الحكايات المغربية .. مخاوف جماعية وصيانة ذاتية للأعطاب المجتمعية

حول الحكاية في التراث المغربي، ووظائفها الاجتماعية، استقبل المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث محاضرة للأستاذ الباحث محمد فخر الدين.

وأبرز فخر الدين ما في حكايات الأرواح التي تقطن الآبار، والأساطير التي تخوّف من الأشجار المثمرة، من وسيلة لحفظ سلامة الأطفال، وحفظ الثمار من الأنامل الصغيرة.

وسلط المحاضر الضوء على وظيفة الأمثال الشعبية، والحكايات، في توجيه سلوك الأطفال والراشدين قبل الوقوع في مشكل، كما نبه إلى وظيفة “الخُبِّيرات” أو الألغاز الشعبية في “تنمية ذكاء الطفل”، وشحذ معارفه؛ وتحدث أيضا عن وظائف حكايات، أخرى، في الحفاظ على تقسيم مواقيت العمل، بتخويف الأطفال من ألا يسقط المطر، أو أن يموت العم، أو يسقط شعر الراوي، في حالة ما إذا رويت الحكاية صباحا لا ليلا.

وعلما أن “الإنسان يفهم الهوية عبر السرد”، تحدث الباحث عن ساحات مدن مثل مكناس ومراكش تعتبر “متاحف الحكاية”، كان هدفها “الحفاظ على الفرجة في الشارع العام، وضمان التوازن النفسي والاجتماعي للساكنة، وتغيير رتابة الأيام، التي هي وظيفة مشتركة مع الأعياد والطقوس”.

كما تطرق المحاضر للأسواق الأسبوعية المغربية وحلقاتها الحكائية، التي كان يلعب منشّطوها دورا مسرحيا، ويتضمن سردها مقارنات وملاحظات حول العلاقات الاجتماعية، واحتجاجا على سلوكيات تحضر في المجتمع.

ومع حديثه عن الانتصار شبه الدائم للطفل، ولثقافة الأم بدل ثقافة الأب، استحضر فخر الدين “حكايات النسيج” التي كان تتداولها النساء عند القيام بهذا العمل، والتي نحتت مثلا شعبيا ذائع الانتشار هو “حْدِيثْ وْمَغْزَلْ”، الداعي إلى المزاوجة بين الفعلين دون تعطيل سير الشغل.

ومع استحضار الحكايات التي يأتي بها الحجاج من الحج، تاريخيا، والحكايات البعيدة القادمة بسبب المشاركة في حروبٍ مثل حرب فيتنام، نبه الباحث إلى ما في هذا من “سيولة سردية”، تمكن الحكاية من الانتقال من مكان إلى آخر عبر العلاقات الاجتماعية، وتمكن من تحول الحكي المكتوب إلى شفوي، وتدوين الشفهي أيضا.

ومع حديثه عن حكايات النساء التي لا يسمح للرجال بسماعها في مغربٍ ماض، وقف الباحث عند “سلطة الرضاع” في الحكاية والتصور الشعبيين؛ حيث تصير “الأم التي تلد واحدا أُمّ أولاد آخرين، موطّدة بذلك علاقات القرابة”.

كما استحضر المتحدث أوجها أخرى للوظائف الاجتماعية للأكل والشرب، مثل الجلوس للشاي الذي كانت له وظيفة اجتماعية، تجمع الناس حول “صينية الشاي” لتأكيد العلاقات، وتقويتها، وحل المشاكل.

ورصد الباحث تحولات في وظائف أطعمة تقليدية، مثل “الطاجين” الذي “انتقل من المعنى الجماعي إلى المعنى الفرديّ؛ فصَغُرَ، وصار يقوي الفردانية، بعيدا عن وظيفته الأصلية”، التي كانت تجمع الناس لمشاركة الطعام، والنقاش.

ويؤكد محمد فخر الدين أن الحكاية “حلم جماعي”، وتجمع بين كلماتها معالم ما أنتجه المجتمع عبر فترة طويلة، وعبر فيه عن أحلامه واستيهاماته الجماعية، وعن قلقه ومخاوفه أيضا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى