فاجعة الطفل ريان .. “وجبة روحية” في طقوس “التطهر بالمأساة”

رقصة الموت وعطش التطهر

نبالغ في سطوة الموت حين نسكنه منزل النقيض للحياة. الموت فرد لكن الحياة جماعة، تتناسخ عبر أفرادها دفقة الروح. يبطش الموت فيسقط الواحد أو البعض، قلة أو كثرة، وتستمر الحياة بخدش مألوف في جسمها المثخن بالغيابات.

من يموتون قرابين كونية واحتفالات وجودية تضخ في من بقي الإقبال نفسه على العيش، ومن يعش يحمل عبء الاجتهاد في صناعة المعنى وحفظ الذاكرة في عجلتها التي توثق الزمن مغامرة أزلية؛ إذ لا ذاكرة بلا غياب وغائبين. من يرحلون يعطونا هدايا ثمينة لتعريف الحياة بغريمها وتملك مهارة التحقيب الضرورية لترتيب علاقة الإنسان بالزمن والتاريخ، المبتدأ بالمآل.

كانت حفلة تطهر أنضجتها صور المعايشة الحية لأيام الحلكة والعزلة في بطن الأرض-الأم. هل نسيت الأرض هويتها فذكرها ريان بحقيقتها المضطربة؟. بعربدة أمومة مستعادة وغيرانة، تشفط رحم أرض جرفتها البراكين والزلازل، وشوهت بساطها أخاديد وقعتها الكوارث القديمة، صغيرا كان يمرح في شعابها، ثم تنكفئ متمنعة عصية تكتم صرخة ريان وتخنق أنينه.

“تضيق بنا الأرض..فنخلع أعضاءنا لكي نمر”، يقول محمود درويش. لكن أجنحة ريان معطلة خارج مرمى الشمس؛ لذلك كان واجبا إخراجه حيا.. أو حيا بخفق يصله بمواقع النجوم.

كيف اهتدى ريان إلى ذلك الوتر الخامل لإنسانية تعزف نشيدها نشازا؟ يشد الوتر فترتعد فرائص الغافلين. هل ثمة أسرار مدفونة في نسيج القصة أم هي قطرة أفاضت كأس ماء راكد؟.

بعضنا رأى في الوجه طفله فهب لاحتضانه بشعور فقد وشيك وممكن. لكن الأمر أبعد. لقد رأينا في الطفل الذي لا نعرفه- ولأننا لا نعرفه- أنفسنا وقد انكشفت كيانا بلوريا انقطع رأسه المتخم بالحسابات المنفعية عن ضحكة الوجود التي تطلقها طفولة ممحوقة منسية محجوبة في اللهاث خلف ما لا نملكه إلا إذا ملكنا، وفي متاهات معادلات محدودة الأفق نسميها رشدا وكهولة.

لقد وقعنا في فخ أعد لنا بمكر أنطولوجي فتاك. سحبنا جسد ريان إلى حفرته، فأصبح الطفل امتدادا مأساويا لنا. نجيش الأدعية والتعاويذ بكل الألسن وصوب كل الآلهة من أجل حظ حياة لريان، وأفق خلاص لنا. حدث هذا قبل أن يحلق ريان في لحظة خفوت.

المأساة وجبة روحية في طقس التطهر الذي ابتدعته كل العقائد والنحل التي ترقص حول طوطم الخطيئة؛ هي ممر ضروري وكلفة موثقة قبل الزمان من أجل ترميم كيان تطمسه أدران الرحلة وتشوهات الكائن التي يسوغها وهم التكيف وناموس التحول قصد البقاء.

لذلك لم يكن ريان يوسف بل كان الإنسان في تذكرة عودة نكوصية اقتضت سنة الحياة أن يجدد الإنسان إثم نسيان التخطيط لها، بما ادخرته له ولنا من ابتلاءات الوحدة والعزلة والليل والعراء والهشاشة الفادحة والعجز المسلح بالأمل القليل.

مكاسب عرضية في جنون العولمة

ريان قصة مثالية لزمن عولمة حمالة أوجه. العولمة حرب أزلية على الذاكرة، قرص إكستازي لتمجيد الإرادة المباشرة وسكرة الفتح الحداثوي المظفر وتركيز اللعب في المساحات الطافية من كثافة الوجود البشري..

ريان خرق جوهري لهذه التعاليم التي تروض النفس على تمثل العيش مسابقة موصولة للقفز على الحواجز.. سردية بديلة أو على الأقل هامش ممكن في هامش الخريطة المادية للعالم. هاجس السوق المفتوحة تفتق عن خسائر جانبية حميدة لم يخمنها المرابون والتجار. سوق المواد احتملت سوقا موازية عابرة للقارات عملتها الوعي بالانتماء إلى شيء يراد له أن ينسى ويطمر في حفرة أعمق من حفرة ريان.

تلك الصلوات التي ضجت بها الأرض تحللت دمعة كبيرة على خد الإنسانية حين تفطنت إلى خطيئة نسيانها وآفة الركض أسرع من الصوت.

لا تفك قساوة تجربة الرحيل التي قدر لريان أن يعيشها لغز هذه الفجيعة الكونية المتدفقة من العيون والقلوب الجرداء. فهل صادف السقوط في الحفرة سقوطا فلكيا نبه البشر إلى عطب في المسار؟ كانت الكوارث دائما منبه الإنسان لتفقد خلل في بناء السقيفة الرمزية التي يستظل بها وجوده النوعي بين الكائنات.

صورة في عين رجل الإغاثة

كان المفقود يضيء وجوه من نزلوا إلى سفح المنحدر، بعد أن ذللوا صلف الجبل ونخروا طياته الصخرية؛ كانت صورته تلمع في عين رجل الإغاثة الذي لم يودع طفله في الطريق إلى حتف جد محتمل تحت أجراف القرية.

قبل الغارة الخاطفة ترتسم صورة الفريسة في عين الصقر. في عين المنقذ، ترتسم صورة الضحية مجللة بنور كوني على وجه مغبر يخفي وداعته الغامرة بصرامة الالتزام السامي. شعور الواجب يعطل فيهم إحساسا بالبطولة. الشجاعة مهنة وليست قيمة في يوميات هؤلاء الناس البسطاء المجهولين حين يعودون إلى بيوتهم في الحارات، ويخلعون بذلة الشرف.

لأجل ريان أتى “عمي علي”، رجل الجنوب؛ بعمامته السوداء التي يلفها، حين يقتضي الأمر، لثاما لاتقاء رياح القفر؛ بسحنة سمراء تلمع بكد الأيام الصعبة، ويد عاشت برفقة المطرقة والفأس، جاب حياته سهول وهضاب الجنوب الشرقي ملبيا نداء الباحثين عن ماء في جوف يظهر القحط ويبطن أحيانا جداول تنفجر بعد حدس وحفر. طوعا وفضلا، حل “عمي علي” بقرية إغران حاملا، في مأزق البحث عن حل، حكمة الأجراف السحيقة والمناجم المهجورة والأنفاق المأهولة بالأحجار والأشباح. لكن “عمي علي” أكثر العارفين أن الحروف التي يوقعها بيده المشققة لا تنكتب خارج ما يوثقه الكتاب الأكبر لمواعيد الحياة والموت، الذهاب والإياب.

ليست نصف هزيمة ولا نصف انتصار؛ هي ملحمة صنعها رجال الواجب أمام جبروت الجغرافيا. وحين كانت الساعات الخائبة تدخل العالم مناطق الشك والانقياد، كان التصميم أكبر على إكرام البطل الصغير بانتشال الجثمان من بطن الأرض/الحوت ليسير مشيعا تحت الشمس، ويستقر مطمئنا أمام بيت أسرته تحت شاهد يصير مزارا للذاكرة الإنسانية. فالملحمة ليست نصرا ناجزا. وفي التاريخ، كانت ملاحم المقهورين والضعفاء أكثر تجذرا في الخلود وأكثر زخما بالقيم النبيلة. يكثر أن يعظم النقصان والإحباط كثافة التجربة ويوسع مداها في الأفق، ويحدث أن ترفع المرارة قدر اللحظة في الوجدان العام.

صرخة الطفل..هشاشة الكون

لآلام الأطفال وقع أعمق في نفس الإنسانية، لصرختهم صدى أبعد في الأغوار السحيقة لوعي العالم. لا ينسى طفل جنوب السودان المتهالك حين رصدته صورة كيفن كارتر وقد جثا على مقربته نسر يترصد على مهل انصرام الحياة من جسده المثخن بالحرب والجوع.

كان اسمه كونغ نيونغ من قرية “أيود”. حصل كارتر، عن صورته التي نشرتها “نيويورك تايمز”، على جائزة بوليتزر بصيتها الذائع، لكن كوابيس اللحظة الفارقة لاحقته في غضون أشهر قليلة لينهي حياته كمدا وابتئاسا بمجد أصبح سوطا أخلاقيا يفتت لحمه ويسمم نومه المستحيل. كان اسمه محمد الدرة، لائذا بأب رؤوم، يتقي رشقات النار من جنود يتسلون برهان تصويب على هدف صغير الحجم. كان إيلان مكبا على الرمل بعد أن لفظه بحر الرحلة القسرية في مركب النزوح من الجحيم السوري. مشاهد شطت عن حدود الفانتازيا متاخمة أقاصي التخييل المأساوي في الإبداع الأدبي والبصري، رواية وصورة فوتوغرافية ولوحة تشكيلية وفيلما سينمائيا.

سار ريان في ركب هذه الشهب التي توقدت في ليل البشرية البهيم ولو أن قصته استجمعت عناصر متضافرة تفرقت في سوابقها لتصنع هذا الاستئثار العالمي بمشاعر البشر، وتقيم هذا الحج الكوني الروحي والطواف الحاشد حول بئر اللعنة والقداسة. لم تكن مأساة ناجزة على خلاف سابقيه، فقد جاءت قصة ريان مفتوحة على احتمالات النعي وبشارة الإغاثة على مدى أيام خمسة، على هيئة فيلم طويل منهك في تشويقه محكم في نسيج التباساته الدرامية التي تشد النظر وتحيي الليالي البيضاء. ثم إنها قصة هول معزول لا فرع متحدر من نكبة جماعية تشوش على التفاعل مع الحدث بأبعاد سياسية أو عقائدية. كان طفلا يطلب النجدة في مكان من الأرض، انتقاء قدريا مفردا في بقعة خارج الضوء الإعلامي التقليدي، تعيش رتابتها القانعة متعايشة مع جغرافيا عنيدة ومتقشفة.

فرجة الوسائط.. وحدة الإنسان

الإنسان كائن فرجوي له عطش متأصل للحكاية. لا عيب في الأمر، لأن الفرجة كمعطى اجتماعي محفز التقاسم والتضامن وعدوى الإحساس بالوجع والألم. وإذ انهالت اللعنات على المنصات الإلكترونية ومهرجان الهواتف المحمولة التي تداعت على حفرة ريان ومحيطه الإنساني، مستبيحة قيم الإعلام المهني، فإن هذه الوسائط الماردة حازت فضل الانتقال بحادث محلي مجهري معزول بالمعايير التقليدية للفاعل الإعلامي إلى لحظة كونية اجتذبت كبريات القنوات والصحف والمواقع العربية والدولية. هذه المرة، كان على هذه المؤسسات أن تلاحق التدفق الإعلامي خبرا وصورة وتسجيلا بعد أن اعتادت حيازة سبق الوصول إلى أقاصي الحدث.

وخزة في قلب العالم، جوقة أنين الأمهات، تورط آباء غافلين في حالة تماه مع صرخة الصغير المجهول، أسئلة الأطفال المعلقة حول هذا القرين الذي يشبههم…هي صرخة ريان حين أرعدت صرخة كوكبية جامعة فرضت واقعة البئر شريطا خبريا متصدرا الشاشات بالبنط الأحمر، في وقت توارت تحته مستجدات حرب اليمن، الغزو الوشيك لأوكرانيا، النووي الإيراني، انقلابات إفريقيا، نكوص الربيع في تونس والسودان، دوران عجلة الفراغ في ليبيا..

كانت القصة تتدحرج بسرعة كرة نارية، تتراقص شظاياها لتبعثر أوراق المشاهد في فيلم معلق الهوية بين الانتماء إلى الواقع أو التبلور في الخيال. من هول اختفاء الطفل إلى اكتشاف معضلة على المقاس: حفرة تسع جسد ريان ولا تسع المتطوع الذي غاص في الغياهب لانتشاله فيصطدم بالسنتيمترات تضيق وتضيق…

يحيا الأمل بحركة الصغير ترصدها الكاميرا الضوئية، فيرتجف الجمهور، ثم يصطدم الأمل بطبقة صخرية بعد الاهتداء إلى عبقرية الحفر الأفقي اليدوي، بمطرقة “عمي علي” والرفاق. تابع العالم ملحمة الذهاب إلى ريان في سينوغرافيا طافحة تجسد احتدام الصراع: رجال إنقاذ، جرافات، نفق، منحدر، مصابيح مسلطة، جمهور يتابع من الأعالي المحيطة، وملايين من خلف الشاشات في كل الوسائط. أستوديو تصوير متكامل العناصر في فضاءات ورزازات.

الاسم.. القدر

كثيرا ما يضمر الاسم وصفا ماكرا لصاحبه. الاسم جزء من قدره أو إيهام بقدر مزعوم. عنوان الفلم الشهير “يجب إنقاذ الجندي رايان” توارد سريعا على الأذهان. تميمة تفاؤل بمصير مماثل للنهاية الهوليودية المجيدة.. التقطتها صحيفة فرنسية بعنوان موفق: “يجب إنقاذ الطفل ريان”. الحال أن كاتب السيناريو هذه المرة لا يعمل تحت إمرة الذوق العام ولا يكترث لسقف انتظار جماهيري ولا يزحزحه إجماع على صيغة النهاية.

بكل اللغات وفي مختلف العقائد، ريان اسم متصل بالقداسة والملكوت. هو باب في الجنة، وهو اشتقاق من الري بإحالة على تدفق الماء. وهو في اللغة الأيرلندية القديمة اسم “الملك الصغير”، واسم قديس.

كان ريان يستحق اسمه الذي انهال على المواليد الجدد عبر القارات. لقد فطن العالم إلى أن الحادثة ليست لعنة تورث، بل روحا قدسية تستدر حظا أفضل في مجتمع إنساني يعي مأزقه التاريخي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى