القيم عند المجتمع المغربي .. خلل معزول أم تغير في المحتوى الثقافي؟

تكرر أخيرا عدد من المشاهد أبطالها مغاربة، تراوحت بين ملاحم تضامنية بطولية كتلك التي التقطتها عدسات الكاميرا عبر العالم بإقليم شفشاون تزامنا مع واقعة “الطفل ريان”، وأخرى اعتبرها البعض أحداثا مؤسفة كواقعة أحد الأسواق بنواحي مدينة القنيطرة.

هذا التقاطب يستحق، حسب باحثين، الدراسة والملاحظة وفق مناهج العلوم الاجتماعية، للتعرف على سلوك الإنسان المغربي وقيمه، وإن كانت له “هوية قيمية” تميزه، أم هو مواطن يتصرف وفق السياقات التي يفرضها كل ظرف عليه.

ظواهر معزولة

في هذا السياق كشف حسن رشيق، الباحث والأنثروبولوجي، أن الحوادث التي عبر فيها المغاربة مؤخرا عن تضامن كبير، وتلك التي عبروا فيها عن سلوكات أخرى استهجنها البعض، تشكل أحداثا معزولة من الصعب تفسيرها بشكل سريع ودون إخضاعها للمنهج العلمي، فشأنها شأن الأحداث التي تشهد نوعا من الهلع والخوف، ولها سيكولوجيا أخرى خاصة بها مرتبطة بمفهوم الحشد، موضحا أن “العلم” يمكنه تقديم تفسير لما هو مستمر وقار وثابت.

وجوابا عن سؤال LE7.ma حول مدى تغير قيم المغاربة الأصيلة كالتضامن والإيثار والكرم، قال رشيق إنه لا بد من الوقوف عند معنى التضامن بالنسبة لجماعة ما، مبرزا أن هنالك العديد من الكلمات بالدارجة والأمازيغية التي تفيد معنى التضامن في المجتمع المغربي، وميز في ذلك بين العالمين القروي والحضري، مشيرا إلى أن “التضامن يوجد بشكل أكبر في القرية، وهذا ما يؤكده مجموعة من الأشخاص بالرغم من عدم وجود دراسات تثبت ذلك، والأمر نفسه بالنسبة لأشكال العائلة كالعائلة الممتدة التي يمكن أن نجدها في القرية”.

” تويزا”، يشرح الباحث، هي كلمة معروفة تعني في اللغة الأمازيغية التضامن، إذ يطلق على أي عمل تطوعي بين العائلات داخل قرية ما، وارتبط هذا المفهوم بعملية الحصاد، حيث يتعاون سكان القرى على حصد المحصول في وقت واحد، فيقوم مجموعة بتجميع حصادهم في نصف يوم أو يوم واحد فيكون حصادا جماعيا، وبمساعدة متبادلة، والأمر نفسه ينطبق على الحرث والبناء.

“مول التاج يحتاج”، هذا هو شعار أهل القرى المغربية، يقول رشيق، مشيرا إلى أن قيمة التضامن والمساعدة والإيثار لم تكن تقدم بالإجبار، وإنما طواعية، لأن الأمر يتعلق بعادة كان المغاربة يستفيدون بفضلها من بعضهم البعض.

القيم والظروف

أكد الباحث حسن رشيق أن القيم المجتمعية مرتبطة بشروط لا بد من توفرها، ومن ذلك وجود عمل تطوعي بين أشخاص ليست بينهم تراتبية اجتماعية. وأوضح أن سبب ضعف انتشار قيمة التضامن اليوم في بعض المناطق راجع إلى عدم رغبة الشباب في تقديم خدمات مجانية، وهو شرط لم يكن يرتبط بـ”تيويزا”، ولم يظهر إلا بعد تغير الظروف الاقتصادية حيث العمل المستمر أو الموسمي، فيفضل الشاب السفر للعمل وجني المال، عوض أن يظل متطوعا في أرض أسرته، ويبقى مرغما على الاشتغال رفقة والده الذي كان يوفر له كل شيء. فهذه الثغرة الاقتصادية، يضيف الباحث، غيرت مفهوم التطوع والتضامن وألبسته لبوس الاستغلال.

ووفق رشيق، فإن القيمة لا تزال موجودة، إذ لا يمكن لمجتمع ما أن يعيش دون تضامن، إلا أن الحمولة الثقافية لهذه القيمة ومعناها هو الذي يتغير مع تغير الظروف، فالشاب الذي بات يرفض العمل في أرض والده مجانا هو نفسه قد يكون أول المساهمين في شراء أثاث المسجد وفي بناء قنطرة أو تقديم يد المساعدة في أمر معين، وبالتالي فمحتوى التضامن هو الذي يتغير.

وذكر المتحدث ذاته بأرقام كشف عنها التقرير الوطني الذي أنجز سنة 2004 حول القيم، والذي تضمن إجابات عينة من الشباب حول مدى استعدادهم للعيش مع آبائهم فكانت معظم الإجابات بالرفض، ليس بسبب تخليهم عن آبائهم، وإنما بسبب الظروف الاجتماعية والاقتصادية، إذ يحرص هؤلاء الشباب على رضى آبائهم، وأيضا يرغبون في تجنب المشاكل التي يمكن أن تلحق بالعائلة جراء الاحتكاك اليومي. فرغم إقرارهم باستعدادهم لمساعدة آبائهم في كل الأوقات، فإنهم لا يرغبون في العيش معهم.

“المنيحة”

يورد رشيق قيمة “المنيحة” كأحد تجليات قيم المغاربة المرتبطة بالكرم والتعاون، حيث كان الأفراد يقدمون “منحا” على شكل رؤوس أغنام لمن هم بحاجة إليها، وهي قيمة لم تعد موجودة. والأمر نفسه بالنسبة لبعض القيم والعادات بالأحياء الشعبية، التي كانت تتميز بالتضامن وحسن الجوار وتبادل المصالح والمساعدة في الجنائز.. هذه التفاصيل المغربية الأصيلة أضحت تتقلص بشكل واضح.

وشدد الباحث ذاته على دور الدولة ومؤسساتها في حفظ قيم المغاربة التضامنية، مبرزا أنه، سواء في القرية أو في المدينة، لا يمكن التعويل على العلاقات الشخصية من أجل بناء تضامن داخل المجتمع. وأضاف أن الدولة والوزرات وباقي المؤسسات يجب أن تعمل من جهتها على زرع مثل هذه القيم.

الرأسمالية والقيم

لا يمكن فصل التحول الحاصل على مستوى “مضمون القيم” عن الرأسمالية، يقول رشيق، فهذا النظام مكن أفراد المجتمع من الحصول على الاستقلالية المالية، بالإضافة إلى أن أفراد الأسرة الواحدة أضحوا يشتغلون في أماكن متباعدة ومجالات مختلفة، وهو ما خلق العائلة النووية. كما أن الاستقلال المادي مكن الأبناء من الاستقلال عن أسرهم، “فالمجتمعات الرأسمالية التي نعيش فيها، ساعدت على انتشار الأجور، وهذا الشرط خلق الاستقلالية والرغبة في الحفاظ على الحميمية ونوع من الأنانية”.

وأكد المتحدث ذاته أن النظام الاقتصادي لا يمكن أن ينال نهائيا من القيم التي تجعل من الإنسان إنسانا، موردا أن الحكايات الشعبية على سبيل المثال، سواء كانت روسية، هندية أو إفريقية..، تتضمن قيما لها علاقة بالتضامن والخير والشر. لذلك “لا يمكن أن ننكر بأن هنالك قيما إنسانية موجودة لذاتها، فالقيم الكونية لم تتغير، لكن النظرة إلى هذه القيم وكيفية فهمها هي التي تغيرت عبر التاريخ، وكذا المحتوى الثقافي، المحلي والوطني، والديني لهذه القيم الإنسانية”.

الدين والقيم

وقال الباحث ذاته إن القيم الإنسانية قد تجد نفسها في الخطاب الديني الروحاني كما قد تنطلق من مرجع آخر، فداخل مجتمع معقد يحتوي على ترتيبات ثقافية وتنشئة مجتمعية مختلفة ستجد الجمعيات الخيرية بالمفهوم الديني تقوم بالخير والإحسان، كما أن هناك مجتمعات علمانية تتقاطع مع الدينية في مفهوم الخير، لكن لكل واحد هدفه من هذا العمل، بين من يبتغي الأجر كمفهوم يمتح من الحقل الديني، ومن يبتغي أجرا بمفهوم آخر.

وأوضح رشيق أن محتوى “القيم” ليس دينيا فقط أو أخلاقيا أو مدنيا، لكنه كل هذه الأشياء. وبالتالي “لا يهم وجه هذا العمل الخيري، فما يهم هو تقبل الاختلاف وإمكانية الالتقاء في طريق يجمعنا من أجل القيام بعمل خيري”، مضيفا أن “إيميل دوركايم لاحظ أهمية وجود الدين للمساعدة على تلاحم الأشخاص، لكن ليس بالضرورة أن يقوم الدين وحده داخل مجتمعاتنا بهذه العملية، فكلما كثرت المحتويات الثقافية والدينية والأخلاقية للقيم كان ذلك أفضل”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى