بن إيدامو يرصد تواصل المغرب وإفريقيا

بعد مؤلفه الأول، الصادر عن دار القلم، فبراير 2020، والمعنون بـ”المنظور الحضاري في السياسية الخارجية المغربية، مقاربة تحليلية مقارنة في الإدراك المغربي والتركي للأمن القومي”؛ يصف الدكتور عادل بن إيدامو، الباحث بمؤسسة خالد الحسن للدراسات والأبحاث، سيرة مؤلفه الجديد الصادر عن دار القلم فبراير 2022 بأن “كل كتابة تعاند لغة كاتبها وتولع بكتابة مستنسخة ليست كتابة حقيقية”، باعتباره سردية شخصية في التصور للذات الحضارية المغربية، وذلك حين يتعرض لسؤال البنية في الهوية المغربية، وأحد أبعادها الماثلة في العلاقات المغربية بالفضاء الإفريقي الذي يشكل امتدادا حضاريا للمغرب، مستندا في ذلك إلى ما راكمه من تجارب علمية بمؤسسة خالد الحسن للدراسات والأبحاث، تمتد للاستعانة بما أثله الأساتذة الأجلاء حامد ربيع وعصمت سيف الدولة وعبد الوهاب المسيري وخالد سعيد الحسن رحمات الله عليهم جميعا.

استند الكاتب في مؤلفه، الذي يرصد مظاهر التواصل الحضاري المغربي الإفريقي، والغرب إفريقي على وجه الخصوص، إلى المحددات البشرية البلدانية التاريخية كمفهوم صاغه وأصل له أستاذه الدكتور سعيد خالد الحسن -مدير مؤسسة خالد الحسن للدراسات والأبحاث وأستاذ النظرية السياسية بكرسي الحضارة الإسلامية والمشترك الإنساني بجامعة محمد الخامس- باعتبار هذا المفهوم مجالا لدراسة تطور الأنساق الاجتماعية للجماعات البشرية؛ والسنن التي تحكم عمران حياتهم المشتركة إلى الطور المجتمعي ونمط عمران حياته الحضري؛ ودراسة ما يسم هذا التطور من خصائص محددة لمعالم الأنساق الاجتماعية للجماعات البشرية، ولهويتها الثقافية، ولسنن حركتهما -عبر الزمان-من الماضي إلى المستقبل.

وهذا ما يجعل تفعيل المفهوم في دراسة العلاقات المغربية الإفريقية كفيلا بتجاوز الإشكاليات الكبرى المرتبطة بالمعرفة بالقارة الإفريقية، التي تتجسد في غياب الرؤية التحليلية الكلية الملائمة لفهم الواقع السياســــي والاجتماعي الإفريقي الراهن. من ثم، ووفقا للمفهوم ذاته، يصير التدبر السياسي لعلاقات المغرب الإفريقية منسوبا إلى صفته المجتمعية والحضارية، بما يتطلب بداهة الدفاع عن الوجود المادي لمقومات الإمكانات العربية المتاحة، وبما يضمن تأمينا لإقليم الوطن العربي من كل تبعية تستوجب رعاية منظومة القيم الحضارية العربية-الإسلامية وتزكيتهما، حماية وارتقاء بالوجود المعنوي العربي. هذا فضلا عن أن الكتابة في الموضوع تشكل إسهاما في مجال السياسة الخارجية المغربية عموما والسياسة الخارجية المغربية الإفريقية خصوصا، وهو مجال يتسم بضآلة الخطاب العلمي والمعرفي حوله.

وعالج الدكتور عادل بن إيدامو، الباحث بمؤسسة خالد الحسن للدراسات والأبحاث، في كتابه، إشكالية مدى القدرة التحليليــة والتفسيرية للمفهوم قيد الدراسة للخبرة والوظيفة الحضارية للمغرب في إطار جغرافيته البشرية التاريخية (ماضيا)؛ التي أهلته لدور ريادي عربي، إفريقي (حاضرا)، دور يمكن توظيفه في إعادة تثمين وتمتين مسار العلاقات المغربية الإفريقية على أساس التشاركية والتبادلية (مستقبلا).

وبناء على إشكالية الدراسة وتساؤلاتها تبنى الدكتور عادل بن إيدامو فرضية أساسية تتمثل في أن نجاح السياسة الخارجية المغربية لا يتم إلا حينما تجعل هذه السياسة من الحصيلة الإيجابية لماضي الانتماء المجتمعي والحضاري، بمعطياته الجغرافية والبشرية والتاريخية، محددا لعلاقة المغرب بامتداداته المجتمعية والحضارية، وبخاصة لعلاقته بعمقه الإفريقي.

وعلى هذا الأساس، تمت معالجة موضوع الدراسة من خلال فصلين أساسيين، مع مقدمة وفصل تمهيدي وخاتمة. وقد تم في الفصل التمهيدي التأصيل لمفهوم الجغرافية البشرية التاريخية، حيث تبرز أهمية الرسالة الفكرية والمهمة الحضارية لهذا المفهوم؛ إذ هو كغيره من المفاهيم يشكل أداة لفهم وتفسير طبيعة العلاقات، إن في إطاره النظري المنهجي أو في حمولته الفكرية، أو في التطبيقات التي تمثل واقع علاقات المغرب بالمجال الإفريقي. وقد اتضح للباحث ثراء ما يتضمنه مفهوم الجغرافيا البشرية التاريخية من إمكانات تحليلية وتفسيرية، منهجية واستشرافية، تستوجب مراعاة العناصر التي شكلت العمق التاريخي والحضاري للمغرب، بما يؤهله ويمكنه من استيعاب وتجاوز التحديات الراهنة التي تفرضها علاقات القوة والمصلحة بينه وبين مختلف الفاعلين في المجال الإفريقي، إن على الصعيد الإقليمي أو الدولي.

أما الفصل الأول من الكتاب فعالج موضوع الهوية المغربية، حضورها المجتمعي وأبعادها الحضارية، وذلك من خلال عنوانين أساسين؛ أولهما: الإطار المجتمعي للهوية المغربية، وثانيهما: الإطار الحضاري للهوية المغربية. وتتحدد أهم خلاصات هذا الفصل في أن دراسة الإطار المجتمعي والحضاري للهوية المغربية تندرج ضمن دراسة مفهوم الانتماء المغربي، إذ إن انتماء المغرب المجتمعي هو انتماء إلى المجال القائم على علاقات بشرية عربية توطنت تاريخيا في الأرض العربية، وفي بيئة مادية شكل تاريخ هذا الانتماء فيها إمكانيات الظروف العربية، فأصبحت بذلك مدركات الانتماء المغربي الجماعي هي نفسها المدركات الجماعية العربية مرجعية وقيما، والمعنية بإيجاد التطابق والتوافق بين الكتلة الاجتماعية العربية ديمغرافيا ورقعتها الجغرافية التي تمارس عليها نشاطها الاجتماعي والحضاري، وتعبر من خلالها عن نفسها عبر نمطها الثقافي الخاص بها، وتقيم على هديها المستقبل المجتمعي من محصلة إمكانيات الظروف المجتمعية الغنية المتجذرة في الماضي العربي.

وعليه، فأمة المغرب المجتمعية هي الأمة العربية، وشعب المغرب هو الشعب العربي، ووطن المغرب هو الوطن العربي، وماضي المغرب هو ماضي الأمة العربية، ومستقبله هو مستقبل كل الشعب العربي على الأرض العربية؛ كما أن المغرب لا يمكنه أن يقيم مستقبله إلا حينما يجعل من حصيلة ماضي الأمة العربية ومعطياته البشرية والمادية والحضارية مستقبلا لكل الشعب العربي على الأرض العربية. من ثم فالمصير المشترك لأمة المغرب المجتمعية يعني أن مصير الكل والأجزاء هو مصير واحد، وهو مصير يتطلب وضع إمكانيات ظروف الأمة ككل لحل المشكلات التي تطرحها هذه الظروف، سواء أكانت مشكلات فردية أم جزئية أم شاملة.

وبناء على ذلك فإن هناك قناعة راسخة لدى الكاتب، مفادها أن نجاح السياسة الخارجية المغربية في علاقتها بمختلف الفضاءات، بما في ذلك تلك التي تشكل امتدادا حضاريا للذات المغربية، لا يمكن أن يتحقق إلا في ظل تكريس وتفعيل ارتباط مستقبل المغرب ببعده العربي من حيث وحدة التحرر والتنمية العربية، كسبيل لا غنى عنه للبلد لتحقيق حريته وتجاوز تبعيته وتحقيق ازدهاره في كافة المجالات -حتمية المصير المشترك- وكذلك في التفعيل الدائم لهوية المغرب التي تدور حول الإسلام كمكون حضاري وروحي، وعروبته كمكون ثقافي ومجتمعي -وحدة المدركات الجماعية- بالإضافة إلى ضرورة تفعيل سياسة تقوم على المشاركة الأهلية في تكامل مع آليات العمل الرسمي.

غير أن أداء هذه الاستحقاقات على مستوى المغرب أو أي قطر عربي آخر هو بطبيعة الحال تحصيل حاصل لمجمل السياسات والمواقف العربية رسميا وأهليا. ولا يمكن أن يتم هذا الأداء إلا بتفعيل متطلباته على المستوى العربي العام، وحدة رؤية، ووحدة موقف، ووحدة سياسة.

في حين عني الفصل الثاني بمعالجة موضوع الذات المغربية بين الخبرة التاريخية والوظيفة الحضارية في إفريقيا، تحت عنوانين، وهما: الخبرة الحضارية للمغرب في جواره الإفريقي؛ ثم الوظيفة الحضارية للمغرب في إفريقيا. وتتحدد أهم خلاصات هذا الفصل في أن دراسة الوظيفة الحضارية للمغرب في عمقه الإفريقي -وفقا لمفهوم الجغرافيا البشرية التاريخية- تندرج ضمن دراسة مكتسبات ومقتضيات الانتماء إلى المجال الحضاري، الذي يشكل أهم مراكز التخوم الجنوبية لأمة المغرب المجتمعية. وهي المكتسبات التي تشكل أساس علاقة المغرب بالمجال الإفريقي، حيث تعد علاقة انتماء حضاري، وبالتالي ترجمة لتوافر الروابط التاريخية والثقافية، التي تنتظم في إطارها مقومات التواصل الدينية والروحية، الفكرية واللغوية، والتي تستدعي استمرارا في الحاضر، في إطار تعزيز المكانة الحضارية للمغرب بإفريقيا.

ومن مقتضيات تعزيز المكانة الحضارية للمغرب في عمقه الإفريقي تفعيل عناصر الوظيفة الحضارية للبلد، والمتمثلة في الجوانب السياسية والاقتصادية، وفق منهجية دبلوماسية شمولية، تستوعب القيود الإقليمية والدولية المفروضة، كما تدرك حجم الإمكانات والفرص المتاحة، وتعمد إلى تكييف الوسائل مع الأهداف، في سياق تحقيق المغرب مصالحه الإستراتيجية في عموم القارة الإفريقية.

أما خاتمة الكتاب فشكلت تكثيفا لمضمونه وعرضا لتوصيات تفعيل مخرجاته، في حين تحددت أهم خلاصاته في أنه وفقا لمفهوم الجغرافيا البشرية التاريخية فإن تفعيل الرؤى التي ترتبط ارتباطا واضحا بخلفية الانتماء المجتمعي للذات الحضارية المغربية يشكل عنصر قوة لسياسة المغرب الإفريقية، ودليل صحة المنهج المغربي في الممارسة الدبلوماسية؛ وذلك علاوة على أن التحدي الحقيقي ليس في تحقيق التكامل داخل القارة الإفريقية بين “عرب الشمال وأفارقة الجنوب”، ولكن بين الوطن العربي وإفريقيا.

وهو ما يعد كفيلا بتحقيق وحدة التحرر والتنمية العربية والإفريقية، وتأكيد تداخل الانتماء (العربي)، بالانتماء القاري (الإفريقي)، في تكوين هوية المغرب متعددة الروافد.

وهو كذلك، ما يجعل أداء هذه الاستحقاقات على مستوى المغرب أو أي قطر عربي آخر محصلة لمجمل السياسات والمواقف العربية أهليا ورسميا. ولا يمكن أن يتم تفعيل هذا الأداء إلا بتفعيل متطلباته على المستوى العربي العام؛ وحدة رؤية، ووحدة موقف، ووحدة سياسة.

وإلى أن يتحقق هذا الاندماج المأمول فإن السياسات الخارجية العربية ستجد نفسها معنية بإقامة تحالفات، وإرساء سياسات، تتدارك متطلبات هذا الاندماج المهدور، إلى أن يصبح اندماجا واقعا مثمرا.

وعلى المنوال ذاته، المتعلق بأهمية تفعيل الرؤى التي ترتبط بخلفية الانتماء المجتمعي-العربي للذات الحضارية المغربية، يشارك الكاتب قراءه تجربة بحثية قيد الإنجاز، تتعلق بأهمية الكشف عن النظام القيمي الهادي والنظام الواقعي الحركي، في سياق الجواب عمن نحن؟ وما العمل؟ في مناولة التفاعلات الدولية، وذلك كجواب كاشف عن خصوصية وكونية المنظومة القيمية والواقعية العربية وتمثلاتها لامتحان الإنسانية في رؤاها ومناهج تفكيرها من أجل كونية أخلاقية في خدمة المشترك الإنساني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى