ماذا يستفيد اقتصاد المغرب من اعتماد وإصدار عملة وطنية رقمية؟

منذ حوالي خمس سنوات، أصدرت السلطات المغربية قرارا يقضي بمنع التعامل بالعملات الرقمية المشفرة، التي تشهد تطورا كبيرا على المستوى الدولي، حيث أكدت أن ذلك مخالف للقانون ويُعرض مرتكبيها لعدد من العقوبات والغرامات.

ونبهت السلطات، في بلاغ أصدرته سنة 2017، إلى أن التعامل بالنقود الافتراضية يشكل خطرا على المتعاملين بها لكونها نقودا افتراضية لا تتبناها الجهات الرسمية ويبقى أصحابها الأصليون مجهولي الهوية.

بعد مرور سنوات على هذا المنع، يبدو أن السلطات المغربية، وعلى رأسها بنك المغرب، بدأت تغير رأيها بخصوص هذه العملات التي بادرت عدد من الدول والشركات إلى اعتمادها في التعاملات؛ وهو جعلها تفرض نفسها بقوة على المستوى الدولي.

وخلال السنة الماضية، أحدث بنك المغرب لجنة خاصة لدراسة موضوع العملة الرقمية يتمثل دورها الأساس في تحديد وتحليل الإيجابيات والسلبيات المترتبة عن “العملة الرقمية للبنك المركزي” بالنسبة للاقتصاد الوطني.

وعهد للجنة النظر في التطور الحاصل على مستوى استعمال العملات المشفرة على المستويين الوطني والدولي، ودراسة الآثار المترتبة عن اعتماد العملة الرقمية للبنك المركزي على السياسة النقدية والاستقرار المالي في المغرب.

ويُقصد بالعملة الرقمية للبنك المركزي (Central Bank Digital Currency) الشكل الرقمي للنقود، أي الأوراق النقدية والعملات المعدنية المتداولة حاليا، ويتم التفكير في هذا الاتجاه على نطاق واسع عالميا كبديل للعملات المشفرة التي تحيط بها مخاطر عدة.

وتدرس عدد من البنوك المركزية عبر العالم السير في هذا الاتجاه لمجابهة ارتفاع استعمال النقد؛ لكن الدافع الرئيسي هو التخوف من فقدان السيطرة على أنظمة الدفع والنقد إذا ما استمر اعتماد العملات الرقمية مثل البتكوين على نطاق واسع.

حول هذا الموضوع، قال بدر بلاج، خبير عملات رقمية وبلوكتشين، إن “منع استعمال العملات المشفرة قرار غير مدروس، وكان بمثابة رد فعل اعتبر أن التداول بها خرق لقانون الصرف؛ في حين أن العملات المشفرة غير معرفة في القانون، فهناك من يعتبرها عملات أو تكنولوجيا أو أصول مالية، وهو ما يطرح تساؤلا حول مدى مخالفتها للقانون”.

وذكر الخبير المغربي، في حديث لLE7.ma، أن “لجوء المغرب إلى منع استعمال العملات الرقمية كان مخافة أن يتم استخدامها في أمور خطيرة مثل تمويل الإرهاب، على اعتبار أن هذه العملات لا توفر المعلومات حول المرسل والمرسل إليه”.

كما أشار بلاج إلى أن “هناك تخوفا من أن تصبح العملات الرقمية بديلا أو منافسا للخدمات البنكية لكونها تمتاز بالسهولة وسرعة الاستخدام والتكلفة المنخفضة، كما أنها لا تتطلب أي وثائق أو معلومات وهي متاحة للجميع”.

وحسب المتحدث، فإن المغرب بين تسع دول في العالم تمنع العملات الرقمية. أما باقي الدول فهي تسمح باستخدامها أو تغض الطرف عنها، كما هو الحال بالنسبة فرنسا التي لا تمنع العملات الرقمية وتسمح باستعمالها.

واعتبر بلاج أن دراسة بنك المغرب كيفية التعامل مع العملات الرقمية من خلال إمكانية إطلاق عملة رقمية وطنية هو نقاش دائر لدى جميع البنوك المركزية في العالم، حيث يتم بحث الفوائد التي يمكن أن تستفيد منها الاقتصادات العالمية.

وأشار الخبير المغربي إلى أن “اعتماد عملة رقمية وطنية صادرة عن البنك المركزي سيساهم في الحد من استخدام النقد خارج النظام المالي، وإتاحة تتبع ومعرفة مسار وكيفية صرف النقود؛ وهو ما سيساهم في محاربة التهرب الضريبي والغش، وتحقيق النجاعة في برامج الدعم العمومية”.

ووفق إفادات المصرح، فإن اعتماد العملة الرقمية الوطنية سيمكن المغرب من التوفر على رؤية واضحة حول ما يقع في الاقتصاد ووضع سياسات نقدية وتطبيقها على الواقع، وأعطى مثال الصين التي قامت بتجربة سياسة نقدية تقوم على ضخ نسبة من عملة اليوان الرقمية بصلاحية محدودة في الاقتصاد؛ وهو ما ضمن لها توجيهه لتحفيز الاقتصاد عوض الادخار.

وأصبحت البنوك المركزية العالمية مهتمة جدا بالعملات الرقمية؛ لأنها تتيح، عبر ما يسمى بالعقود الذكية، وضع سياسات مالية تعريفية في هذه العملة الرقمية للتحكم فيها عبر تخصيصها لغرض معين أو بزمن محدد من خلال شروط اتفاقية تتجسد في تعليمات برمجية.

وأورد الخبير المغربي أن العملة الرقمية الصادرة عن البنك المركزي ستمكن من تحقيق الشفافية والحماية المرتفعة والمتقدمة بخلاف أنظمة الأداء والتحويل العادية، حيث لن تكون البنوك المركزية والمؤسسات المالية بحاجة إلى الارتباط بمؤسسات خارجية والقيام بمبادلات خارجية بسرعة دون المرور عبر الشبكة البنكية الدولية (SWIFT).

وأوضح بلاج أن العملة الرقمية المشفرة والعملة الرقمية للبنك المركزي تعتمدان تقريبا الأسس التقنية نفسها، أي البلوكشين. وتتجلى الفروق بينها على مستوى إصدار العملة وكيفية إدارتها؛ فالعملات الرقمية هي عملات لا مركزية ولا توجد مؤسسات تتحكم في طريق إنتاجها وتنظيمها، وهي متاحة للجميع وتتم إدارتها عبر شبكات من المستخدمين. أما العملات الرقمية الوطنية فهي عملات يتحكم فيها البنك المركزي التي يصدرها ويقننها.

وهناك نوعان من العملات الرقمية للبنوك المركزية، الأولى تكون عبارة عن عملة رقمية مخصصة للاستخدام الداخلي بين بنك المغرب والبنوك التجارية، إضافة إلى نوع ثان يتجسد في عملة رقمية متاحة للمواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى