هل استعان المحامي زيان بجهات إسبانية لـ”تهريب” وهيبة خرشش؟

لعلّ كثيرين ممّن تابعوا وقائع وحيثيات محاكمة محمد زيان تساءلوا، ربما بدرجات متفاوتة من الدهشة والاستغراب، عن طبيعة الأفعال الإجرامية المنسوبة إلى النقيب السابق حتى تتابعه النيابة العامة بالرباط بتهمة “تهريب مجرم من البحث ومساعدته على الهروب، والمشاركة في مغادرة شخص للتراب المغربي بصفة سرية”.

لكن ملامح الدهشة وأعراض الاستغراب سرعان ما يتبدّد غبشها، وينقشع الجانب الرمادي منها، إذا تسنى للقارئ الاطلاع على المعطيات والوقائع التي تضمّنتها محاضر الضابطة القضائية التي أحيل بموجبها النقيب السابق على وكيل الملك بالرباط، في محاكمة انتهت أطوارها بإدانته ابتدائيا بالحبس النافذ ثلاث سنوات، مشفوعة بإدانات نقدية تتمثل في الغرامة 5000 درهم وتعويض للمطالبة بالحق المدني نجلاء الفيصلي قدره 100 ألف درهم، مع درهم رمزي لفائدة الدولة.

زيان والشرطية المعزولة في قفص الاتهام

منذ الوهلة الأولى، يدرك المتصفح للمحاضر التي يتكون منها ملف متابعة النقيب السابق محمد زيان أن “المجرم الفار” الذي كانت تقصده النيابة العامة في قرار المتابعة، هو الشرطية السابقة وهيبة خرشش. فالفرقة الوطنية للشرطة القضائية والنيابة العامة بالرباط نسبتا معا للنقيب السابق تهمة تهريب وهيبة خرشش بطريقة غير مشروعة من التراب الوطني، في وقت كانت فيه هذه الأخيرة تشكل موضوع إجراءات قضائية بتهمة التزوير واستعماله، حسب ما ورد في إحدى فقرات تقرير الضابطة القضائية.

لكن النقيب السابق محمد زيان ظلّ ينكر بشكل ممنهج وقطعي هذه التهمة في جميع تصريحاته الإعلامية، مشدّدا في مناسبات عدة على أن وهيبة خرشش غادرت المغرب انطلاقا من مطار محمد الخامس الدولي بالدار البيضاء بطريقة شرعية وباستعمال سندات هوية وسفر أمريكية! وهذه التصريحات هي ذاتها التي تشبّث بها محمد زيان أمام محقّقي الفرقة الوطنية للشرطة القضائية عندما استجوبوه عن كيفية تهريب الشرطية السابقة خارج التراب الوطني.

لكن الثابت من محاضر القضية أن ضباط الفرقة الوطنية للشرطة القضائية لم يقتصروا فقط على طرح سؤال عرضي ومباشر على محمد زيان لتحديد كيفية وملابسات “تهريب” وهيبة خرشش، وإنما وجّهوا العشرات من الانتدابات إلى متعهدي شبكة الاتصالات للكشف عن المكالمات الهاتفية المنجزة بين الطرفين، وتحديد التموقع الجغرافي للمتهمين، كما أجروا العديد من الخبرات التقنية والرقمية على الهواتف المستعملة، فضلا عن تحصيل إفادات العشرات من الشهود ممّن تقاطعوا مع عملية “هروب” وهيبة خرشش في اتجاه مدينة مليلية، كمرحلة أولى، ثم الاستقرار بعد ذلك مؤقتا بإسبانيا، وبعدها التوجه نحو ملاذها الأخير بسان فرانسيسكو بالولايات المتحدة الأمريكية.

أدلة تدحض إشاعة السفر من المطار

تشير محاضر القضية التي اطّلعت عليها LE7.ma إلى أن أبحاث وتحريات الضابطة القضائية واستنطاقات النيابة العامة استبعدت منذ البداية تصريحات محمد زيان التي ادعى فيها بأن وهيبة خرشش غادرت المغرب انطلاقا من مطار محمد الخامس الدولي! والدليل على ذلك، حسب خلاصات المحققين، هو أن وهيبة خرشش كانت وقتها تشكّل موضوع إجراءات قضائية تمنعها من السفر خارج المغرب، فضلا على أن وظيفتها كشرطية تفرض عليها الحصول على ترخيص مسبق من إدارتها لمغادرة التراب الوطني.

وفي سياق متصل، أكد تقرير الفرقة الوطنية للشرطة القضائية المحال على هيئة المحكمة أن عملية تنقيط وهيبة خرشش بقاعدة بيانات شرطة الحدود تؤكد أنها لم تغادر المغرب نهائيا من منفذ حدودي رسمي وبطريقة مشروعة! وما دام أنها ظهرت بعد ذلك في أشرطة عدة على “يوتيوب” تتحدث من خارج المغرب، فهذا دليل على أنها غادرت التراب الوطني بطريقة غير شرعية في إطار نشاط إجرامي، يضيف ضباط الفرقة الوطنية للشرطة القضائية في نتيجة أبحاثهم وتحرياتهم الميدانية والتقنية المحالة على أنظار العدالة.

وكانت هذه القناعة المعزّزة بأدلة وإثباتات علمية هي التي دفعت الفرقة الوطنية للشرطة القضائية إلى تعميق البحث والتحري حول الدور المفترض للنقيب محمد زيان في تهريب وهيبة خرشش انطلاقا من الشريط الحدودي مع مليلية. وقد اعتمد المحققون في ذلك على معطيات متطابقة عدة، من بينها، على سبيل المثال لا الحصر، أن محمد زيان كان آخر من اتصل بوهيبة خرشش أربع مرات قبل إقفال هاتفها وانقطاعه نهائيا عن التلقي أو الاتصال بالمغرب، وأنه ظلّ يواظب طيلة اختفاء المعنية بالأمر على الدخول إلى مدينة مليلية بشكل متواتر، وظهر معها في حانة ليلية بشهادة شركائه وأصدقائه الإسبان والمغاربة، علاوة على إفادات سائقه الخاص الذي اعترف بأنه هو من تكلف بنقل الشرطية الهاربة آخر مرة من مسكنها بسيدي بوزيد بضواحي الجديدة إلى مكتب النقيب السابق بالرباط في ساعة متأخرة من الليل، حيث تركها هناك ومن ثم انقطعت أخبارها نهائيا.

سيناريو الهروب بإخراج هوليودي

تجزم تحريات الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بأن “تهريب” الشرطية المعزولة كان انطلاقا من الحدود بين مركز بني انصار ومدينة مليلية، في أعقاب آخر اتصال هاتفي بين وهيبة خرشش ومحمد زيان في 30 دجنبر من سنة 2019، وبأن هذه “العملية الإجرامية” يشتبه أن يكون قد تورط فيها محمد زيان وساعده في ذلك مواطنون مغاربة وأجانب وجمعية إسبانية تعنى بالفتيات ضحايا الاعتداءات، خاصة وأن الشرطية المعزولة كانت مرافقة خلال عملية “الهروب” بابنتها البالغة وقتها أقل من ست سنوات.

ومن بين القرائن والأدلة التي قدمتها النيابة العامة لتأكيد هذه التهمة أن محمد زيان لم يختر منطقة بني انصار ومدينة مليلية بشكل اعتباطي، وإنما بشكل مدروس بعناية على اعتبار أنه كان يتوفر على شبكة مخالطات مهمة هناك ويعتبر مساهما في رأسمال شركات عدة إلى جانب شركاء إسبان ومغاربة، من بينها شركة للتصدير والاستيراد في المواد الغذائية يوجد مقرها الاجتماعي بشارع محمد الخامس ببني انصار، وشركة أخرى بمدينة الناظور متخصّصة في الأجهزة المتعلقة بالتكنولوجيات الحديثة وتجهيز المناطق السياحية والتصدير والاستيراد.

وتشير محاضر القضية إلى أنه بعد عشرين دقيقة فقط من إقفال وهيبة خرشش هاتفها النقال وانقطاع الاتصال معها بشكل نهائي، أجرى محمد زيان تسع مكالمات هاتفية مع رقم إسباني في أقل من ساعة تقريبا! والمفاجأة أن الرقم الإسباني كان مسجّلا في اسم منظمة إسبانية توجد بمدينة مليلية وتعنى بمساعدة “الأطفال والمراهقين في وضعية خطر”. وهذا ما جعل المحققين يتحدثون عن “مؤشرات تقارب وتقاطع” مع تصريحات سابقة لمحمد زيان ووهيبة خرشش زعما فيها أن ابنة هذه الأخيرة تعرّضت لمحاولة اختطاف بالمغرب، ليتسنى لهما تقديمها كضحية مزعومة في عملية الهروب.

ويردف المحققون في خلاصاتهم أن محمد زيان لم يستعمل معبر بني انصار في سفرياته منذ سنة 2017، لكنه فجأة سيقوم بثماني عمليات عبور عبر هذا المركز خلال شهري يناير وفبراير 2020، أي بالتزامن مع اختفاء وهيبة خرشش، وهو المعطي الذي ستعززه إفادة أحد شركاء النقيب السابق الذي أكد أنه تناول معهما العشاء معا في مطعم بمدينة مليلية، كما شاركهما جلسة في إحدى الحانات الليلية، وهي الإفادة التي ستقطع الشك باليقين وتعزّز قناعة المحققين بأن وهيبة خرشش تسلّلت إلى مليلية بطريقة غير مشروعة وكانت تستقبل هناك النقيب السابق محمد زيان.

وهذه القناعة الراسخة ستدعمها أيضا العديد من الإفادات والخبرات التقنية على الهواتف المحمولة، بحيث أكد السائق الخاص للنقيب السابق أنه تكلف بمهمة نقل مجموعة من الأغراض الشخصية الخاصة بوهيبة خرشش من مسقط رأسها في اتجاه مكتب النقيب بالرباط، قبل أن يتم إرسالها عبر الحافلة إلى مدينة الناظور. هذه الشهادة سيؤكدها سائق حافلة للنقل الحضري الذي تكلّف بإيصال تلك الأغراض الشخصية.

أكثر من ذلك، تشير إفادات الشهود إلى أن حقائب خاصة بوهيبة خرشش، تتضمّن حاجياتها وملابسها، كانت ترسلها شقيقتها من الجديدة إلى الرباط عبر الحافلة، وهناك يتولى سائق محمد زيان التكفل باستقبالها في انتظار خفرها بالطائرة نحو الناظور! وهذه “المهمة الجوية” كان يتكلف بها شخصيا محمد زيان، وفي مرة أخرى اضطلع بها شريكه إسباني الجنسية.

الهاتف الإسباني المشبوه

تشير محاضر الضابطة القضائية إلى أن الأبحاث التقنية والتحريات الميدانية المنجزة قادت المحققين إلى إثبات واقعة “تهجير” وهيبة خرشش ومساعدتها على الفرار بطريقة سرية في اتجاه مليلية، وذلك بالرغم من الإنكار الممنهج لمحمد زيان ومحاولاته طمس هذه الحقيقة، بادعاء أن المعنية بالأمر هاجرت بشكل مشروع من مطار محمد الخامس الدولي بالدار البيضاء.

لكن هذا الإثبات سوف يحيل المحققين على سؤال آخر أكثر إلحاحا، هو: كيف تم تهريب وهيبة خرشش رفقة ابنتها؟ التي ثبت أنه تم استغلال وضعيتها كقاصر، بالتنسيق مع المنظمة الإسبانية الموجودة بمليلية التي تهتم بالفتيات في وضعية صعبة أو ضحايا الاستغلال!

وفي تطورات هذا البحث، سوف يتوصل محقّقو الفرقة الوطنية للشرطة القضائية إلى رقم هاتفي إسباني، اتصلت به شقيقة وهيبة خرشش خمس مرات بتاريخ 6 مارس 2020، أي بعد أكثر من شهرين من تاريخ اختفائها وانقطاع الاتصال بها! والمثير أن هذا الرقم كان يتصل بدوره برقم مغربي آخر مسجل في اسم مواطن مغربي مقيم بالناظور.

وقد شكل هذا الرقم الأخير مسلكا جديدا في البحث، حيث تم تشخيص هوية صاحب هذا الرقم الذي كان يتواصل مع صاحب الرقم الإسباني، وتم الاستماع إليه في إفادة ساعدت المحققين في التقدم قليلا في البحث، لكن هذا التقدم اصطدم بمثبطات واقعية وأخرى قانونية. فقد أكد المصرح أنه يجهل وهيبة خرشش وشقيقتها، لكنه أقر في المقابل بأن الرقم الإسباني الذي كان يتصل به مملوك لابنه الذي يعمل عنصرا في الحرس المدني مكلفا بمراقبة مركز الحدود بمدينة مليلية! وأضاف أن ابنه الذي كانت تتصل به هاتفيا شقيقة وهيبة خرشش يشغل مهمة الحراسة بالمعبر الحدودي منذ أكثر من خمس سنوات!

هذه الإفادة بقدر ما كانت مهمة للمحققين لأنها رجحت بشكل كبير فرضية استغلال النقيب السابق ووهيبة خرشش مهنة وصفة عنصر الحرس المدني في عملية المساعدة على الهرب، خصوصا وأن هاتفه المحمول شكل الوسيلة الوحيدة للتراسل بين وهيبة خرشش وشقيقتها، إلا أنها طرحت في المقابل مثبطات واقعية أمام البحث بالنظر إلى ظهور تقاطعات عابرة للحدود الوطنية لهذه القضية.

وفي خلاصات هذا البحث، أكدت محاضر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية أن الخبرات المنجزة على الهواتف المحمولة وتموقعات الأشخاص خلصت إلى أن وهيبة خرشش وابنتها غادرتا منزلهما في اتجاه مكتب النقيب السابق محمد زيان بالرباط، وقد تكلّف بمهمة النقل الليلي سائقه الخاص، وبعد ذلك سيتم ترحيلها نحو الناظور بدون أمتعتها الخاصة، التي سيتم خفرها لاحقا، على مراحل متتالية، على متن حافلات للنقل الطرقي وبواسطة رحلات جوية شارك فيها النقيب محمد زيان شخصيا وكذا شريكه الإسباني.

وعند بلوغ ساعة الصفر، أطفأت وهيبة خرشش هاتفها النقال ليشرع محمد زيان في التنسيق مع منظمة إسبانية لضمان وضعية قانونية لابنة وهيبة خرشش بدعوى أنها ضحية مفترضة للاعتداء! وذلك قبل أن يدخل على الخط رقم هاتفي إسباني سوف تثبت الأبحاث والتحريات أنه وسيلة الاتصال الوحيدة بوهيبة خرشش مع شقيقتها، وتبين أنه مملوك لعنصر في الحرس المدني مكلف بمراقبة التنقلات عبر مركز باب مليلية.
ورغم كل هذه القرائن والإفادات والأدلة، فقد ظل النقيب السابق محمد زيان يدعي أن وهيبة خرشش غادرت مطار محمد الخامس الدولي بالدار البيضاء في اتجاه أمريكا، بيد أن شريكيه المغربي والإسباني أكدا أنهما تناولا

معه و”صديقته” وهيبة خرشش وجبة دسمة بأحد مطاعم مليلية في بداية شهر مارس 2020، وقبلها بوقت قصير كانوا قد “نشطوا” جميعا في حانة ليلية بالثغر المحتل نفسه، ربما “ابتهاجا بنخب تهريب سيدة كانت موضوع مسطرة قضائية من أجل التزوير واستعماله”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى