مع “موكلته” قبل أن تتحول إلى “ضحيته المفترضة” العشرات من التسجيلات الصوتية عبر تطبيق “واتساب”، وتقاسم معها العديد من صوره الشخصية في وضعيات عارية إلا من سرواله الداخلي القصير، كما أنه سخر سائقه الشخصي لنقل المشتكية من المطار إلى منزلها بالرباط، قبل أول لقاء بينهما في مطعم إيطالي بالرباط في 20 شتنبر 2021.

تسجيلات.. بصوت النقيب

مفاجأة كبيرة تلك التي كشفت عنها التسجيلات الصوتية التي عرضتها الشرطة القضائية على محمد زيان! لكن المفاجأة الأكبر كانت هي محتوى تلك التسجيلات، وطبيعة الرد والتعقيب عليها من طرف النقيب السابق.

ففي أحد التسجيلات الصوتية التي قدمتها نجلاء الفيصلي كتعزيز لشكايتها، يقول محمد زيان لمخاطبته: “حبيبتي كل شيء ممكن إذا كان سيسرّك ويفرحك، فأنا مستعد لأي عملية ضرورية لاسترجاع شبابي !ok I do it ” وتشير تحريات الشرطة إلى أن هذا التسجيل مرسل من هاتف النقيب السابق بتاريخ 25 شتنبر 2019 على الساعة العاشرة والنصف ليلا، أي في الوقت الذي قالت فيه المشتكية إنها حضرت إلى المغرب لتوكيله للدفاع عن مصالحها أمام المحاكم المغربية.

وفي تسجيل آخر، يُسمع صوت النقيب السابق وهو يقول لمخاطبته: “أنني حلفت بالله أنه لا يوجد أي امرأة في عنقي إلا أنت ولا توجد من تملأ أو تعيش معي أو أصاحبها بمفهوم الصحبة أو العشق كما شئت”؛ بل إن زيان خاطب ضحيته في تسجيل صوتي آخر بإنجليزية متقطعة قائلا :

“ok honey, l feel weel and I fell glad because

Im exited and Im with you. Then stay with me” .

والمثير في هذه التسجيلات الصوتية المنسوبة إلى محمد زيان هو أنها تباينت ما بين “عبارات التودد والعشق”، وبين “تصريحات الوعيد والتهديد”! ففي تسجيل صوتي تحدث فيه مع مخاطبته بقوله: “ماشي الحال.. لكن قولي كيف تحب نسميك؟ نجلاء، غايا، رايا، آية، غالية أو غنية.. على كل حال أنا قلت لك أتمنى رؤيتك.. أتمنى قربك نحس بك.. أتمنى لقاءك نحس بقربك.. وأحلم بوجودك إن شاء الله”، كما قال لها متوددا “كل يوم بتشوفني، كل يوم ممكن ناخذوا الغداء جميعا وحتى العشاء إن شئت وحتى الفطور إن كتبه الله علينا”؛ لكنه في تسجيل لاحق سيخاطبها متوعدا ومهددا بالقول “أسمع أنجلاء أنا ما ممكن أطيق هذا الكلام وهذا التصرف، أنا من الصباح وأنا أبحث عليك وأتساءل وصلتي بخير.. الآن عندك أمرين ستأتي حالا إلى مكتبي وستعتذري أو ستكتب أنك ستكوني في المحل الذي قررت أن نلتقي لأول مرة وهو المطعم الإيطالي (..). ونفذ ما قررته، نفذ ما قلته بدون مناقشة”.

لكن الملاحظ هو أن الأجوبة التي تضمنتها تصريحات النقيب السابق أمام الفرقة الوطنية للشرطة القضائية اتسمت ببعض التباين أحيانا، وبالتناقض الحاد في كثير من الأحيان الأخرى؛ فقد أجاب على بعض التسجيلات بأن “الصوت المسموع هو صوته لكن يجهل ظروف تسجيله ووصوله للشاكية”، ثم قال في جوابه عن تسجيلات أخرى بالإنجليزية “أنه صوته ويجهل ظروفه، ولا يدري إن كان يقرأ أو يترجم وثيقة لشخص ما” مع العلم بأن التسجيل المعني كان يتضمن كلاما في العشق ولا يوحي نهائيا بأن الأمر يتعلق بوثيقة تخضع للترجمة!

كما أجاب النقيب السابق على أحد التسجيلات بقوله: “إن الضحية أرسلت له أغنيتها وكان بصدد ترجمتها للإنجليزية والفرنسية، وبأنه كان يقرأ فقط كلمات أغنيتها”، قبل أن يرفض “تقديم المزيد من التفاصيل”؛ لكن زيان سوف تظهر عليه علامات التردد المطبوع بالارتباك عندما عرض عليه المحققون تسجيل التهديد الذي يبدأ بعبارة “اسمع أنجلاء…”، حيث قال في البداية “أنه لا يتذكر هذا الكلام الذي ربما كان موجها إلى شخص آخر!”، قبل أن يستدرك بعدما تمت مواجهته مجددا بأن التسجيل استهله بذكر اسم الضحية نجلاء! وقتها، لاذ المتهم بالإنكار وادعى بأن التسجيل لا يخصه نهائيا، رغم أن نتيجة الخبرة وطبيعة الصوت كانا يقولان خلاف ذلك، حسب خلاصات المحققين.

صور النقيب.. العارية

من بين الصور التي تقدمت بها المشتكية نجلاء الفيصلي كدليل على واقعة التحرش والابتزاز الجنسي في مواجهة محمد زيان، كانت هناك ثلاث صور فوتوغرافية يظهر فيها النقيب السابق يصور نفسه في حمام أحد المنازل، وهو مجرد من كل “المخيط” باستثناء سرواله الداخلي القصير (تبان).

وفي تعليقها على هذه الصور، صرحت المشتكية أمام الضابطة القضائية بأن محمدا زيان هو من أرسل لها تلك الصور العارية انطلاقا من هاتفه الشخصي، وهي الإفادة التي جاءت متطابقة مع نتائج الخبرة التقنية، مضيفة بأنه كان يتقاسم معها تلك الصور ليبرهن لها “بأنه مقتدر جنسيا وأن بإمكانه ممارسة علاقة جنسية وحتى إنجاب الأولاد”.

أما النقيب السابق بعد مشاهدته لهذه الصور العارية، فقد صرّح لضباط الفرقة الوطنية بأن الحمام الذي يظهر في الصور هو فعلا “حمام منزله”؛ لكنه نفى في المقابل أن يكون “الهاتف الممسوك بيده يخصه، أو أنه سبق له أن صور نفسه في تلك الوضعيات أو أرسلها لأي شخص آخر!” لكن زيان وهو ينكر هذه الصور نسي بأن الخبرة التقنية أكدت أن الصور مرسلة فعلا من رقمه الشخصي إلى هاتف الضحية، وفق ما هو مثبت في تحريات ومحاضر الشرطة القضائية!!

لكن الملاحظة المهمة التي تضمنتها محاضر الضابطة القضائية، والتي لم تستدع الكثير من علامات استفهام من جانب المحققين ومن هيئة الدفاع، هي لماذا طلب محمد زيان من ضحيته نجلاء الفيصلي مرافقته إلى فندق بعينه في منطقة مالاباطا بمدينة طنجة؟ الجواب عن هذا السؤال لن يجده متصفح محاضر القضية في مسطرة البحث في قضية نجلاء الفيصلي، وإنما سيكتشفه بطريقة غير مباشرة في ثنايا المسطرة المتعلقة بالبحث في العلاقة المفترضة بين الشرطية المعزولة وهيبة خرشش والنقيب السابق محمد زيان!

ففي محاضر هذه المسطرة الثانية التي عرضت على المحكمة في قضية محمد زيان، أكدت الخبرات التقنية والرقمية المنجزة على الهواتف المحمولة أن النقيب السابق قضى ثلاثة أيام مع وهيبة خرشش في الفندق “الطنجاوي” الذي أصرّ على أن يصطحب إليه ضحيته الجديدة نجلاء الفيصلي! وليست هذه هي المفاجأة الوحيدة فقط، فقد أكدت الأبحاث أن زيان قضى ثلاثة أيام مع وهيبة خرشش في الفندق نفسه من 25 إلى غاية 28 غشت 2019، أي قبل حوالي عشرين يوما فقط من محاولته القيام بنفس الشيء مع نجلاء الفيصلي التي حضرت للمغرب بتاريخ 20 شتنبر 2019!

لكن لماذا يتكرر هذا الفندق دون غيره من الفنادق المصنفة في كل من قضية نجلاء الفيصلي ووهيبة خرشش؟ سؤال سوف يجيب عنه النقيب السابق محمد زيان في محاضر القضية بقوله: “بأن جميع تكاليف إقامته تكون على نفقة هذا الفندق لكونه كان ممثلا قانونيا لهذه المؤسسة السياحية”، أي بتعبير المثل المغربي الدارج “الحبة والبارود من دار القايد”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى