الكاتب البرازيلي كويلو .. لماذا تحول “الخيميائي” إلى ظاهرة أدبية؟

يعد باولو كويلو بلا منازع أشهر مؤلف برازيلي في الخارج، ترجم إلى 81 لغة ونشرت أعماله في 170 دولة. يعرف باولو كويلو فضيلة واحدة: أنه منجم ذهب للتحرير. يكتب بيده وبقلم حبر وبعفوية كبيرة وبشكل عاطفي..

ومن المحتمل أن يكون هذا أعظم انتصار له، لأنه ببساطة يكون قد كسر العديد من التوقعات لدى القراء في شتى أنحاء العالم عن علاقتهم بالكتابة المنتجة في البرازيل.

كتب روايات غير إقليمية في عالم أصبح صغيرا بشكل متزايد. بيعت كتبه لتصل إلى أكثر من 210 ملايين نسخة وليتحول إلى ظاهرة أدبية تستحق الدرس والوقوف عنها بسؤال كبير: لماذا تحول باولو كويلو إلى ظاهرة أدبية وثقافية؟

طعم البداية والانتشار

لا يمكن للمرء أن يتنبأ بالنجاح الدولي الذي ستكون عليه حياة البرازيلي باولو كويلو من خلال انتشاره الشعبي، ومن خلال تعاظم أعماله وانتشارها بشكل كبير بدءا بنشر كتابه الأول “أرشيف الجحيم” (1982) و”مذكرات ساحر” (1987) استنادًا إلى رحلة الحج التي قام بها على طول الطريق إلى سانتياغو دي كومبوستيلا بإسبانيا لتتوالى باقي الأعمال.

مع ظاهرة بيع رواية “الخيميائي” (1990) بأرقام قياسية، بدأ باولو كويلو حجّه المادي لدخول بوابة أسواق الكتب التجارية في العالم، في عالم غربي متعطش للأدلة الروحية والأخلاق الفورية وإتقان الكاتب للسياحة الدينية المتصوفة بين مختلف الأديان من الوثني في رواية “بريدا” (1990) والتوحيد الإسلامي في “مكتوب” ستجد كتبه صدى شعبيًا كبيرًا وستصبح كاريوكا المولودة لعائلة كاثوليكية نوعًا من التطور الروحي لهذا الكاتب.

وصفة الكاتب بسيطة وفعالة: بناء الأساس على قصص كانت بعيدة المدى دون إضاعة الوقت في التلاعب باللغة أو البحث عن العمق النفسي للشخصيات وإعطاء القارئ دروسًا قابلة للفك بسهولة لحياتها الشخصية بلغة يسهل الوصول إليها وفي متناول الجميع.

نلمس في رواياته هذه الاستراتيجيته المتبعة: كلمات تمتح من الأدب الصوفي، من التاريخ ومن الجغرافيا المتنقلة والشخصيات المغامرة والمحبة للسفر والتجوال، من هنا إلى هناك يبدأ العمل الروائي في قالب نصي خفيف مكتوب بشكل جيد، يعطي مظهرًا جديدًا لنوع الحكاية في الأدب التجاري الحديث.

مع احتفاظه بجرعات من الغموض، هناك أيضًا حجر عثرة أمام فهم أعمال باولو كويلو: لا هي كتب تنمية ذاتية تمامًا ولا هي بالأدب الكامل، تحوم كتبه في مأزق نقدي بين قوائم الكتب الأكثر مبيعًا في العالم.

في الأدب البرازيلي لا يمكن القفز على هذا الثلاثي: الكاتب باهيان كأشهر مؤلف برازيلي في العالم. ثم خورخي أمادو، المؤلف البرازيلي الأكثر ترجمة في العالم بين الأربعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وعلينا أن نتذكر أن خورخي أمادو نفسه تعرض لانتقادات لاذعة باعتباره كان يتمتع بشعبية كبيرة، أزعجت البعض بسبب احتكاره صورة البرازيل في الخارج. ليبدأ الحضور التجاري لباولو كويلو مع كتاباته التي يمكن أن تكون برازيلية وأمريكية أو أوروبية أو عربية أو تحمل هوية أي لغة ومكان في العالم…

تدريجيًا، تراجعت نسخ مطبوعات خورخي أمادو وتجاوزها باولو كويلو، الذي لم يُنظر إليه ولم يقرأ على أنه برازيلي ولم يساهم في نقل صورة البرازيل إلى العالم، وإنما أخذت كتاباته الطابع العالمي بأبعاد إنسانية موغلة في الأساطير والتاريخ والدين والسفر الطويل والتنقلات الخرافية…

وعظ الأفراد بنهاية التاريخ

ما الذي يفسر نجاح باولو كويلو في بلدان مختلفة، علمانية ومتدينة وغير متدينة وبتوجهات مختلفة بشدة؟ هل تم اعتماده ككاتب متصوف يلجأ إليه؟

تعبر روايات باولو كويلو عن الحنين المفقود وإعطاء الوجود للمعنى الفردي في بحث رومانسي عن الحقائق والمصائر الشخصية وغير القابلة للتحول. مع عدم وجود سياق تاريخي محدد، بين الطريق إلى سانتياغو ورمال الصحراء، تعد كتب باولو كويلو جزءًا من حركة أيديولوجية تحاول أن تعظ الأفراد بأن التاريخ قد انتهى، وأن نجاح أحلامهم لا يعتمد على الظروف الاجتماعية الطارئة، ولكن فقط على جهودهم المندمجة في المعتقدات الشخصية، وأن أنجح القطع التي يكافأ عليها الإنسان هي من صنع الإنسان في نهاية المطاف.

أول شيء يجب ملاحظته في هذا الأدب هو اللغة المستخدمة. كويلو بسيط للغاية في كتاباته، كما لو أنه يشرح بعض الحقائق اليومية لطفل صغير. وقد يبدو ذلك سخيفًا أو غريبًا في البداية، لكن في النظرة الثانية وحين نتعمق فيه بشكل جيد، يمكن للقارئ أن يرى أن هذا النوع من الكتابة ذا الطابع النظيف والبسيط، بدون ازدهار أو أشكال خيالية أو مفاهيم أو كلمات لا يصعب فهمها، ربما يكون أصعب أنواع الكتابة، مع ما تستدعيه هذه الكتابة من غموض وتشويق وقصص ملهمة يمتزج فيها الماضي بالحاضر.

ومع ذلك، ليس هذا هو الوجه الوحيد الذي يوجهه القراء لأدبه وفهم سياقاته، على اعتبار أن كتاباته معيبة من عدة نواحٍ وبشكل رئيسي من حيث التوافق الحقيقي مع الأماكن التي يتطرق إليها بنوع من الدقة، مثل الأوصاف غير الدقيقة للأماكن الجغرافية الحقيقية على سبيل المثال.

قبول النقد ليس بالضرورة نقطة قوة للمؤلف، فعادة ما يصده ويعتبر نفسه فوق القمة وفوق النقد، حتى مع بعض الغطرسة، كما لو كان فوق كل البشر ولم يعد عرضة لارتكاب بعض الأخطاء. وكذا بسبب مزاجه الصعب بتوصيفه بأنه مثير للجدل، وأنه لا يتعامل بلطف مع النقد السلبي وينتهي به الأمر إلى دحضه علنًا بطريقة حماسية. وهنا يأتي جانب الكاريزما التي تحضر عند الكاتب في أكثر من نقاش.

في كتابه الأكثر نجاحًا “الخيميائي” يسافر راعٍ أندلسي عبر أهرامات مصر بحثا عن كنز. وقبل أن يصل إلى مصيره، يلتقي بالساحر العظيم الذي يحمل أركان الحكمة الكيميائية، وهذا يعني أنه يعرف كيف يقطر إكسير العمر الطويل. في رحلته إلى مقابر الفراعنة، يكشف الخيميائي عن الكثير من الأسرار الأخرى: كل رجل يجعل من الأرض التي يخطو فيها كنزه الخاص.

يكمن نجاح الكاتب في قدرته التحريرية الاستثنائية البالغة البساطة وبسرد موضوعي وتقنياته السردية بمهارة وبأقل أعباء، أو ما يسمى باقتصاد الكتابة، للوصول إلى الغاية التي يبتغيها بدون تكلف.

نستكشف في كتب كويلو مهارة العالم البشري: افتتاننا بقوى العرافة والمعرفة الخارقة للطبيعة والضوء المسلط على الجاذبية التي لا تُقاوم، وبالتالي فن الخداع السهل الذي يعاني منه البشر في مواجهة التصدي لجميع أنواع المصائر المحتملة. إنه تقليد قديم جدًا يعيد باولو كويلو منحه روحا جديدة، كمنجم ذهب لا ينقطع ومفيد في الكتابة لاستكشاف هذا الضعف في علم النفس لدى الإنسان. ينسخ ملخص توماس هوبز في فن الخداع الغامض بشكل دقيق وشامل ويكون كويلو ملخصا لتقنيات الإغواء الباطنية التي يستخدمها في كتبه كوصفة سحرية.

لذا تأتي كتابات باولو كويلو مقاسة بشكل دقيق على إيقاع شخصياته، ومتكيفة مع طابع الغموض والخداع والاحتمالات المتأرجحة بين أبعاد أسطورية وتاريخية وواقعية ونفسية لما يتناوله بسلاسة ويمنحه بأسلوب مشوق لجميع القراء باختلاف تشكيلاتهم في كل بقاع العالم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى