ليلى سليماني: الهوية تدفعني للكتابة .. والنقاش اللغوي يحتاج البراغماتية

أمام قاعة ممتلئة بكلية الآداب بالرباط، قالت الروائية ليلى السليماني إن من بين ما دفعها لكتابة ثلاثيتها التاريخية الجديدة هو الجواب عن سؤال “من أنت؟”؛ الذي يطرح عليها باستمرار “خاصة في الدول التي نُسميها غَربيّةً”.

في لقاء استقبلته كلية الآداب بجامعة محمد الخامس، نظمه المعهد الفرنسي بالمغرب، ذكرت الكاتبة المغربية الفرنسية أن العديد من المتابعين والصحافيين الأوروبيين، حتى من صحفٍ كبرى، لا يفهمون حكاياتٍ حول المغرب، ولا يعون أنه ليس ثابتا، بل “نحن في حركة، وتغيّرات، وتركيب”.

وفي حديث عن تصورات القراء لها بين الضفتين، تحدثت السليماني عن قلق وألم هوياتي يرافق كونها بين جيلين، قد توصف في المغرب بكونها مغرّبة ومفرنسة كثيرا، وقد توصف في فرنسا بكونها “عربيّةَ الخدمة”. (تعبير يعني خيانة الأصل المغاربي، وتركيب ثقافته، في سبيل رضى الرأي العام الفرنسي، وتصوراته حول هوية خالصة).

كما تحدثت السليماني عن العائلة بوصفها دافعا لكتابة ثلاثيتها، غير المكتملة بعد، في رغبة رافقتها منذ مدة لكنها، باتباع نصيحةٍ؛ “انتظرت المسافة، والنضج، وانتظرت مرور الوقت قبل معالجة مواضيع معينة”.

وتابعت قائلة إنها بعد دوّامة ما تلى حصولها على جائزة الغونكور، الرفيعة في مجال الأدب المكتوب باللغة الفرنسية، استعادت خلال الجولات الدولية لتقديم رواية “أغنية هادئة”، والانتظارات في المطارات، الذكريات والحكايات التي كان يرويها الأجداد، فسعت إلى سرد هذه الحقيقة.

ودون الانتصار لحقيقةٍ خالصة خَلِيَّةٍ من الكذب المتوارث أو الذاتي، تحدثت الروائية عن الكتابة الأدبية التي يكون فيها كل شيء حقيقيا، لكن لا شيء دقيق، كما نبهت على آثار المعيش اليومي، الواقعي، الذي لا يترك للشخص إلا قليلا من الوقت يمكن تخصيصه لمعرفة الآخرين، ومَن هم حقيقةً.

ونفت السليماني عن ثلاثيتها، المهتمة بالمغرب زمن الاحتلال الاستعماري الفرنسي، صفة الرواية التاريخية الكلاسيكية التي تهمها الأحداث أكثر من الشخصيات، فهي مهتمة أكثر بهذه الشخصيات، من عائلتها وغيرها، ممّن لم تتوفر لهم المسافة التي توفرت لها للملاحظة.

كتابةُ رواية تهتم بالتاريخ استدعى، أيضا، وفق المتحدثة التي كانت تتفاعل مع أسئلة الصحافي عبد الله الترابي، قراءة تاريخ المغرب “زمن الاحتلال والحماية” لتملّك معطيات لفهم الحِقبة. مرحلة في الإعداد، تليها حسب السليماني، مرحلة ضرورة نسيان ما قُرئ.

وتعليقا على سؤال موقع المرأة المهيمن على رواياتها، ربطت الكاتبة الأمر بهيمنة النساء على سردها، طفلة، وافتتانها بمعرفة السر القابع وراءهنّ، ومآل قصصهن التي تبرز في حكايات ثم تغيب دون إتمام الحديث عنها، في وقت فهمت فيه الرجل وعمرها لا يتجاوز تسع سنوات من خلال أفلام الغرب الجامح خاصة “الويسترن”.

وفي عودة لموضوع الهوية عبرت ليلى السليماني عما يختلجها من أسئلة حول ماهيتها، لتعلق بقول: قبل أن أكون مغربية، مسلمة، فرنسية… أحسست بأني امرأة. وزادت متسائلة عن معنى أن يكون للإنسان جسد امرأة، وانعكاسات هذا على مختلف مستويات الحياة، لتبرر بهذا الوعي اختيارات شخصيات رئيسية نسائية، مقابل اختيار كتاب آخرين شخصيات رئيسية رجالية، لتبدأ بعد ذلك في اشتغالها على الشخصيات من جسد كل واحدة: شكلا، وطولا، وشَعرا… أي انطلاقا مما نراه.

وواصلت الروائية مفسرة منهجها في نحت الشخصيات الروائية: نحن أولا جسد، نرى، نُجرَح، نستمتع. ومن هنا تطرقَت لأهمية الشَّعر ونوعه عند الكتابة، فحتى الشعرُ سياسي، يعبر عن هوية وجماليات يتبناها، قد تكون مضادة للجماليات الغربية مثلا، بحركات تصدح بأن “الأسود جميل”(Black is beautiful)، على سبيل المثال لا الحصر.

وأعادت ليلى السليماني اهتمامها بإسقاط النَّصين القانونيّين المجرّمين للعلاقات الرضائية خارج إطار الزواج في الفضاءات الخاصة، إلى فترة عملها صحافية بمجلة “جون أفريك”، واهتمامها بالمواضيع الاجتماعية في تونس والجزائر والمغرب، وما سمعته من الشباب حول مشكل الحميمية وعدم الحق فيها الذي يضاف إلى مشاكل مثل البطالة.

وبعد استماعٍ منظم لشهادات مغربيات ومغاربة وصفت السليماني هذا الموضوع “بالقارة المظلمة المنسية”، وتابعت: “جاءت حركة “خارجة عن القانون” لوضع الناس أمام هذا النفاق، وهذا العبث، بقول إننا كلنا خارجات وخارجون عن القانون، بسبب تجريم القانون العلاقات الرضائية خارج إطار الزواج.”

وحول النقاش اللُّغوي بالمغرب، ترى السليماني أنه “يجب ألا يبقى نقاشا إيديولوجيا”، بل ينبغي “أن نرى الأمر براغماتيا، فلنا حظ أننا مزدوجو اللغة، ونفهم اللغات (…) وما للمغرب غير الفوز في الاستمرار في الاستثمار في التعدد اللغوي.”

وانتقلت السليماني للحديث عن المشهد اللغوي بفرنسا، منتقدة تصور التأثير الحالي للإنجليزية بوصفه “غزوا” يستوجب “مقاومته”، واسترسلت متحدثة عن الإنجليزية وتصور الناس لها “لغة ديمقراطية، ليست مثل غطرسة الفرنسية، التي تُتَصَّور لغة ينبغي أن تكون نخبوية، مُتقنَة”، وبشّرت في هذا الإطار بالإمكانيات المذهلة “لفرنكفونيةٍ متعددة اللغات، تُغْنيها، وتدخل معها في حوار”.

وعن زياراتها لدول العالم العربي، سجلت السليماني أنها تلقت دعوات من لبنان ومصر وتونس، ثم تحدثت عن مقاطعتها للحديث في دول الخليج، ولو تلقت دعوات للتدخل في حلقات مغلقة؛ “لأني لا أريد أن أعدل خطابي حسب الجمهور، ولا أريد أن أسهم في تعبيرات منافقة”.

وعن الإيمان بالتقدم وتطور الأوضاع، وصفت السليماني التفاؤل بكونه “واجبا أخلاقيا وسياسيا”، وأبرزت ما في الكتابة من سعي لا لتقديم حقيقة واحدة، بل لتقديم ما عاشته الشخصيات: واقع واحد بوجهات نظر مختلفة؛ لدفع القارئ لتقبّل وجهات نظر الشخصيات، إنصافا لرؤى العالَم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى