أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية ينعى الراحل إبراهيم بوطالب

قال عبد الجليل لحجمري، أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية، إن “الأكاديمية تلقت نبأ وفاة أستاذ جيل المؤرخين المغاربة إبراهيم بوطالب بقلوب تملأها مشاعر الأسى ونفوس يغمرها الإيمان بقضاء الله”، مضيفا أن الراحل كان قمة شامخة من قمم علوم تاريخنا المعاصر، ومنارة مضيئة أنارت دروب البحث التاريخي فيها، وإلى جانب ذلك لافتة متوهجة في تدبير الشأن الإداري والتعليمي الذي حمل مسؤوليته”.

وأشار لحجمري، في شهادة تأبين للأكاديمية في حق الأستاذ إبراهيم بوطالب، إلى أن “المرحوم آمن بأن رسالة المعلم والمفكر الملتزم لا تقف عند حدود الدرس الجامعي، وأن قيمة المعرفة التاريخية لا تتحدد فيما اختزنه الرأس، لكن في ما ينفع الناس، وصدقه المراس، فعاش قريبا من طلبته، بانيا رجالا مضوا قدما بمقاصد رسالته، وتاركا بعد رحيله بناة لإنتاج المعرفة التاريخية التنويرية، ومن هنا نقول إنه لم يمت لأنه ترك علما ينتفع به وآثارا يذكر بها”.

وأكد أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة المغربية أن إبراهيم بوطالب لم يقف كالمؤرخ التقليدي ناقلا للأخبار والروايات، وساردا للحوادث بخوارقها وعجائبها المظهرية في مؤلفاته التي تركها لنا، بل أسهم في تحرير مناهج الكتابة التاريخية من سلطة التقليد والغيبيات، عاملا على أعمال العقل والتمحيص وكشف المخبوء الذي لا يراه عين المؤرخ المجردة، سابرا أغوار الوثيقة التاريخية لتنفتح بتجليات رؤياوية حداثية جديدة”.

هذا نص التأبين:

لقد تلقينا في أكاديمية المملكة المغربية نبأ وفاة أستاذ جيل المؤرخين المغاربة إبراهيم بوطالب بقلوب تملأها مشاعر الأسى ونفوس يغمرها الإيمان بقضاء الله الذي لا راد لحكمه والذي لا يحمد على مكروه سواه، فلله ما أعطى، ولله ما أخذ، فنقول بمناسبة هذا المصاب الجلل: “إن العين بفراقك يا ابراهيم لتدمع والقلب ليفجع ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ صدق الله العظيم”.

لقد كان رحمه الله قمة شامخة من قمم علوم تاريخنا المعاصر، ومنارة مضيئة أنارت دروب البحث التاريخي فيها، وإلى جانب ذلك لافتة متوهجة في تدبير الشأن الإداري والتعليمي الذي حمل مسؤوليته، عميدا لكلية الآداب ومديرا للمدرسة العليا للأساتذة بالرباط وكاتبا عاما للجمعية المغربية للبحث التاريخي، ومديرا لهيئة تحرير مجلة LE7.ma تمودا ورئيس تحرير معلمة المغرب، إلى جانب عضويته في عدد كبير من الهيئات، منها “هيئة الإنصاف والمصالحة”، وفي كل هذه المحطات التي رادها والمؤلفات التي أنتجها ظل نهرا متدفقا معرفة، وشعلة متقدة وطنية، وفيا لقيم النهوض بالمعرفة التاريخية المغربية، حاملا في مربطه قلق البناء المحصن لمشروعه التاريخي المستند إلى رؤيته الحامية للهوية والمواطنة والعقلانية والحقيقة المتجردة من الاستلابات الإيديولوجية والنظريات المفترية، ورغم المرض الذي كان ينهش جسمه النحيل بقي واقفا كالأشجار المثمرة بصلابة جذورها، يواسي تعب رحلته في فضاء المعرفة التاريخية وأوجاع مرضه بنبل الرسالة التعليمية والمعرفية التي كان يؤديها مخلصا لوطنه وأمته ومدرسته التي تعلم في نهوجها ورؤاها عدد من المهتمين بالدرس التاريخي.

لقد آمن المرحوم إبراهيم بوطالب بأن رسالة المعلم والمفكر الملتزم لا تقف عند حدود الدرس الجامعي، وأن قيمة المعرفة التاريخية لا تتحدد فيما اختزنه الرأس، لكن فيما ينفع الناس، وصدقه المراس، فعاش قريبا من طلبته، بانيا رجالا مضوا قدما بمقاصد رسالته، وتاركا بعد رحيله بناة لإنتاج المعرفة التاريخية التنويرية، ومن هنا نقول إنه لم يمت لأنه ترك علما ينتفع به وآثارا يذكر بها، يقول الشاعر: ففز بعلم تحيا به أبدا ** الناس موتى وأهل العلم أحياء

ولم يقف كالمؤرخ التقليدي ناقلا للأخبار، والروايات، وساردا للحوادث بخوارقها وعجائبها المظهرية في مؤلفاته التي تركها لنا ككتاب “تاريخ العصر الوسيط” و”تاريخ المغرب الحديث والمعاصر” و”سبتة ومليلية: تاريخ ووقائع” و”الصحراء في تاريخ المغرب” و”العلاقة التجارية بين المغرب وفرنسا”، بل أسهم في تحرير مناهج الكتابة التاريخية من سلطة التقليد والغيبيات، عاملا على أعمال العقل والتمحيص وكشف المخبوء الذي لا يراه عين المؤرخ المجردة، سابرا أغوار الوثيقة التاريخية لتنفتح بتجليات رؤياوية حداثية جديدة.

وبهذا الإرث المنهجي والرؤياوي الذي تركه الراحل إبراهيم بوطالب، سيبقى هرما متوهجا من أهراماتنا المغربية، وذاكرة وضاءة لمعارفنا التاريخية، فنقول فيه ما قاله الشاعر: تبقى صنائعهم في الأرض بعدهم ** والغيث إن سار أبقى بعده الزهرا

وإذ ننعى في أكاديمية المملكة المغربية فقيدنا الذي فارقنا في زمن نعيد فيه قراءة جديدة لتاريخنا تعريفا بدرره، وكشفا لكنوزه، وتحديثا لمناهجه، وتصحيحا للمفترى عليه، فإننا نقدم صادق التعازي وفائق المواساة إلى زوجته وأبنائه وإخوانه وذويه ومعارفه، سائلا الله أن يعطر بمسك الرحمة والغفران مثواه ويحله فردوسه مع الشهداء، والصديقين والصالحين، ويلهم الصابرين المفجوعين بفقده الصبر والجلد مصداقا لقوله تعالى: ﴿وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ صدق الله العظيم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى