رحلة باهي إلى باريس بلغة “موليير” .. عندما يعانق الوجدان المعرفة

أبى الروائي العربي الكبير عبد الرحمان منيف إلا أن يفرد لصديقه الصحافي والكاتب الألمعي محمد باهي حرمة كتابا تأبينيا، بعنوان عميق الدلالة (عروة الزمن الباهي)، أعلن في مستهله أن: “الباهي بمقدار الفرادة التي مثلها، من حيث الحياة والسلوك، وكان أقرب ما يكون إلى زوربا اليوناني، وبالتالي كان نموذجا فذا لشخصية روائية بالغة الغنى والتعدد، فقد كان، بنفس الوقت، ممثلا لجيل ولمرحلة تاريخية”.

سعى منيف إلى حفظ ذاكرة صديقه وتقريب تجربته الأدبية والإعلامية إلى القارئ العربي. ولأنه كان كثير الاحتكاك به شديد التفاعل معه فقد خبره عن قرب وخبر قدراته الفكرية ومهاراته الأدبية، لذلك لم يتردد في الاعتراف له بالكثير من عناصر التميز عن أقرانه ومجايليه من أدباء ومفكرين وإعلاميين عرب، الذين ساقتهم الأقدار في ركابها إلى عاصمة الأنوار باريس.

باهي وباريس.. تعانق الوجداني بالمعرفي

تشكل المعرفة الدقيقة والعميقة لباريس في حد ذاتها إحدى سمات التفرد والتفوق التي يسجلها منيف لباهي، إذ يقول: “لا أظن أن أحدا من العرب الذين أقاموا في باريس يعرف مقاهي تلك المدينة كما يعرفها الباهي. وفي إطار استكمال دراساته حول باريس كان يعرف أي المقاهي تعود هيمنغواي على ارتيادها، وفي أي المقاهي ‘يقيم’ سارتر (…) وإذا افترضت أن أحد المقاهي في ميدان فيكتور هيغو، كان يرتادها الكاتب الكبير، فلا بد أن يقودك الباهي إلى مكان في أقصى المدينة، من الجهة الأخرى، كي يدلك على مقهى ذلك الكاتب!”.

يجد هذا الأمر تفسيره، حسب منيف دائما، في تكامل معطيين على درجة كبيرة من الأهمية، أولهما العلاقة الوجدانية التي جمعت باهي بباريس، وهو القادم من قلب الصحراء؛ إذ عوض أن تخضعه لطقوسها “الأرستقراطية”، عمل هو على ترويضها، فدانت له ولأسلوبه البدوي البسيط والعفوي، مما يسر له فك شِفار رموز أمكنتها، وسبر أغوار ما تختزنه ذاكراتها. يقول الباهي عن صحرائه الجديدة باريس: “عندما وطئت قدماي باريس، أول مرة، قلت: هذه صحراء جديدة، مطيتها الحكاية، ولن يقدر على اجتياز مفازاتها إلا الحكاؤون المشاؤون.. صحراء باريس، مثل كل الصحاري، لا تغييب عنها الحكاية، ولو غابت عنها كل الكائنات!! (…)

أحببت باريس كما أحببت الصحراء الأولى.. فهي لم تضع قيودا في معصمي، أو قدمي، وتركتني، حرا، طليقا، كما عشت في الصحراء، أخترق كل الفضاءات دون أن أفتح بابا، وأركب الماء دون حاجتي إلى فلك أو شراع (…) في باريس لن تمل من المشي، لأن المشي في باريس كشف واكتشاف، وعليك أن تتسلح بأخلاق أهل الصحراء، أي أن تطوع باريس بما اختزنته ذاكرتك الصحراوية من علوم وتجارب وحقائق.. ومغامرة. وعوض أن تطوعك المدينة ستطوعها أنت، وستأتي إليك منقادة دون أن تمرغ أنفك أو أنفها في التراب”.

هنا مكمن السر في هذا البُعد الأول المفسر لقدرة الباهي العجيبة الرهيبة على سبر أغوار وكشف أسرار عاصمة الأنوار، أو بلغة صاحب خماسية مدن الملح: “الباهي الذي حمل صحراءه إلى كل الأماكن التي وصل إليها، وظلت تلازمه فيها، وقع دون أن يدري، ودون تخطيط، في هوى مكان جديد، وقع في هوى باريس (…) في أحد الشوارع المتفرعة عن ميدان السان ميشيل، غير بعيد عن شارع راسين، كان “مكتب المغرب العربي”. وفي هذا الشارع، وفي هذا المكتب ستبدأ فاتحة التحولات الكبرى، إذ سيقع باهي في هوى هذه المدينة، وسوف يعصف به ذلك الهوى حتى درجة الإدمان”.

ومن قلب هذا الإدمان سينشأ البُعد الثاني الشارح لإلمام الباهي الدقيق والعميق بخبايا وأسرار باريس، من موقع معرفي هذه المرة، فهو الذي قاده إلى الحفر في تاريخ باريس، في ما يشبه وفاء العاشق لمحبوبته، التي يريد أن يخلد ذكراها على طريقته، بما يليق بها من عناية وعمق ورصانة ومغامرة أيضا. إذ يخبرنا صديقه منيف أنه “حين أراد أن يكتب عن باريس، الوجه الآخر، أواسط الثمانينات، جمع لهذه الرحلة عشرات بل ربما المئات من الكتب عن باريس، كما اتصل بعدد كبير من المتخصصين ليستكمل المعلومات حول مجرى السين ونوعية التربة وكيف ابتدأت المدينة، ثم كيف اتسعت، إلى تحديد مداخل أنفاق باريس من أجل الوصول إلى أعماقها، ثم المغامرة والنزول إلى هذه الأعماق فعلا، وتلك الساعات الكثيفة، المخيفة، والحافلة أيضا، التي قضاها في الأعماق البعيدة. كل ذلك في محاولة لمعرفة أدق لتاريخ المدينة ومعمارها ومياهها ونوعية النباتات الأكثر ملائمة لتربتها”. علما أن الباهي كان من سلالة الحكائين المشائين، فـ”رغم وجود بطاقة الميترو الشهرية في جيبه، كان يوثر المشي. كان أحد كبار المشائين في باريس، فقد تعود أن يتنقل من مكان إلى آخر، رغم بعد المسافة، على قدميه (…) هذه الطريقة في الانتقال، جعلته أكثر دراية بتفاصيل المدينة، وأكثر معرفة بأسرارها”.

أسرار باريس بلغة موليير

بحث الباهي في شجرة أنساب باريس فوجدها تنتسب إلى الماء، لذلك أعلن أنه “في الأصل كان الطوفان”. ذاك هو الفصل الأول من منجز فكري نوعي موسوم بـ”اكتشاف باريس”، والذي عمل المرحوم عبد الرحيم مؤذن على جمع بعض مختاراته في تركيب سردي، عنونه بـ”الرحلة البهية إلى باريس السرية”، نشره سنة 2010، قبل أن يبادر محمد سعد الزموري نهاية سنة 2021 إلى إصدار ترجمته إلى اللغة الفرنسية، في إطار مشروع علمي كان قد احتضنه المعهد الوطني للبحث العلمي والتقني حمل اسم برنامج ابن خلدون.

جاءت الترجمة في سياق اهتمام محمد سعد الزموري بأدب الرحلات، التي خصها بدراسات وأبحاث متعددة، من منطلق إشكالي يُعنى بمستويات التفاعل بين الثقافات والآداب المقارنة وتاريخ الأفكار. وأتاحت للقارىء باللغة الفرنسية أن يكتشف فرادة وتميز الباهي في علاقته بباريس وبواطنها، والتي تحدث عنها صديقه عبد الرحمان منيف، بل وربما بشكل أقوى. يقول هوبير جولي، رئيس المجلس العالمي للغة الفرنسية، في تقديمه لهذه الترجمة: “لم يسبق لكُتاب أجانب أن تناولوا مواضيع مماثلة، ولم يستطيعوا إثراءها أبدا بالذكريات والتخيلات والوساطات، أو حتى بالشغف العاطفي لهذه المدينة، كما عرف باهي كيف يفعل. محاورة نهر السين أو السراديب، وإعادة تفسير تاريخ الحروب الدينية، والعديد من الإشارات والمقارنات مع ما يعرفه عن العالم العربي تجعل باهي حاملا لنظرة جديدة لتفاعل الثقافات لا يمكن إنكارها في إدراكه لأسرار عاصمة يحبها مثل عاشق”.

كيف لا وهو الذي نفذ إلى ماهية العلاقة الحميمية بين عاصمة الأنوار ونهر السين، إذ يرى بأن “تبادل العشق بين النهر والمكان هو السيرة الأزلية بين الأقنومين”. فاستفاض شرحا وتحليلا في جزء أول مهم من الكتاب حمل عنوان: “السين: ذاكرة نهر”، ضم فصولا بعناوين حاملة لدلالات ومكثفة لمعاني من قبيل: “مشاهد من عصر الطوفان: كيف نهضت باريس من تحت الماء”، و”رحلة النهر نحو المدينة: كيف بلغ السين سن الرشد”، و”النهر يقترب من المدينة.. ويدخلها: شرف القران الأبدي”..

يكتب الباهي عن باريس بنَفَس مؤرخ محترف يجمع بين معاينة المجال واستثمار الوثائق والمصادر بمنزع التركيب والاستشكال، كما لو أني بالمؤرخ الفرنسي الفذ بيار نورا قد فاته أن يضمه إلى طاقم مشروعه الضخم حول ذاكرة الأمكنة الذي جمع عددا كبيرا من الباحثين من تخصصات مختلفة. لنتأمل ما كتبه الباهي: “السين هو ذاكرة باريس، مرآتها وكاتم أسرارها. بعد أن أقلتنا الباخرة في مجراه الأعلى ثم عبر رحلته السريعة، داخل المدينة، نتركه يتابع انسيابه نحو مدينة الهافر ونترجل من السفينة لنبدأ اكتشافنا لها من خلال التسكع فوق أرصفة موانئ النهر والدوران حول جدران البنايات القائمة على الضفتين.

نفعل ذلك لأن هذا الخيط الحريري الأزرق، السائل، هو أقدم شاهد وأوثق رواية يمكن أن نطمئن إليه لمعرفة أسرار الخليقة الباريسية.

إنه الفاعل الأزلي، الممثل الحاضر، والمتفرج الدائم أبدا على خشبة مسرح حياتها الخصبة والمضطربة.

كان النهر موجودا قبل المدينة، فعاشرها في فترات نموها المختلفة وما علينا إلا أن ننصت إليه ليروي لنا بعض قصصها المثيرة.

نبدأ المشوار من رصيف بيرسي على الضفة اليمنى، في الدائرة الثانية عشرة.

نطالع تجاعيد الماء كسطور كتاب مفتوح يسرد لنا تاريخ المدينة.

في منتصف القرن السادس عشر، كانت هذه البقعة لا تزال عامرة ببساتين الكروم، ولم تكن قد ألحقت بعد بباريس.

نعثر على اسم بيرسي، مكتوبا أول مرة في وثيقة يعود تاريخها إلى عام 1134. في تلك السنة وردت كلمة بيرسي (المجهولة الأصل) في ميثاق وقعه الملك لويس السادس منح بمقتضاه، في هذه الضفة اليمنى الشرقية من النهر، أراضي زراعية لكنيسة مونمارتر، تحدها من كل الجهات ترع وينابيع وعيون كانت مياهها تشق طريقها إلى النهر، عبر قنوات ومجار طبيعية. ثم عرف المكان بإقطاعية مخزن الخياطين، تنقلت ملكيته بين عائلات ثرية من الطبقة الأرستقراطية إلى أن استقرت نهائيا في أيدي أعضاء أسرة تدعى مالون ولم تخرج من سيطرتها إلا سنة 1861، ومعنى هذا أن آل مالون بقوا سادة هذه البقعة على امتداد ثلاثة قرون.

كان جاك مالون الجد، وهو أول اسم نعثر عليه في كتابات الإخباريين الباريسيين، واحدا من الذين منحوا في عهد لويس السادس عشر امتياز الانتماء إلى طبقة النبلاء..”.

هذا فقط غيض من فيض من رحلة في عوالم باريس وجدت لها صدى في مجلة اليوم السابع، وجرى انتقاء منتخبات منها أصدرها عبد الرحيم مؤذن في كتيب صغير الحجم من ثمانية وثمانين صفحة، وترجمها محمد سعد الزموري إلى اللغة الفرنسية، بعد أن طعمها بدراسة، نشرها تحت عنوان “رحلة باهي إلى باريس السرية”، فخلفت ذلك الانطباع المُعبِّر لدى هوبير جولي الوارد أعلاه. فكيف سيكون الحال لو بادرت وزارة الثقافة أو مجلس الجالية المغربية بالخارج إلى احتضان ترجمة كتاب اكتشاف باريس كاملا (336 صفحة) إلى لغة موليير؟

ربما تكون ترجمة محمد سعد الزموري لجزء من الكتاب قد وفرت العينة التي يمكن ليس فقط الاستئناس بها، بل ولم لا تقديمها نموذجا مقنعا ومغريا لدار نشر فرنسية كبيرة ورائدة في التوزيع، تتبنى الفكرة وتضمن الإشعاع وإعادة الاعتبار لنبوغ مغربي في باريس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى