النصوص الإبداعية للراحل “با إدريس” .. عفوية لافحة و”تمغربيت” طافحة

لم أعرف “با ادريس” ولم ألتق به سوى في مرات عابرة وقليلة جدا، ولكن أعرف كتابات إدريس الخوري. لم أجالس “با ادريس” ولا مرة، في المقابل عاشرتُ نصوص إدريس الخوري كثيرا وطيلة سنين. لم أحظ بمتعة الضحك على “قفشات” “با ادريس” ولا نالت مني سهام سخريته ونيران مزاجه المتقلب، ولكن لم أنجُ من المرارة التي تنضح بها الكثير من شخوص إدريس الخوري، ولم يُخطئني الألم المتدفق من نصوصه كشلال.

باختصار، لم أصادق “با ادريس” ولم أزعم ذلك قط. في المقابل، لي صداقة طويلة مع نصوص “إدريس الخوري”، ولست مدعيا في هذا. علاقة فيها كثير من المد ولم تخل من فترات جزر، مثل كل الصداقات الصادقة الصافية. قد أبتعد عن نصوصه لبضعة شهور (بل بعضها لسنوات قد تطول)، ولكن حين أعود إلى لقائها فكأنني ألتقي صديقا قديما فارقته أمس. سريعا ما تطفو ذكرى ذلك الارتباك والدهشة اللذين غمراني أول ما صادفت كتاباته، وبالضبط مجموعة “حزن في الرأس والقلب” بنصوصها الدافئة، النيئة.. نصوص تفوح منها عفوية و”سذاجة” البدايات الجميلة. كان ذلك في مستهل عقد التسعينيات، وقد ضاعت مني مع ما ضاع من كتب ولحظات مازال أثرها في الروح.

نعم، داهمني الارتباك أمام نصوص تبدو للوهلة الأولى “مبتذلة” في لغتها، متقشفة في تركيبتها اللغوية، بسيطة في هندستها السردية عموما، بعيدة كل البعد عن تلك المعايير “المدرسية” التي لامسنا مبادئها في قراءاتنا الأولى المُوَجَّهَة، ودرسنَاها في الجامعة.

ولكنها كانت نصوصا مليئة بالحياة وتشع إحساسا (دفء، برد، ألم، يأس…إلخ)، لها طعمها الخاص في لسان النفس، وتترك شيئا ما في الصدر لا أعرفه، ولكنه شيء كان يعرف كيف ينغرس فيَّ ويتغلل في ثنايا الروح..

نصوص مليئة باليأس والتيه والإحساس بالانسحاق والعطش العاطفي والجنسي والجوع.. نصوص تحاول سرقة ما تيسر من فرح.. مقاومة الرماد والتراب.. والفراغ .. نصوص تطفو منها على سطح الذاكرة هذه العناوين: “مدينة التراب”، “في دوامة الوقت”، “خديجة البيضاوية”، “عطش”، “حزن في الرأس وفي القلب”، “تحريك القلب واللسان”، “الكاتب الكبير”، وغيرها كثير.

باختصار مرة أخرى، كانت قصص الخوري مختلفة عن تلك الكتابات (المغربية بالخصوص) التي كانت تُعتمد في المقررات (أو لنقل كانت هي المعيار)، والتي كانت جملا متتالية، وفقرات مرصوصة بعضها جنب بعض، باردة، لا حياة فيها، تنزلق على صفحة الروح كما ينزلق الماء على زجاج هذه النافذة.

أربكتني نصوص الخوري، كذلك، بقدرتها على الالتقاط. كانت للرجل عين صقر، تلتقط الصور والتفاصيل الساخنة والدالة من بعيد جدا، ولها قدرة كبيرة على الوصف النابض بالحياة. فـ”العين هي التي تكتب، هي التي تتخيل، هي التي تتنبأ بظهور أشياء وحوادث ستكون لها دلالات ورموز” كما يقول هو بنفسه. وهو بفضل هذه العين “المِيخَالِيَّة”، من الكتاب المغاربة القلائل الذين يصدق عليهم ما قاله محمود درويش عن محمد الماغوط مرة: كان الخوري يعثر على كنوز السرد في طين الحياة.

وأربكتني نصوص الرجل-ومازالت تربكني كلما عدت إليها-بتلك “التمغربيت” التي ترشح منها، بل تفوح منها، بل تتضوع منها. فأنا الذي أوشكت على الغرق في أجواء سردية شرقية (مصرية بالخصوص، وشامية وعراقية) لغة وملمسا وطعما وشما حتى، وأخذت أنغمس شيئا فشيئا في الكتابات الغربية (فرنسية وإنجليزية فيما بعد)، اكتشفتُ مع إدريس الخوري (ومحمد شكري ومحمد زفزاف، ثم أحمد بوزفور) أجواء “تمغربيت” في هذا السرد المغربي الذي كان يتحدث عن الكائن المغربي ولكن بلغة وطعم وملمس غير مغربي، ويحكي عن الأجواء المغربية بأسلوب تغيب عنه النكهة المغربية. فرغم أن قراءات الرجل كانت شرقية (لبنانية ومصرية بالخصوص) إلا إنه لم يستسلم لـ”سِحرها” كما فعل آخرون، ولم يتركها تسجنه، بل عرف كيف يتحرر منها بفضل عينه الصقرية وحسه البدوي الصافي، وتجاربه الشخصية في الوسط الذي نشأ فيه وترعرع، وظل منحازا إليه طيلة حياته: المهمشون، والمنسيون، التائهون، المنسحقون، وكل الذين لا صوت لهم.

ألم يتساءل محمد زفزاف مرة: “ماذا يستطيع الإنسان أن يفعل بحياته إذا لم يجعلها نموذجا حيا وشهادة؟”. هذا ما فعله ادريس الخوري بالضبط: وظف تجاربه وصفحات حياته الشخصية لنسج نصوص قصصية تفيض دفئا وعفوية وصدقا، وكثيرا من “تمغربيت”.

وأربكني الخوري لأنني أحسست، منذ أول لقاء بنصوصه، أنه استطاع، بدون تصنع أو ادعاء، التقاط الدار البيضاء الخفية المتوارية خلف الشوارع الواسعة والبنايات الشاهقة، والواجهات الجذابة. وهو في تقديري الخاص، من الكتاب المغاربة القلائل جدا الذين استطاعوا “كتابة” الدار البيضاء، أو-دعني أقول-كتابة جانبٍ يشكل أحد أركان هوية الدار البيضاء: المدينة التي أشرعت ذراعيها للعمال والمهمشين والهاربين من فاقة البادية إلى فقر المدينة، من اللقمة المُرة إلى اللقمة “الحارة”، الهاربين من هامش الحياة إلى حياة الهامش.

كل هذا منح إدريس الخوري مكانة مميزة في الثقافة والسرد المغربيين لا يزاحمه فيها كثيرون. وأفلح على مدى ستة عقود في استنباط طريقة خاصة في الكتابة تقوم على صدق “الملتزم” (ليس بالمعنى الإيديولوجي المدرسي هنا)، وعفوية البدوي التي حافظ عليها، وصراخ المهمش والمنسي. فقد اختار، منذ أن أحس أن القصة القصيرة هي ماؤه، العفوية الصادرة مباشرة من الروح إلى الورق، دون المرور عبر “فِلتر” الصَّقْل البلاستيك و”الصنعة” المفتعلة، وبعيدا عن التطبيق الفج لنظريات سردية دون الإلمام بكنهها وروحها. ونحت لنفسه لغة خاصة ينتقي بل وينحت مفرداتها من معجم الحياة النابض ولا يكتفي بنسخها من القاموس الجامد. ويعتمد في تركيبها على عفويته البدوية الصافية وليس فقط على قواعد اللغة المحنطة. فجملة “ادريس الخوري” عربية ولكنها ليست محنطة. جملته تخرج إلى الشارع دون مكياج، وتتجول في “التوين” بشعرها “المشعكك”، ولا تعبر الطريق من ممر الراجلين، بل تفضل التسلل بين السيارات. وتتفرج على “الفيترينات” بعيون طفلة، وتأكل الخبز بـ”الكرواصة” كما يتناول آخرون “الباريزيان بالزبدة والكوفتير”…

لا أعرف ماذا سيبقى من “با ادريس” في ذاكرة من عرفوه، ولكن بالنسبة إليّ ما سيبقى معلقا في جدار الروح من “إدريس الخوري” هو ذلك الإحساس الخاص الذي تنحته فيَّ باستمرار نصوصه القصصية وحتى كتاباته الأخرى:

– بعفويتها التي تعكس صدقا بدويا تشبث به دائما.

– بحرفيتها التي تعكس ذكاء الرجل وعين الصقر التي يلتقط بها تفاصيل صغيرة من علو شاهق، وحسه الإبداعي الفطري الذي يحول المبتذل إلى المميز، والعادي الشاحب إلى الجذاب اللامع، دون تصنع أو تَعَالم مُنَفِّرٍ.

– بلكنتها الحادة التي تعكس قساوة العيش، وتحمل في طياتها ذلك الصراخ المكبوت في حناجر كل أولئك الذين فُرض عليهم الاكتفاء بصرف الأيام بدل عيش الحياة.

– بلغتها الخاصة التي تعكس تلك “التمغربيت” التي تسري في ثنايا كل واحد منا.

أتذكر هنا سطرين شعريين لشاعرة تاه اسمها عن بالي في هذه اللحظة:

كلما عَرَّيْتَنِي أغمضتَ عينيكَ

هل أنا مشعةٌ إلى هذا الحد؟

هكذا هي نصوص الخوري مشعة كَمَاسَة وسط التراب. كلما أنهيتُ واحدا منها أغمضتُ عيني لتسري فيَّ نكهته المغربية كما يسري النبيذ الجيد في البدن، ولتغمرني عفويتها الصافية، ولِأُحاول القبض على ذلك الشيء الآخر المنفلت الذي تتركه في الصدر والروح؛ ذلك الأثر الذي يشبه أثر فراشة محمود دوريش: فهو لا يزول وإن كان لا يُرَى.

إعلامي مغربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى